↰🏠 
🔝

إشعياء

فهرس الاصحاحات 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66

الاصحاح 9

فهرس الاعداد1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21
📖 - + 🔊 📚
⪡ 1 وَلكِنْ لاَ يَكُونُ ظَلاَمٌ لِلَّتِي عَلَيْهَا ضِيقٌ. كَمَا أَهَانَ الزَّمَانُ الأَوَلُ أَرْضَ زَبُولُونَ وَأَرْضَ نَفْتَالِي، يُكْرِمُ الأَخِيرُ طَرِيقَ الْبَحْرِ، عَبْرَ الأُرْدُنِّ، جَلِيلَ الأُمَمِ. يحتوي هذا الإصحاح على نبوة هي في جانب منها تعزية للكنيسة ولشعب الله ضد الكوارث التي جرى التنبؤ بها في الإصحاح السابق إشعياء 8: 1؛ وفي جانب آخر هي عقوبة ستحل بالإسرائيليين الفجار على يد أعدائهم. تنبع التعزية الموعودة من ظهور المسيح، النور العظيم، في بقاع معينة من الأرض المذكورة، والتي قيل سابقاً إنها ستعاني من الضيق، إشعياء 9: 1؛ وهو ما سيولد فرحاً بينهم؛ مُشبهاً ببعض التشبيهات كالفرح في الحصاد وعند اقتسام الغنائم، إشعياء 9: 3؛ وسبب ذلك هو الخلاص من نير استبداد وعبودية ثقيلة، وهو خلاص يُصنع بذات الطريقة التي صنع بها خلاص جدعون قديماً؛ ومختلف عن سائر أنواع الخلاص التي تُنال عادة بالضجيج والدماء، إشعياء 9: 4. أما صاحب هذا الخلاص فهو المسيا؛ الموصوف بميلاده كإنسان وببنوته الإلهية كإله؛ أو بشخصه الذي اتحدت فيه طبيعتان؛ وبالرئاسة التي أُلقيت على عاتقه؛ وبأسمائه المتعددة التي تعبر عن عظمة ومجد شخصه وعمله؛ وبنمو وإدارة حكمه، إشعياء 9: 6. ثم يتبع ذلك إعلان بالقضاء على إسرائيل، إشعياء 9: 8؛ وتتم الإشارة إلى الأدوات التي ستنفذ ذلك، إشعياء 9: 11، ووصف الأشخاص الذين سيعانون منه، من رفيعين ووضيعين، أغنياء وفقراء، شباب وشيوخ، إشعياء 9: 14. أما الأسباب فهي: استهانتهم بالتأديبات السابقة، إشعياء 9: 9؛ وعدم توبتهم وقسوتهم تحت الضربات، إشعياء 9: 13؛ وضلالهم بسبب قادتهم؛ ورياؤهم وشرهم، إشعياء 9: 16. وكل هذا سيؤدي إلى اشتعال غضب الله ضدهم واستهلاكهم، إشعياء 9: 18؛ بل إنهم، بسبب الجوع وفقدان المؤن، سيهلكون بعضهم بعضاً، إشعياء 9: 20. وَلكِنْ لاَ يَكُونُ ظَلاَمٌ لِلَّتِي عَلَيْهَا ضِيقٌ. يمكن ترجمة الكلمات: "لأنه لن يكون هناك إعياء لذاك الذي يضيقهم أو يضطهدهم"؛ وهكذا يرى راشي الذي يفسرها عن ملك أشور؛ ولكن الأفضل فهمها عن "تيطس فسباسيان"، الذي لم يكن ليتعب أو يكلّ في مواصلة حصار أورشليم ومضايقة اليهود في كل البقاع. أو هكذا: "لأنه لن يكون ثمة هرب لذاك المضطهد فيها"؛ سواء المحاصر في أورشليم أو المكروب في يهوذا؛ وبذلك تكون الكلمات تعليلاً للضيق السابق وتوسعة وتضخيماً له؛ وإن كان الكثير من المفسرين يظنون أنها يجب أن تُفهم على سبيل التعزية وتخفيف الضيق. كَمَا أَهَانَ الزَّمَانُ الأَوَلُ أَرْضَ زَبُولُونَ وَأَرْضَ نَفْتَالِي، إما على يد "فول" ملك أشور في عهد منحيم ملك إسرائيل، 2 ملوك 15: 19؛ أو بالأحرى على يد "تغلث فلاسر" ملك أشور في عهد فقح ملك إسرائيل، بما أنه سبى الجليل وكل أرض نفتالي، 2 ملوك 15: 29؛ وهو ما كان قد مضى وقت هذه النبوة، ولم يكن سوى ضيق خفيف مقارنة بما تبعه. يُكْرِمُ الأَخِيرُ على يد شلمنأسر ملك أشور في عهد هوشع ملك إسرائيل، الذي أخذ السامرة وسبى إسرائيل (الأسباط العشرة) ولم يعودوا من هناك؛ ومع ذلك يُلمح إلى أن المحنة والضيق اللذين سيحلان باليهود على يد الرومان سيكونان أعظم من أثقل هذه الضربات؛ فلن يكون هناك هرب ولا نجاة لأحد، كما في تلك الأوقات المذكورة، بل سيحل الغضب عليهم إلى التمام، ولا سيما في الأماكن التالية. طَرِيقَ الْبَحْرِ، وهو ما يفهمه البعض عن البحر المتوسط وجزء أرض إسرائيل المحاذي له؛ لكن يبدو بالأحرى أنه يقصد بحر طبرية أو الجليل، كما يفسر راشي بحق. عَبْرَ الأُرْدُنِّ، وهو جزء من أرض إسرائيل يُعرف باسم "بيريا". جَلِيلَ الأُمَمِ. التي لم يسكنها اليهود فحسب بل أشخاص من أمم أخرى ولذلك دُعيت بهذا الاسم؛ وقد عانت هذه الأماكن كثيراً في الحروب بين اليهود والرومان، من مناوشات وحصارات وسرقات ونهب وغيرها، كما يظهر من تاريخ يوسيفوس. ويفهم بعض المفسرين كل هذا -كما لوحظ سابقاً- كتخفيف لأزمنة الضيق تلك، كما لو كانت أقل من الأزمان السابقة؛ ولكن من المؤكد أنها كانت (وستكون) أعظم مما عُرف قط، متى 24: 21. والحق أنه يمكن اعتبارها تخفيفاً وتبعث على التعزية من زاوية أن تلك البقاع ذاتها التي سيقع فيها الكثير من الكرب والشقاء، سيظهر فيها المسيا قبل ذلك ويشرفها بحضوره، وهو الذي سيتم التحدث عنه لاحقاً؛ وبذلك، وبالربط مع الكلمات التالية، يمكن ترجمة هذه الآية كما فعل "دي ديو": "ولكن لن يُجلب ظلام على تلك (الأرض) التي جُلب عليها الضيق؛ فكما تسبب في المرة الأولى في إهانة أرض زبولون وأرض نفتالي، فكذلك في (الزمن) الأخير سيعطي مجداً بطريق البحر، عبر الأردن، في حدود الأمم"؛ وإذا سُئل ما هو ذلك المجد، فالإجابة هي: "الشعب السالك في الظلمة... إلخ". وبناءً عليه يكون المعنى: بينما كان سكان زبولون ونفتالي وكل الجليل يُزدرى بهم لكونهم بسطاء وغير متعلمين، وغير مشهورين بأي فنون أو علوم، ولم يخرج منهم نبي، فإنهم في أيام المسيا سينالون شرفاً عظيماً ويتمجدون بحضوره وخدمته ومعجزاته بينهم. حيث تم اقتباسها وتطبيقها على وجود المسيح في تلك النواحي.
2 اَلشَّعْبُ السَّالِكُ فِي الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا. الْجَالِسُونَ فِي أَرْضِ ظَِلاَلِ الْمَوْتِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ. اَلشَّعْبُ السَّالِكُ فِي الظُّلْمَةِ لا يُقصد بهم سكان يهوذا وأورشليم في زمن حزقيا حين حاصرهم سنحاريب، كما يفسر راشي وكيمحي؛ وبالتأكيد ليس شعب إسرائيل في مصر كما يفسر الترجوم؛ بل سكان الجليل في زمن المسيح؛ انظر متى 4: 16، يوحنا 1: 48. وهذا وصف حقيقي لكل شعب الله قبل التجديد، الذين يكونون في حالة من الظلمة، تحت سلطان الخطية، ومحبوسين في عدم الإيمان؛ غارقين في جهل تام بأنفسهم وحالهم؛ وبالخطية والخطر الذي يتعرضون له بسببها؛ وبالأمور الإلهية والروحية؛ وبنعمة الله؛ وبطريق السلام والحياة والخلاص بالمسيح؛ وبعمل الروح القدس؛ وبحقائق الإنجيل؛ فهم في الظلمة ولا يمكنهم رؤية الأشياء بمعناها الروحي؛ لا يقرأون الكلمة بحيث يفهمونها، ولا يعملون ما هو صالح؛ وهم "يسلكون" في الظلمة، غير عارفين أين هم وإلى أين يذهبون؛ ومع ذلك قيل عن هؤلاء إنهم: أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا. المسيح نفسه، الذي خالط الجليليين، وكرز لهم، وجعل نور إنجيله المجيد يشرق في قلوب الكثيرين منهم؛ وبذلك أُزيحت ظلمتهم، حتى إنهم لم يروا المسيح (هذا النور العظيم) بأعينهم الجسدية فحسب، بل بأعين فهمهم؛ وهو الذي يمكن تسميته "النور" لأنه صاحب ومعطي كل نور، سواء نور الطبيعة أو النعمة أو المجد؛ ونوراً "عظيماً" لأنه الشمس، النور الأعظم، شمس البر، نور العالم لليهود والأمم على حد سواء؛ هو النور الحقيقي تمييزاً له عن كل الأنوار الرمزية (الظلال)، وتفنيداً لكل الأنوار الكاذبة، وهو الذي في شخصه الله على الكل. الْجَالِسُونَ فِي أَرْضِ ظِلاَلِ الْمَوْتِ كما يمكن تسمية الجليل، لأنها كانت مكاناً فقيراً وبائساً وغير مريح لا يخرج منه خير؛ وهذا الوصف يصور بدقة شعب الله في حالتهم الطبيعية قبل الولادة الثانية، الموتى في آدم، والموتى قانوناً، والموتى بالذنوب والخطايا، الموتى روحياً في قوى وملكات نفوسهم؛ فليس فيهم حياة روحية ولا حس ولا شعور ولا حركة روحية؛ وهم "يجلسون" ويستمرون ويبقون في هذه الحالة إلى أن تخرجهم النعمة منها؛ انظر يوحنا 12: 46. أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ. المسيح في الطبيعة البشرية، عبر خدمة إنجيله، بروحه، لكي ينير أولئك السالكين في الظلمة، ويحيي الجالسين في أرض ظلال الموت، ويعزيهم في حالهم الموحشة؛ وهذا النور لم يشرق عليهم في الخدمة الخارجية للكلمة فحسب، كما حدث للسكان بصفة عامة، بل أشرق "في" قلوب الكثيرين منهم بصفة خاصة، بحيث أبصروا في هذا النور نوراً.
3 أَكْثَرْتَ الأُمَّةَ. عَظَّمْتَ لَهَا الْفَرَحَ. يَفْرَحُونَ أَمَامَكَ كَالْفَرَحِ فِي الْحَصَادِ. كَالَّذِينَ يَبْتَهِجُونَ عِنْدَمَا يَقْتَسِمُونَ غَنِيمَةً. أَكْثَرْتَ الأُمَّةَ. بالنور والمعرفة والكرامة والمجد، ويقصد بها "جليل الأمم" المذكورة آنفاً، أرض الظلمة وظلال الموت حيث كان الشعب جالساً؛ والذين أشرق عليهم المسيح (النور) عبر خدمة إنجيله لهم؛ فبذلك تضاعف عدد المؤمنين بالمسيح؛ والحق أنه بما أن المسيح قد خالط وكرز وصنع معظم معجزاته هناك، فقد كان له هناك أكبر عدد من التلاميذ والأتباع؛ وهناك كان "الخمس مئة أخ" الذين رأوه معاً بعد قيامته، 1 كورنثوس 15: 6. فلا ينبغي فهم "الأمة" هنا على أنها الأمة الأشورية التي كان جيشها تحت قيادة سنحاريب ضخماً جداً؛ ولا الأمة اليهودية التي اتسعت بهلاك ذلك الجيش، ولا نموها بعد العودة من السبي البابلي؛ ولا كنيسة الله بانضمام الأمم إليها؛ بل الأرض أو الأمة التي جرى الحديث عنها سابقاً. عَظَّمْتَ لَهَا الْفَرَحَ. يَفْرَحُونَ أَمَامَكَ كَالْفَرَحِ فِي الْحَصَادِ. كَالَّذِينَ يَبْتَهِجُونَ عِنْدَمَا يَقْتَسِمُونَ غَنِيمَةً. أو بالأحرى، كما ينبغي أن تُترجم: "وزدت لها الفرح"؛ اتباعاً لقرارة الـ "كيري" (Keri) أو القراءة الهامشية، التي توجه بأن تُقرأ الكلمة ليس كأداة نفي "لا"، بل "لها"؛ وهو ما اتبعه الترجوم والنسخة السريانية وراشي وابن عزرا وكيمحي وغيرهم؛ وسياق الكلمات يقتضي هذه القراءة، لأنه يتبعها قوله: يَفْرَحُونَ أَمَامَكَ وإلا لكان هناك تناقض صريح في النص؛ وإن كان البعض، لتجنب ذلك، يقرأ الكلمات بصيغة الاستقهام: "ألم تزد الفرح؟" بلى؛ وبهذه الطريقة يمكن الجمع بين القراءة (Keri) والكتابة (ketib): "ألم تزد لها الفرح؟" وكما ترجمها البعض: "لَقَدْ أَكْثَرْتَ الأُمَّةَ الَّتِي لَمْ تَكُنْ قَدْ مَنَحْتَهَا فَرَحاً عَظِيماً". أي فرحاً مادياً؛ رغم أن الفرح الروحي الآن كثير: فظهور المسيح (النور)، وكرازة إنجيله من قِبله ومن قِبل رسله، وإيمان الكثيرين به، أدى إلى زيادة الفرح الروحي في تلك البقاع؛ وهكذا هو الأمر، فحيثما حلّ الإنجيل وكُرز بالمسيح وتجددت النفوس، يكون فرح عظيم، أعمال 8: 6. فحيثما وجدت أي نعمة من الروح، كالإيمان والرجاء والمحبة، وجد الفرح؛ ولا سيما حين تستنير النفس وتحيا، كما في الآية السابقة إشعياء 9: 2، فإنها تفرح متأملة في حالة الظلمة والموت التي أُخرجت منها، وفي النور والحياة والحرية العجيبة التي أُدخلت إليها؛ وعند رؤية المسيح في شخصه ومناصبه وعلاقته ونعمته، كشمس البر والشفاء في أجنحتها، وبأشعة النور والخلاص والسعادة؛ وهو فرح روحي باطني، يفوق المعرفة، وغير كامل لكنه قابل للزيادة. الكلمات في هذه الفقرة والتي تسبقها موجهة إلى الله، وتبين أنه كما أن عمل التجديد وزيادة الفرح الروحي هما منه؛ فكذلك الفرح الذي يمنحه هو يُعبر عنه "أمامه"، في بيته ووصاياه، وهو في نظره، أمام من كل شيء مكشوف لديه؛ وبذلك يشير إلى صدق هذا الفرح وإخلاصه، وهو ما يتضح عبر الاستعارات التالية. كَالْفَرَحِ فِي الْحَصَادِ. مثل ذلك الفرح الذي يعبر عنه الناس في وقت الحصاد، سواء من قِبل الملاك الأغنياء حين يكون الحصاد جيداً ومجموعاً بسلام، أو من قِبل الفقراء الذين يتطلعون إلى مؤنة مريحة بطريقة رخيصة؛ وقد استُخدم هذا التشبيه بلياقة وملاءمة كبيرة. فالمسيح وخدامه هم زارعو البذور (الكلمة)؛ وسامعو الكلمة مُشبهون ببذور زُرعت في أماكن مختلفة؛ وحين تتجدد أي مجموعة من هؤلاء، يكون ذلك حصاداً يولد الفرح. وجاء في الترجوم: "كَفَرَحِ الْغَالِبِينَ فِي الْحَرْبِ". وهو ما يتفق مع ما يلي: كَالَّذِينَ يَبْتَهِجُونَ عِنْدَمَا يَقْتَسِمُونَ غَنِيمَةً. مأخوذة في الحرب: ففي الفداء، أخذ المسيح الفريسة من القوي وحرر المسبي ظلماً، وقسم الغنيمة مع الأعزاء؛ وفي الدعوة الفعالة يربط الرجل القوي المسلح وينهب أمتعته ويخلص النفوس من يديه، وهذا مدعاة لفرح عظيم، إشعياء 53: 12؛ انظر مزمور 119: 162.
4 لأَنَّ نِيرَ ثِقْلِهِ، وَعَصَا كَتِفِهِ، وَقَضِيبَ مُسَخِّرِهِ كَسَّرْتَهُنَّ كَمَا فِي يَوْمِ مِدْيَانَ. لأَنَّ نِيرَ ثِقْلِهِ، نير الجليل، ونير الأمة التي تكاثرت، وسكانها الروحيين الذين ازداد فرحهم؛ وهذا أحد أسباب ذلك الفرح، لأن الرب حررهم من نير الشريعة الطقسية الثقيل الذي كُسر وأُبطِل بواسطة المسيح؛ ومن طغيان الشيطان إله هذا العالم، الذي فُدوا وتحرروا من يديه؛ ومن سيادة الخطية التي كانوا تحت سلطان عبوديتها. وَعَصَا كَتِفِهِ، وَقَضِيبَ مُسَخِّرِهِ كَسَّرْتَهُنَّ عبارات مختلفة تعبر عن الشيء ذاته: عبودية ورقّ الشريعة والخطية والشيطان. كَمَا فِي يَوْمِ مِدْيَانَ. حين حقق جدعون نصراً ساحقاً على المديانيين بعدد قليل من الرجال العزل، عبر صوت الأبواق وتكسير الجرار، قضاة 7: 16؛ وقد يشير ذلك إلى الطريقة السهلة التي حقق بها المسيح غلبة على جميع أعدائه وأعدائنا؛ وإلى الوسيلة التي عُرف بها ذلك لنا وتحررنا بها من العبودية للأعداء الروحيين؛ وهي خدمة الإنجيل المشبهة بنفخ الأبواق، والتي هي كنز موضوع في أوانٍ خزفية، أي رجال ضعفاء وفانون.
5 لأَنَّ كُلَّ سِلاَحِ الْمُتَسَلِّحِ فِي الْوَغَى وَكُلَّ رِدَاءٍ مُدَحْرَجٍ فِي الدِّمَاءِ، يَكُونُ لِلْحَرِيقِ، مَأْكَلاً لِلنَّارِ. لأَنَّ كُلَّ سِلاَحِ الْمُتَسَلِّحِ فِي الْوَغَى بصوت الأبواق، وكما هو الحال الآن بقرع الطبول، وهتافات وصيحات الجنود، ووقع حوافر الخيل وصهيلها، واندفاع المركبات وقعقعة العجلات، وتضارب السيوف والرماح والتروس، واصطدام بعضها ببعض أحياناً. وَكُلَّ رِدَاءٍ مُدَحْرَجٍ فِي الدِّمَاءِ، ثياب القتلى الذين سقطوا في المعركة. يَكُونُ لِلْحَرِيقِ، مَأْكَلاً لِلنَّارِ. وهذا يشير إما إلى الدمار المفاجئ للمديانيين، أو بالأحرى إلى الغلبة السريعة والسهلة التي نالها المسيح على الخطية والشيطان والعالم والموت؛ والتي انتهت بسرعة كاحتراق أي مادة قابلة للاشتعال بالنار. ويفسر البعض هذا عن دمار إبليس وملائكته وضد المسيح وكل الأشرار بالنار في اليوم الأخير؛ ويرى آخرون أن هذه الفقرة الأخيرة مرتبطة بما قبلها: "والثياب المدحرجة في الدماء تكون للحريق مأكلاً للنار"؛ أي أن تلك الثياب الملطخة بالدماء ستُحرق بالنار وتُستهلك تماماً؛ وبذلك لا تكون حرب بعد بل سلام دائم. فقد كان من المعتاد بعد النصر حرق أسلحة وغنائم العدو؛ أو بالأحرى قد يقصد بها محبة المسيح الملتهبة وغيرته المتوقدة وعاطفة المخلص الموصوف في الآية التالية.
6 لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ. لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ هذا هو التعليل لكل ما قيل في السياق؛ للنور العظيم الذي أشرق وأبصره الجالسون في الظلمة وفي أرض ظلال الموت؛ وللفرح العظيم بين الشعب؛ ولكسر نير وعصا وقضيب المسخر؛ ولحرق الثياب المدحرجة بالدماء ووضع حد للحرب وتثبيت السلام؛ كل هذا يعود إلى الولد المذكور هنا أنه يولد، والذي يجب أن نفهم أنه "المسيا"؛ كما يفسر الترجوم؛ وليس "حزقيا" كما يطبقها الكثير من المفسرين اليهود ؛ إذ لا يمكن تصويره كولد "ولد للتو" بينما كان عمره عشر أو إحدى عشرة سنة على الأقل حين أُعطيت هذه النبوة، وتسعة وعشرين عاماً حين صعد سنحاريب بجيشه ضده كما يلاحظ ابن عزرا؛ وهو الوقت الذي يحيل إليه هو وآخرون هذا السياق. كما لا يمكن إيجاد سبب لتسميته "ابناً" بهذا الأسلوب الفريد وغير المعتاد؛ ولا يمكن القول عنه إنه كان النور العظيم الذي أشرق على سكان الجليل؛ ولم يكن ميلاده سبباً لهذا الفرح العظيم الموصوف هنا؛ ولا يمكن بالعدل أن يُقال عنه إن لنمو حكومته وسلامه لا نهاية؛ حيث إن حكمه اقتصر على سبطي بنيامين ويهوذا، وملكُه دام تسعة وعشرين عاماً فقط، وشابه في معظمه الضيق والاضطهاد والحرب؛ فضلاً عن أن الألقاب الجليلة المستخدمة هنا لا يمكن أن تُنسب إليه ولا لأي مخلوق مجرد؛ بل كل شيء يتفق مع المسيح؛ وإليه نُسبت حتى من قِبل بعض الكتاب القدامى والمحدثين بين اليهود أنفسهم. هذه الفقرة تخص ناسوته (إنسانيته)، تجسده وميلاده، والحديث عنها بصيغة المضارع رغم أنها مستقبلية لليقين بوقوعها؛ بأنه سيصير حقاً إنساناً، ويتخذ جسداً حقيقياً ونفساً عاقلة، ويشارك الأولاد في ذات اللحم والدم، ويصير جسداً ويحل بيننا: وهذا كان "لنا": لأجل خيرنا ومنفعتنا وفائدتنا؛ ليس لأجل الملائكة بل لأجل البشر؛ لأجل القديسين في العهد القديم والجديد؛ لأجل كل شعبه وإخوته وأولاده؛ لكي تكون لهم طبيعة مقدسة؛ ولكي يُوفى الحق والعدل في تلك الطبيعة التي أخطأت، ويُهزم بها الشيطان الذي كان هو نفسه قد دمرها؛ ولكي يكون المسيح وسيطاً وفادياً مناسباً لشعبه، وقادراً على تنفيذ مناصبه المتعددة لمصلحتنا؛ منصبه الكهنوتي بالتكفير والشفاعة عنا؛ ومنصبه النبوي بتعليمنا؛ ومنصبه الملكي بالحكم علينا؛ ولكي يحقق العلاقات التي يقف فيها كأب وزوج وأخ وصديق. وَنُعْطَى ابْنًا، هو نفسه الذي هو ابن الله، ابنه الخاص، ابنه الوحيد، ابنه الحبيب، ابن محبته العزيز؛ وكل هذا يعظم محبته في عطية ابنه، ليكون عهداً ورأساً لنا، وليكون مخلصاً لنا وذبيحة عنا؛ وفي تسليمه إلى أيدي البشر والعدل والموت؛ هذه عطية مجانية من محبة الله، عطية واسعة وشاملة، لا تضاهى ولا يوصف شأنها، غير متغيرة ولا رجعة فيها. وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، ليس فقط رياسة العالم بصفة عامة، بل الكنيسة بصفة خاصة؛ هذا الولد ولد لكرامة ملكية؛ هو ملك القديسين؛ وتتمثل حكومته في الملك على قلوب شعبه، وتشريع القوانين لهم، وجعلهم يخضعون لها، وإخضاع أعدائهم، وحماية أشخاصهم وممتلكاتهم وحقوقهم وحرياتهم، وإمدادهم بكل ضرورة؛ وهذه الحكومة مفوضة إليه من أبيه، وملقاة عليه من قِبله، وهي ليست من هذا العالم بل روحية؛ تُدار بالبر، وهي سلامية، وستدوم إلى الأبد. وقوله إنها "على كتفه" إشارة إلى القضاة الذين يوضع مفتاح أو قضيب على أكتافهم كعلامة لمنصبهم، أو يحمله موظفوهم أمامهم (انظر إشعياء 9: 4)، وهذا يظهر أنها وُضعت عليه أو كُلف بها من قِبل أبيه، وإن كان ذلك ليس ضد إرادته؛ وهي تشير إلى ثقل الكرامة والعناية التي يحملها، هو الذي كتفاه مهيأة لذلك وكفؤة له؛ وأنه هو السند والظهير لكنيسته وشعبه، الآمنين تحت حكمه وحمايته. وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، ليس أن البشر سيدعونه عادة بهذا الاسم، ولا بأي من الأسماء التالية؛ بل المعنى أنه سيظهر كونه كذلك، أو يملك في داخله، أو يفعل ما يجيب كفاية على هذا الاسم وعلى البقية: هو عجيب في شخصه، وفي مجد وجمال هذا الشخص؛ في كونه الله وإنساناً في شخص واحد، وله طبيعتان مختلفتان تماماً متحدتان فيه؛ وأنه وهو الله الحق صار إنساناً؛ وأنه ولد من عذراء؛ عجيب في توجهات عقله وفي الصفات التي يملكها؛ في محبته لشعبه وتعاطفه معهم؛ في تواضعه ووداعته وصبره؛ في حكمته وسلوكه وشجاعته وعظمة نفسه؛ عجيب في حياته؛ ففي حياته الخاصة سُجلت عنه أمور عجيبة كثيرة، كإرشاد المجوس إليه بنجم وسجودهم له؛ وحمايته من قسوة هيرودس؛ ومجادلته للدكاترة في الهيكل وهو في الثانية عشرة؛ وعيشه حياة وضيعة ومغمورة لمدة ثلاثين عاماً؛ أما حياته العامة فلم تكن سوى سلسلة متصلة من العجائب؛ معموديته في الأردن، تجاربه في البرية، تعاليمه ومعجزاته، وتجليه على الجبل؛ عجيب في موته؛ أن يموت هو أصلاً وهو رئيس الحياة، رب الحياة والمجد؛ وأن يموت بمحض إرادته ورضا أبيه ولأجل الخطاة، بل ورأس الخطاة؛ وبموته يحصل لنا على الحياة، ويبطل الموت، ويدمر ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس، وينال خلاصاً وفداءً أبدياً؛ وكانت الظروف المحيطة بموته مذهلة: كالظلمة التي حلت على الأرض، وانشقاق الحجاب، وتصدع الصخور؛ عجيب في قيامته من الأموات، التي كانت بقدرته الخاصة، وقبل أن يرى فساداً، في الوقت الذي أشارت إليه الرموز والنبوة، وبذات الجسد الممجد جداً؛ وهي القيامة التي لها أثر في تبريرنا وتجديدنا وقيامتنا؛ عجيب في صعوده إلى السماء، سواء في طريقة الصعود في سحابة، أو في آثاره من نيل مواهب للبشر وإعطائها لهم؛ وفي دخوله إلى السماء، وجلوسه عن يمين الله، وشفاعته عن المتعدين؛ وسيكون عجيباً في مجيئه الثاني للدينونة؛ فعلامات هذا المجيء كثيرة ومذهلة، وطريقته مجيدة بشكل عجيب؛ وآثاره المختلفة على البشر، إذ يملأ البعض بالفرح والبعض الآخر بالرعب؛ والأمور التي ستُصنع حينها كإقامة الموتى، ووضع كل الأمم أمامه، وفصل الأبرار عن الأشرار، والنطق بأحكامهم المتباينة وتنفيذها؛ وباختصار، المسيح عجيب في كل ما هو عليه، وما يملكه، وما ينتمي إليه؛ في شخصه ومناصبه وعلاقاته؛ في شعبه الذين هم "لآيات وعجائب"؛ في تعاليمه ووصاياه؛ وفي إعلانات نفسه ونعمته لشعبه الآن ومستقبلاً؛ بل إن الكلمة لا تعني فقط "عجيباً"، بل هي "معجزة" بحد ذاتها، كما هو المسيح في شخصه، انظر قضاة 13: 17. مُشِيرًا، يقرأ البعض هذا اللقب مقترناً بما قبله هكذا: "عجيباً مشيراً"؛ وهكذا النسخة العربية والسبعينية التي تسميه "ملاك المشورة العظيمة"؛ والترجوم يقول: "الَّذِي يَفْعَلُ عَجَائِبَ فِي الْمَشُورَةِ". وهذا يتفق مع إشعياء 28: 29. هذا اللقب يخص المسيح من حيث علاقته بأبيه وبالروح القدس في أعمال الطبيعة والعناية والنعمة. فالله لا يحتاج إلى مشورة، ولا تقع عليه المشورة بمعناها الحقيقي، وإن كانت تُنسب إليه أحياناً بلسان البشر؛ والمخلوقات ليست من مشورته، أما المسيح فبلى؛ فقد كان مطلعاً على كل أفكاره ومقاصده ومراسيمه؛ جرى التشاور معه في الخلق وفي أعمال العناية (تكوين 1: 26، تكوين 11: 7) وفي قضية الفداء والخلاص العظمى؛ والمشورة التي عُقدت بشأن ذلك هي "المشورة العظيمة" التي ذكرتها نسخة السبعينية هنا؛ ويمكن تسميتها "مشورة السلام" (زكريا 6: 13) التي وُضع فيها مخطط الخلاص، ووُجد صاحبُه واختير؛ واتُّفق فيها على الطريقة، بأن تكون عبر اتخاذ الطبيعة البشرية وبالطاعة والآلام والموت؛ وتحدد فيها وقت تجسد المسيح وموته، وكذلك كل بركات النعمة والمجد للأشخاص الذين سيشاركون في هذا الخلاص. وهذا اللقب يتفق مع المسيح أيضاً بالنسبة لشعبه، فهو مشورة لهم، وهو مشير لأجلهم؛ هو مشورة لهم لأنه يعطيهم المشورة؛ وقد فعل ذلك بشخصه حين كان على الأرض؛ نصح الخطاة بالتوبة، وشجع النفوس على الإيمان به، وأرشد المتعبين للمجيء إليه للراحة، والجياع والعطاش للطعام؛ والذين شفاهم وصفح عنهم نصحهم ألا يخطئوا بعد؛ ونصح أتباعه أن يفعلوا لكل الناس كما يريدون أن يفعل الناس بهم؛ وأن يسلكوا بتواضع وبساطة؛ وأن يحملوا التعييرات والاضطهادات بابتهاج؛ وأن يحبوا بعضهم بعضاً؛ وأن يصلوا لأبيه باسمه لكل ما يحتاجونه. والآن يعطي شعبه مشورة عبر خدمة الكلمة، التي هي مشورة الله، ونتاج حكمته، ونسخة من مشورته وعهده الأزلي، وإعلان لإرادة الله وللمسيح؛ وفيها ينصح المسيح المساكين بالروح أن يأتوا إليه للغنى، والعراة للكساء، والجهال للنور والمعرفة الروحية، والذين هم على وشك الهلاك للخلاص؛ وينصح المؤمنين أن يثبتوا فيه وفي حقائقه ووصاياه؛ وهي مشورة صحية وملائمة، قلبية ومخلصة وأمينة؛ حكيمة ورزينة وتُعطى مجاناً؛ وإذا ما أُخذ بها تنجح نجاحاً لا يخيب. وهو مشير لأجلهم في السماء؛ يظهر هناك أمام وجه الله لأجلهم، يمثل أشخاصهم ويقدم طلباتهم، ويرد على كل التهم الموجهة ضدهم، وكشفيع لهم يحاجج عن قضيتهم، ويطالب بالبركات المتفق على منحها لهم والتي يحتاجونها؛ وهو مؤهل لكل ذلك بامتياز، كونه الإله الحكيم وحده، القديم الأيام، أب شعبه؛ وكوسيط، هو حكمة الله، الذي فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة، وعليه يستقر روح الحكمة والفهم والمشورة والقوة. إِلهًا قَدِيرًا، أو "الله المقتدر"؛ كما يقرأها البعض مع فاصلة؛ ولكن إذا قُرئت معاً فالمعنى واحد؛ المسيح هو الله، حقاً وبالتخصيص؛ كما يظهر من اسمه "يهوه" الخاص بالعلي وحده؛ ومن طبيعته وكمالاته لكونه واحداً مع أبيه؛ ومن الأعمال التي قام بها كالخلق والعناية والمعجزات والفداء والقيامة من الأموات... إلخ؛ ومن العبادة المقدمة له والتي لا تليق إلا بالله؛ كما يُدعى إلهنا، وإلهكم، وإلههم، وإلهي، وهي نعوت لا يُسمى بها أبداً من ليس إلهاً حقاً؛ ويُقال عنه إنه الله ظهر في الجسد، الله على الكل المبارك إلى الأبد، الإله العظيم، الإله الحي، الإله الحق والحياة الأبدية. وهو "المقتدر" كما يظهر من الأعمال التي قام بها قبل تجسده؛ كخلق كل الأشياء من العدم؛ وحفظ كل الأشياء بكلمة قدرته؛ وإدارة كل شؤون العناية، إذ لا يُصنع شيء إلا وله شأن فيه؛ كبلبلة الألسن، وحرق سدوم وعمورة، وإخراج بني إسرائيل من مصر، وقيادتهم والسير أمامهم في البحر الأحمر والبرية، وحملهم كل أيام القدم. وأيضاً من خلال الأعمال التي قام بها وهو هنا على الأرض؛ كمعجزاته التي دُعيت أعماله المقتدرة؛ كشفاء كل أنواع الأمراض بكلمة أو بلمسة، أو بلمس الشخص له حتى ثوبه، أو دون رؤية الشخص أصلاً، ودائماً دون استخدام أدوية؛ وإخراج الشياطين من أجساد البشر؛ وسلطانه على العناصر كتحويل الماء خمراً وانتهار الريح والبحار... إلخ؛ وإقامة الموتى بل وحتى جسده هو حين مات؛ وفوق كل ذلك، عمل الفداء العظيم الذي يظهر به أنه المقتدر حقاً؛ فدعوة أبيه له لذلك تظهر ذلك؛ وتعهده به يؤكده؛ وتنفيذه الفعلي له يقطعه من كل شك؛ وكذلك ما صنعه حينها كحمل كل خطايا شعبه، والاشتباك مع كل أعدائهم وقهرهم وتخليصهم من أيديهم. وكذلك بما يفعله الآن، جزئياً في تجديد شعبه، وإحياء الموتى بالذنوب والخطايا، وجعل العظام اليابسة تحيا، وإعطاء البصر الروحي لمن وُلدوا عمياناً، وانتزاعهم من يد الشيطان وتحويلهم من سلطانه إلى الله، مما يظهره أقوى من القوي المسلح؛ وبدء عمل الإيمان وقوة إكماله فيهم، وكذلك جعلهم منذ البداية مستعدين للخضوع لبره وللخلاص به؛ وجزئياً في عنايته بهم بعد ذلك، إذ تكون رياسةُ هؤلاء على كتفه، يسد كل أعوازهم، ويحمل كل أثقالهم، ويسندهم في كل ضيقاتهم وتجاربهم وحالات هجرانهم؛ يحميهم من كل أعدائهم، يقويهم لفعل إرادته وعمله، ويحفظهم من السقوط الكلي والنهائي، ويصونهم سالمين لملكوته الأبدي ومجده. وعلاوة على ذلك، بما سيفعله مستقبلاً؛ من ربط الشيطان وتقييده لألف سنة، وتطهير العالم من كل أعدائه وأعداء شعبه، وإقامة الموتى ودينونة العالم، وإهلاك الأشرار والشياطين بهلاك أبدي. أَبًا أَبَدِيًّا، وهذا لا يشير إلى أي علاقة للمسيح داخل اللاهوت؛ فليس هناك إلا أب واحد في اللاهوت وهو الأقنوم الأول؛ والحق أن المسيح والآب واحد، والآب فيه وهو في الآب، ومن رأى الواحد رأى الآخر، ومع ذلك فهما متميزان، فالمسيح ليس هو الآب؛ ويمكن اعتبار الابن والروح مع الأقنوم الأول كـ "آب" في الخلق والتجديد لاشتراكهم جميعاً في ذلك، ولكن ليس في التثليث. ومن السهل إظهار أن المسيح ليس هو الآب بل متميز عنه، بما أنه قيل إنه مع الآب منذ الأزل، وأنه ابن الآب بالحق والمحبة، ابنه الخاص، ابنه الوحيد والحبيب؛ والمسيح مراراً يدعو الأقنوم الأول أباه، وصلى إليه كأب، وهو شفيعنا عنده وطريقنا إليه؛ وقيل إن الآب أرسله وأنه جاء منه ويذهب إليه؛ وأمور كثيرة قيلت عن المسيح لا يمكن أن تُقال عن الآب، كصيرورته جسداً وتألمه وموته بدلاً عن شعبه؛ وقيل إن الآب فعل به أموراً كثيرة كمسحه وختمه وإراءته كل ما يفعل وتفويض كل الدينونة إليه وإعطائه أن تكون له حياة في نفسه كما له. لكن المسيح هو أب بالنسبة للبشر المختارين الذين أُعطوا له كأولاد وذرية في العهد؛ الذين تُبُنوا في تلك العائلة المسماة باسمه، والذين وُلدوا ثانية بروحه ونعمته. ولأجل هؤلاء هو "أب أبدي"؛ كان كذلك منذ الأزل؛ فالتجديد والإيمان لا يجعلون البشر أولاداً بل يظهرونهم كأولاد؛ فمختاري الله هم أولاد قبل عمل الروح فيهم، بل وقبل تجسد المسيح وموته؛ فالتبني هو فعل من مشيئة الله في العهد منذ الأزل. والمسيح هو أب لهؤلاء إلى الأبد؛ هو لن يموت أبداً وهم لن يُتركوا يتامى؛ هو وهم سيظلون دائماً في هذه العلاقة؛ وبصفته هذه يمدهم بالمؤن الأبدية، ويكسوهم بالرداء الأبدي، ويعطيهم النصيب الأبدي، ويرقيهم للكرامة الأبدية، ويخلصهم بخلاص أبدي، حاملاً لهم محبة أبدية. ويترجم البعض الكلمات: "أب الأبدية"؛ أي واهب الحياة الأبدية الذي حصل عليها لشعبه ويعطيها لهم؛ أو من تنتمي إليه الأبدية ويسكن فيها ويملكها، هو "أنا هو" الأزلي، كان قبل كل الأشخاص والأشياء، نُصب في مقام المنصب منذ الأزل، وكان له مجد مع الآب قبل أن يكون العالم، وفيه تم الاختيار الأزلي ومعه عُقد العهد الأبدي. وجاء في نسخة السبعينية: "أب العالم الآتي"؛ أي التدبير الإنجيلي؛ المسمى كذلك في عبرانيين 2: 5؛ فالتدبير الناموسي حين كان قائماً كان هو "العالم الحاضر" حينها، والذي في نهايته جاء المسيح؛ وهذا قد انتهى الآن وحلت حالة جديدة من الأمور، والتي كانت بالنسبة لقديسي العهد القديم هي "العالم الآتي"، والمسيح هو أب وصاحب هذا العالم؛ فكما أن الناموس بموسى جُعل وهو كان أب التدبير الناموسي، فالنعمة والحق بالمسيح قد صارا، وهو أب وصاحب التدبير الإنجيلي؛ فتعاليمه منه ووصاياه به؛ وهو أب لتلك الحالة أو العالم الآتي بعد القيامة، حالة كنيسة أورشليم الجديدة، وأيضاً المجد النهائي. رَئِيسَ السَّلاَمِ. المسيح رئيس، وكثيراً ما دُعي كذلك (حزقيال 34: 24)، هو كذلك بالميلاد كونه ابن الملك، ابن الله، وبالمنصب والقوة والسلطان؛ هو رئيس لدرجة أنه ملك؛ وقد ترفع ليكون رئيساً ومخلصاً؛ وهو رئيس أسمى من الملوك كونه رئيس ملوك الأرض (أعمال 5: 31). ودُعي "رئيس السلام" لأنه صاحب السلام؛ تماماً كما قيل إنه "رئيس الحياة" (أعمال 3: 15) لذات السبب: هو صاحب السلام بين اليهود والأمم بإبطال الناموس الطقسي (العداوة بينهم) وبإرسال الإنجيل لكليهما وجعله قوة الله للخلاص لبعض من كل منهما، وبإدخالهم في ذات حالة الكنيسة وجعلهم مشاركين في ذات الامتيازات والبركات الباطنة والظاهرة (أفسس 2: 14). وهو صاحب السلام بين الله والخطاة؛ قد صنعه بدم صليبه، إذ وُضع تأديب سلامهم عليه، نتيجة لعهد سلام صنعه مع أبيه الذي كان فيه مصالحاً العالم لنفسه. وهو يُسمى كذلك لأنه معطي السلام؛ معطي كل سلام خارجي ورخاء لكنائسه، كالراحة من أعدائهم والوئام بينهم والزيادة في المخلصين؛ ومعطي السلام الداخلي عبر إعلانات محبته وتطبيق بره ودمه وذبيحته بطريق الإيمان به وفي مسيرة الطاعة له؛ وكذلك السلام والراحة الأبدية في العالم الآتي. علاوة على ذلك، كل ما يخصه كملك أو رئيس يظهره رئيساً للسلام: فملكوتُه يقوم -بين أمور أخرى- في السلام والفرح في الروح القدس؛ وصولجان ملكه هو صولجان النعمة والرحمة الذهبي؛ وإعلانه الملكي هو إنجيل السلام؛ وثمر روحه هو السلام؛ ورعاياه هم مسالمون سواء في الكنيسة أو الدولة. قارن هذا مع عبرانيين 7: 2. ومن الملاحظ أنه عند ميلاده كان هناك سلام شامل، ليس في الإمبراطورية الرومانية فحسب (لوقا 2: 1) بل في كل العالم؛ ومن اللافت أنه بينما كانت الإمبراطورية الصينية في ذلك الوقت تنعم بسلام عميق، قام إمبراطورها بتغيير اسمه ورفض أن يُدعى باسمه "نغايوس" بل "بينغوس" الذي يعني "المسالم". ترجوم يوناثان لإشعياء [قال النبي لبيت داود: إنه يولد لنا ولد ونُعطى ابناً، وهو الذي يقبل على نفسه حفظ التوراة، ويُدعى اسمه من قِبل "الرائع في المشورة، الإله القدير، القائم للأبد": "المسيح"، الذي سيعظم السلام في عهده. العظمة ستنمو للعاملين بالشريعة ولمنتظري السلام، ولن يكون لمملكته ولا لكرسي داود نهاية، بل سيقيمها ويوطد أركانها بالحق والبر من ذلك الوقت وإلى الأبد. وبكلمة رب الجنود يتم هذا]. مدراش رباه للتثنية (1: 20) [في تفسير "وأوصِ الشعب قائلاً" (تث 2: 4)؛ قال له: إلى هذا الحين، بقي لي أن أقيم الملك المسيح، الذي نُعت في المكتوب بقوله: "لأنه يُولد لنا ولد وتكون الرياسة على كتفه" (إش 9: 6)].
7 لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلاَمِ لاَ نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ، لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِالْحَقِّ وَالْبِرِّ، مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَدِ. غَيْرَةُ رَبِّ الْجُنُودِ تَصْنَعُ هذَا. لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، أي رياسة رئيس السلام، الذي تقع على كتفيه؛ والتي ستبدأ من بدايات صغيرة لتصل إلى ذروة عظيمة جداً من المجد؛ وهذا ما أشار إليه الحجر الذي قُطع من جبل بغير يدين، فضرب التمثال وصار جبلاً كبيراً وملأ الأرض كلها (دا 2: 34)؛ وبمَثَل حبة الخردل، أصغر جميع البذور، ولكنها متى نمت صارت شجرة كبيرة تعشش طيور السماء في أغصانها (مت 13: 31). ويمكن القول إن ملكوت المسيح واهتماماته وسيادته وحكومته تزداد عندما ينتشر إنجيله في كل مكان، وهو المسمى "إنجيل الملكوت"، وتُسمى عقائده "أسرار الملكوت"؛ فبواسطتها يصير البشر رعايا له، وبذلك يتسع ملكوته. في أيام جسده على الأرض، آمن به قليلون؛ وبعد صعوده إلى السماء، حدثت زيادة كبيرة في أتباعه في أورشليم وفي عالم الأمم؛ وبما أن الإنجيل كُرز به هناك، فقد صار أولاد المستوحشة أكثر من أولاد ذات البعل؛ وتجددت أعداد هائلة، وأُقيمت وتأسست كنائس في كل مكان؛ وفي الأيام الأخيرة ستملأ الكنيسة الأرض، وتصير ممالك هذا العالم هي كنيسة المسيح؛ وستجري إليها كل الأمم؛ وسيتجدد شعب اليهود ككتلة واحدة، ويُدخل ملء الأمم؛ واهتمامات المسيح، التي بدت في البداية متواضعة جداً، وتتألف أساساً من فقراء هذا العالم الذين طاردهم الاضطهاد وأزعجهم المبتدعون، ستصبح الآن عظيمة جداً؛ بدخول ملوك الأرض إليها، ووقوع ثروات وغنى العالم في أيدي القديسين، وإعطائهم عظمة المملكة تحت كل السماء؛ وستكون المسيحية هي الديانة العالمية للبشر، والتي ستتسم بأسمى الروحانيات، وقداسة الحياة، ونقاء العقيدة والعبادة والنظام، والحرية من الاضطهاد، كما يتبع ذلك. في كلمة "لِنُمُوِّ" L'marba לְםַרְבֵּ֨ה، حرف الميم في وسطها "مغلق" ميم نهائية ם بينما يُفترض في أماكن أخرى أن يكون مفتوحاً (מ). يسعى اليهود وراء أسرار في هذا؛ فيقول ابن عزرا إن ذلك يخص معجزة الشمس التي رجع ظلها إلى الوراء في زمن حزقيا (وهذا قيل لخدمة فرضية معينة)؛ أما كيمحي فيلاحظ -على العكس- أنه في سفر عزرا (في الواقع هو نحميا 2: 13) فإن ذات الحرف في نهاية الكلمة "مفتوح" في حين يُفترض أن يكون مغلقاً، حيث يرد ذكر أسوار أورشليم المنهدمة؛ ويرى أن في ذلك سراً: وهو أنه في وقت الخلاص، فإن أسوار أورشليم التي انهدت أثناء السبي ستُسد، وحينها "يُفتح" الحكم التي كانت "مغلقة" حتى جاء الملك المسيا. وإذا كان هناك أي سر في هذا، فقد يشير إلى أن حكومة المسيح، التي ستضيق لفترة وتُحفظ في حدود ونطاقات ضيقة، ستمتد لاحقاً في كل العالم إلى زواياه الأربع، لتكون ثابتة ومستقرة، كاملة وتامة؛ وهو ما قد يكون شكل هذا الحرف (المغلق والمربع) رمزاً له؛ انظر رؤيا 21: 16. وَلِلسَّلاَمِ لاَ نِهَايَةَ وهذا يخص نمو ودوام سلام ملكوت المسيح. فسلام المؤمنين في ظل التدبير الإنجيلي أعظم من سلام القديسين في ظل التدبير الناموسي، الذين لم تكن ذبائحهم قادرة على نزع الشعور بالخطية وذنبها، والذين كانوا بسبب الشرائع المتنوعة المهددة بالموت خاضعين للعبودية كل حياتهم؛ أما سلام قديسي العهد الجديد فعظيم، بدم المسيح وبره وذبيحته، وهذا السلام يمكن أن يزداد أكثر فأكثر؛ وفي الأيام الأخيرة سيكون هناك سلام أكثر فيما بينهم؛ فلا يحسد أفرايم يهوذا ولا يضايق يهوذا أفرايم؛ وعصا يوسف ويهوذا تكونان واحدة؛ ولن يكون هناك أي شقاق بين اليهود والأمم؛ والأسد والحمل سيربضان معاً؛ ولن تكون هناك حرب بين الأمم بعد معركة هرمجدون؛ ولا اضطهاد بعد مقتل الشاهدين؛ ووفرة السلام هذه، روحياً ومادياً، ستدوم ما دام القمر (مزمور 72: 7)؛ وكل هذا سينتهي بسلام أبدي في العالم الآتي. عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ، أي أن رئيس السلام سيجلس عليه، وهو ابن داود بحسب الجسد ووارثه (انظر لوقا 1: 32)؛ وهو ما يجب فهمه روحياً عن كنيسة وشعب المسيح، الذين هم عرشه ومملكته، والذين يملك في قلوبهم بنعمته وروحه. لِيُثَبِّتَهَا يدبرها، ويقومها، ويضعها في شكل ونظام، ويزينها ويجملها، عبر سن قوانين لهم، وكتابتها على قلوبهم، ووضع روحه في داخلهم لتمكينهم من حفظها؛ وعبر إقامة أشخاص فوقهم (تحت سلطانه) كنواب وحكام فرعيين ومرشدين ومدبرين، لشرح قوانينه وفرضها؛ ولتعليمهم حفظ كل ما أوصى به؛ أولئك الذين يعطيهم مواهب للنفع والخدمة، ويبارك خدمتهم لتجديد وجمع الآخرين، وبذلك يرمم ويمجد بيت مملكته؛ وأيضاً عبر منح حضوره في كلمته ووصاياه. وَيَعْضُدَهَا بِالْحَقِّ وَالْبِرِّ، بتبكيت الناس بروحه على البر والدينونة؛ وبإعلان بره الخاص لهم في إنجيله؛ وبتصوير "الإنسان الجديد" في قلوبهم، المخلوق بحسب البر وقداسة الحق؛ وبتعليمهم أن يعيشوا بالرزانة والبر والتقوى؛ وبحمايتهم من كل أعدائهم: وهكذا يثبت المؤمنين الأفراد في الإيمان بنفسه، وبعقيدة الإيمان لكي يثبتوا إلى النهاية؛ ويثبت كنيسته كلها على نفسه، صخر الدهور، لكي لا تقوى عليها أبواب الجحيم؛ وفي الأيام الأخيرة سيثبتها على رأس الجبال (إشعياء 2: 2). مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَدِ. غَيْرَةُ رَبِّ الْجُنُودِ تَصْنَعُ هذَا. عرش المسيح إلى دهر الدهور، ومملكته مملكة أبدية؛ لن يكون له خليفة فيها، ولا منافس يطرده منها؛ كل الممالك الأخرى ستبيد، أما مملكته فستبقى للأبد. كل ما قيل في هذه الآية وفي السياق بخصوص تجسد المسيح وملكوته؛ فإن صدق الله وأمانته وقدرته مرهونة لإتمام كل ما قصده ووعد به؛ وغيرته، التي ليست سوى محبته المتوقدة والملتهبة، هي التي ستحركه لذلك، وهي الكفيلة بتحقيقه؛ فغيرته لمجده الخاص، وهو غايته القصوى في كل أعماله في الطبيعة والعناية والنعمة، ستجعله يتمم كل ما أُنبئ به بخصوص ميلاد المسيح والفداء به ومناصبه وملكوته؛ وبما أن هذا الأمر معني جداً بكل هذه الأشياء، فإن غيرته أو محبته المتوقدة لابنه، التي ظهرت في دفع كل شيء إلى يديه، وتفويض كل الدينونة إليه، لكي يكرمه الناس كما يكرمون الآب، ستحركه لزيادة حكمه وسلامه، وتجعله بكراً أعلى من ملوك الأرض؛ وغيرته أو محبته المتوقدة لشعبه ستدفعه لكل هذا، بما أنه لخيرهم كما هو لمجده الخاص وإكرام ابنه؛ وما قالته ملكة سبأ عن سليمان يمكن أن يُقال عن المسيح وشعبه (1 ملوك 10: 9). التلمود البابلي (سنهدرين – 94) [بخصوص قوله: "لنمو -לםרבה- رياسته وللسلام لا نهاية" (إش 9: 7)؛ ذكر الرابي تانحوم: لقد علّم ابن كبارا في تسيبوري متسائلاً: لماذا وردت الميم هنا مغلقة (ם) في وسط الكلمة، في حين أنها تأتي عادة مفتوحة (מ)؟ – والسبب أن القدوس تبارك اسمه أراد جعل حزقيا هو المسيح وسنحاريب هو جوج وماجوج، غير أن "صفة العدل" اعترضت أمام القدوس قائلة: "يا سيد العالم، داود ملك إسرائيل الذي أنشد أمامك التسبيح والأغاني الكثيرة لم تجعله مسيحاً، وحزقيا الذي صنعت له كل هذه المعجزات ولم ينشد لك أغنية، تجعله المسيح؟". ففي تلك اللحظة أُغلق الحرف (الميم). حينها انفتحت الأرض وقالت: "يا سيد العالم أنا سأنشد أمامك عوضاً عن هذا البار (حزقيا) فاجعله المسيح"، فترنمت الأرض كما قيل: "من طرف الأرض سمعنا ترنيمة: مجداً للبار" (إش 24: 16). فخاطب "رئيس العالم" (ملاك معين) سيد العالم قائلاً: "لقد أتمت الأرض إرادتك بشأن هذا البار"، فخرج صوت سماوي وقال: "هذا سري، هذا سري" (16). فقال النبي: "الويل لي، الويل لي" (16)، وإلى متى الانتظار؟ – فأجاب الصوت السماوي: "الغادرون غدروا غدراً، الغادرون غدروا" (16). وفره رفا والبعض نقلاً عن الرابي إسحاق: أي حتى يظهر الناهبون، وناهبو الناهبين]. مدراش سفري للعدد (42: 2 / نَسُّو – 42) [في تفسير "ويمنحك سلاماً" (عد 6: 26)؛ أي سلاماً في دخولك وخروجك، ومع سائر الناس. وصرح الرابي حنانيا سجان الكهنة: "ويمنحك سلاماً" أي في منزلك. أما الرابي ناثان فقال: هو سلام ملكوت بيت داود، بدليل قوله: "لنمو رياسته وللسلام لا نهاية" (إش 9: 7)].
8 أَرْسَلَ الرَّبُّ قَوْلاً فِي يَعْقُوبَ فَوَقَعَ فِي إِسْرَائِيلَ. أَرْسَلَ الرَّبُّ قَوْلاً فِي يَعْقُوبَ يعود النبي، بعد أن عزّى يهوذا بوعد المسيا، ليعلن أحكام الله على الأسباط العشرة، تحت اسمي "يعقوب" و"إسرائيل" اللذين يعنيان الشيء نفسه؛ فـ "الكلمة" هنا ليست كلمة وعد، الكلمة المعزية بخصوص المسيا المذكور سابقاً؛ بل هي كلمة تهديد وخراب ودمار لمملكة إسرائيل، وهو ما سيُفصّل لاحقاً، والتي أرسلها الرب إليهم بواسطة أنبيائه مسبقاً لتحذيرهم منها ودفعهم للتوبة؛ لكي يعرفوا عندما تقع أن دمارهم هو من الرب وليس محض صدفة. وجاء في نسخة السبعينية: "أرسل الرب موتاً على يعقوب"؛ وتبعتها النسخة العربية؛ إذ إن ذات الكلمة بتشكيل مختلف تُستخدم للتعبير عن الوباء، ولكن ليس هذا هو المعنى هنا؛ أما الترجوم والسريانية والفولجاتا فقد ترجموها "كلمة". فَوَقَعَ فِي إِسْرَائِيلَ. أو "سقط"؛ كأنه سهم انطلق من قوس كما يرى البعض؛ أو كبذرة أُلقيت على الأرض؛ أو بالأحرى كصاعقة: وهذا يشير إلى التحقق المؤكد والكامل لكلمة الله على الأشخاص الذين أُرسلت إليهم؛ فكما أن كلمة وعده، كذلك كلمة تهديده لا ترجع إليه فارغة (إشعياء 55: 10). وجاء في الترجوم: "أَرْسَلَ الرَّبُّ كَلِمَةً إِلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ، فَسُمِعَتْ فِي إِسْرَائِيلَ".
9 فَيَعْرِفُ الشَّعْبُ كُلُّهُ، أَفْرَايِمُ وَسُكَّانُ السَّامِرَةِ، الْقَائِلُونَ بِكِبْرِيَاءٍ وَبِعَظَمَةِ قَلْبٍ: فَيَعْرِفُ الشَّعْبُ كُلُّهُ، أي كلمة الرب، ويعرفون أنها منه؛ وبالخبرة المريرة سيشعرون بثقلها؛ أو "يعرف الشعب كمالها"؛ أي سيجدون أن كل جزء منها سيتحقق، حتى أدق التفاصيل؛ فكل ما قيل قد فُعل، وكل ما تنبأت به، في جوهره وفي كل ظرف متعلق به. أو المعنى أنهم سيُعاقبون، أي "يعرفون" ويشعرون بعقاب خطاياهم؛ وبهذا المعنى تُستخدم كلمة "يعرف" في اللغة العربية كثيراً، وقد قدم البعض أمثلة كثيرة على ذلك. أَفْرَايِمُ وَسُكَّانُ السَّامِرَةِ، ويُقصد بأفرايم الأسباط العشرة؛ وذكر سكان السامرة تحديداً لأن السامرة كانت عاصمة أفرايم (إشعياء 7: 9)، ولأنها كانت ستعاني، وقد عانت بالفعل الكثير في الكارثة المتوقعة، حيث حوصرت ثلاث سنوات ثم سقطت وسُبي سكانها؛ وبذلك عرفوا كلمة الرب وصدقها معرفة تجريبية (2 ملوك 17: 5). الْقَائِلُونَ بِكِبْرِيَاءٍ وَبِعَظَمَةِ قَلْبٍ: بكونهم متكبرين ومتغطرسين، وقساة القلوب، وبعيدين عن البر وعن مخافة الله؛ مقسين أنفسهم ضده، ومحتقرين كلمته، ومتحدين (إن جاز التعبير) قدرته وعنايته.
10 «قَدْ هَبَطَ اللِّبْنُ فَنَبْنِي بِحِجَارَةٍ مَنْحُوتَةٍ. قُطِعَ الْجُمَّيْزُ فَنَسْتَخْلِفُهُ بِأَرْزٍ». «قَدْ هَبَطَ اللِّبْنُ أي البيوت المصنوعة من اللبن (الطوب النيء)، والتي كانت خارج المدن المحاصرة والمدمرة من قِبل الأشوريين؛ والتي لم يلقِ لها الإسرائيليون المتغطرسون بالاً، معتبرين هذا الخراب خسارة طفيفة أو لا خسارة على الإطلاق. فَنَبْنِي بِحِجَارَةٍ مَنْحُوتَةٍ. لكي تكون البيوت أفضل وأقوى، وأجمل وأدوم. قُطِعَ الْجُمَّيْزُ الذي كان ينمو في الحقول والأطراف الخارجية للمدن، وكان نوعاً رخيصاً من الخشب، وقد قطعه الأشوريون لخدمة أغراض متعددة في حصارهم؛ وعن هذا النوع من الأشجار. فَنَسْتَخْلِفُهُ بِأَرْزٍ». أي سنزرع الأرز مكانها؛ وهي أشجار عالية وضخمة، بهيجة المنظر، ذات قيمة ونفع كبيرين، ومديدة البقاء؛ وإن كان هذا قد لا يشير إلى زراعتها بقدر ما يشير إلى استخدامها في البناء، ليتفق المعنى مع الفقرة السابقة؛ فكما أنهم سيبنون بحجارة منحوتة بدلاً من اللبن، فكذلك سيستخدمون خشب الأرز بدلاً من خشب الجميز الذي لم يكن بذات المتانة والدوام والصلاحية للبناء. وجاء في السبعينية: "سَقَطَ اللَّبِنُ، فَلْنَنْحَتْ حِجَارَةً، وَنَقْطَعْ جُمَّيْزاً وَأَرْزاً، وَنَبْنِ لأَنْفُسِنَا بُرْجاً". وهكذا في النسخة العربية؛ وبناءً عليه، فقد مَنّوا أنفسهم بأنهم سيكونون رابحين لا خاسرين من الغزو الأشوري؛ متهكمين به ومحتقرين النبوة المتعلقة به. ويفسر راشي "اللبن والجميز" بالملوك الذين مضوا، مثل يهوآحاز بن ياهو، الذي تقلصت قوتهم في أيامه وكانوا كبناء من اللبن منكسر وساقط؛ أما ملكهم الحالي "فقح بن رمليا" فكان قوياً كبناء من الحجارة المنحوتة، والأرز أفضل للبناء من الجميز؛ ويتفق الترجوم مع هذا المعنى: "الرُّؤَسَاءُ (أَوِ الأُمَرَاءُ) سُبُوا، وَلَكِنَّنَا سَنُعَيِّنُ مَنْ هُمْ أَفْضَلُ مَكَانَهُمْ؛ الْبَضَائِعُ نُهِبَتْ، وَلَكِنَّنَا سَنَشْتَرِي مَا هُوَ أَجْمَلُ مِنْهَا".
11 فَيَرْفَعُ الرَّبُّ أَخْصَامَ رَصِينَ عَلَيْهِ وَيُهَيِّجُ أَعْدَاءَهُ: فَيَرْفَعُ الرَّبُّ أَخْصَامَ رَصِينَ عَلَيْهِ أي يرفعهم عالياً كما تعني الكلمة؛ يرفعهم فوقه ويجعلهم أسمى منه وقاهرين له، ويقصد بهم الأشوريين؛ الذين عندما استدعاهم آحاز صعدوا ضد دمشق وأخذوها وسبوا شعبها وقتلوا رصين ملك سوريا، الذي كانت دمشق رأسه (2 ملوك 16: 7). وذكرُ هذا هنا لأن الإسرائيليين وضعوا ثقة كبيرة في هذا الملك الذي كانوا في حلف معه؛ وقيل هذا لإخماد كبريائهم وغطرستهم المذكورة سابقاً. وَيُهَيِّجُ أَعْدَاءَهُ: أو يخلطهم؛ فالجيش الأشوري يتألف من خليط من أمم شتى؛ أو "يحرضهم" كما جاء في الترجوم؛ أي يستفزهم ضده. ويفهم البعض النص كله عن إسرائيل، التي سيأتي ضدها أخصام رصين (أي الأشوريون) كما فعلوا بالفعل وغزوا أرضهم وسبوهم؛ ومعهم شعوب أخرى متنوعة، كما يتبع.
12 الأَرَامِيِّينَ مِنْ قُدَّامُ وَالْفِلِسْطِينِيِّينَ مِنْ وَرَاءُ، فَيَأْكُلُونَ إِسْرَائِيلَ بِكُلِّ الْفَمِ. مَعَ كُلِّ هذَا لَمْ يَرْتَدَّ غَضَبُهُ، بَلْ يَدُهُ مَمْدُودَةٌ بَعْدُ! الأَرَامِيِّينَ مِنْ قُدَّامُ وَالْفِلِسْطِينِيِّينَ مِنْ وَرَاءُ، بعد مقتل رصين ملك سوريا، حليف الإسرائيليين، انضم شعبه إلى الأشوريين ضد إسرائيل؛ وهؤلاء مع الآخرين المذكورين أحاطوا بهم من كل جانب، من أمام ومن وراء، شرقاً وغرباً؛ وهكذا ترجمها الترجوم والسبعينية والنسخ الأخرى: "السوريون من الشرق (مشرق الشمس) والفلسطينيون من الغرب (مغرب الشمس)"؛ فكما يلاحظ كيمحي، تقع سوريا شرق أرض إسرائيل وفلسطين غربها. فَيَأْكُلُونَ إِسْرَائِيلَ بِكُلِّ الْفَمِ. بجشع وبسرعة؛ جاعلين منه (إن جاز التعبير) لقمة واحدة. مَعَ كُلِّ هذَا لَمْ يَرْتَدَّ غَضَبُهُ، بَلْ يَدُهُ مَمْدُودَةٌ بَعْدُ! أي غضب الله الذي لم يرتد؛ فهو لم يستثر كل غيظه بعد، ولم ينتهِ منهم، بل لا تزال لديه أحكام أخرى ليجلبها عليهم؛ ويده مستمرة في الامتداد لإنزالها بهم، بما أنهم لم يُساقوا للتوبة بما جرى لهم بالفعل؛ وجاء في الترجوم: "مَعَ كُلِّ هَذَا لَمْ يَرْجِعُوا عَنْ خَطَايَاهُمْ لِيَرْتَدَّ غَضَبُهُ عَنْهُمْ، بَلْ لَا يَزَالُونَ مُسْتَمْسِكِينَ بِخَطَايَاهُمْ؛ وَلَا تَزَالُ ضَرْبَتُهُ لِلانْتِقَامِ مِنْهُمْ".
13 وَالشَّعْبُ لَمْ يَرْجعْ إِلَى ضَارِبِهِ وَلَمْ يَطْلُبْ رَبَّ الْجُنُودِ. وَالشَّعْبُ لَمْ يَرْجعْ إِلَى ضَارِبِهِ وهو رب الجنود، كما هو موضح في الفقرة التالية؛ فهو الذي ضرب الشعب بعصا التأديب والتقويم، عبر محن وضيقات متنوعة جلبها عليهم؛ لكي يسوقهم للإحساس بخطيتهم وواجبهم، ويستعيدهم من ارتدادهم؛ لكن تلك الضربات لم تؤثر فيهم؛ إذ لم يرجعوا إليه بالتوبة والإصلاح، وهم الذين انصرفوا عنه بطرقهم الشريرة؛ ولم يرجعوا إلى عبادته، كما يفسر الترجوم، أي إلى كلمته ووصاياه؛ فالضيقات -ما لم تكن مقدسة- لا نفع لها في رد المرتدين. ويُفهم هذا عن شعب إسرائيل (الأسباط العشرة)، الذين يسميهم النبي "الشعب"، وليس "شعبي" ولا "شعب الرب"، لأنهم غير مستحقين لهذا الوصف. وترجمت السبعينية الكلمات: "الشعب لم يرجع حتى ضُربوا"، وكذلك النسخة السريانية، موحيةً بأنهم رجعوا عندما ضُربوا؛ لكن الكلمات التالية والسياق كله يثبتون العكس. وَلَمْ يَطْلُبْ رَبَّ الْجُنُودِ. بالصلاة والتضرع، لنيل نعمة الصفح والرحمة من خلال المسيح الوسيط؛ ولا طلبوه في كلمته ووصاياه، لالتماس حضوره والشركة معه، أو نيل التعليم منه كما جاء في الترجوم؛ أي ليتعلموا العقيدة الحقة وواجبهم نحو الله والإنسان؛ وهذا جزء من سمات الإنسان غير المتجدد، رومية 3: 11.
14 فَيَقْطَعُ الرَّبُّ مِنْ إِسْرَائِيلَ الرَّأْسَ وَالذَّنَبَ، النَّخْلَ وَالأَسَلَ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. فَيَقْطَعُ الرَّبُّ مِنْ إِسْرَائِيلَ الرَّأْسَ وَالذَّنَبَ، يُفسر "الرأس" لاحقاً بأنه "الشيخ والمعتبر"، الرجال في المناصب العليا، والقضاة المدنيون، والحكام، وشيوخ الشعب، والملك بكونه الأعلى، وكل المسؤولين التابعين له؛ وهكذا الترجوم: "يُبِيدُ الرَّبُّ مِنْ إِسْرَائِيلَ الأَمِيرَ وَالْحَاكِمَ" أما "الذنب" فيُفسر بأنه النبي الكاذب. ويُشبه شعب إسرائيل ببهيمة لها ذنب، لكونهم انحطوا وفسدوا بشدة؛ كما يُشبه ضد المسيح (Antichrist) -في كلتا صفتيه المدنية والكنسية- ببهيمة؛ أحدهما هو الرأس والآخر هو الذنب، رؤيا 13: 1؛ وتُشبه روما/بابل الوثنية بتنين له ذنب، رؤيا 12: 3؛ والسرقسطيون (Saracens) والأتراك بجراد له أذناب كأذناب العقارب، رؤيا 9: 10. النَّخْلَ وَالأَسَلَ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. ترجمتها السبعينية "العظيم والصغير"، وكذلك النسخة العربية؛ فالكلمة الأولى تقصد عظماء الأمة، ذوي الأحوال المزدهرة، المشبهين بأغصان الأشجار؛ والثانية تقصد عامة الشعب، المشبهين بالقصب والأسل الضعيف؛ وهكذا يفسرها كيمحي: "الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ". وإن كان الترجوم يفسر كليهما بالحاكم والسيد؛ وكذلك يقول راشي إنهما يشيران للملوك والحكام؛ أما ابن عزرا فيترجم الكلمات "أصلاً وفرعاً"؛ وبذلك قد يشيران إلى الدمار التام لشعب إسرائيل، الآباء والأبناء، الرفيع والوضيع، الغني والفقير. انظر ملاخي 4: 1.
15 اَلشَّيْخُ وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الرَّأْسُ، وَالنَّبِيُّ الَّذِي يُعَلِّمُ بِالْكَذِبِ هُوَ الذَّنَبُ. اَلشَّيْخُ وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الرَّأْسُ، الشيخ (الشيخوخة هنا) في المنصب لا في العمر؛ وهو الذي يُكرمه الناس بسبب منصبه وكرامته وغناه، ويكون هو نفسه ذا وجه مهيب، ويُوقّر عندما يُرى، ويُستقبل من قِبل الآخرين بسرور وبشاشة؛ كما تعني العبارة المستخدمة. وترجمتها السبعينية والعربية: "الذين يُعجبون" أو "يُحابون الوجوه"؛ وهي السمة التي يطلقها يهوذا على المعلمين الكذبة، يهوذا 1: 16، الذين وُصفوا في الفقرة التالية: وَالنَّبِيُّ الَّذِي يُعَلِّمُ بِالْكَذِبِ هُوَ الذَّنَبُ. ودُعي كذلك بسبب أصله الوضيع، فغالباً ما يكونون من منبت ونسب حقير؛ أو بالأحرى بسبب حقارة أرواحهم، وتملقهم للأمراء والعظماء، الذين يلقون عليهم الأكاذيب ويتنبؤون بأمور ناعمة وكاذبة لأجل مكسب دنيء طمعاً في القليل، تشبيهاً بالكلاب التي تهز أذنابها لأسيادها؛ أو بسبب سموم تعاليمهم، إذ إن لبعض المخلوقات سموماً في أذنابها وتسبب بها أذىً كبيراً. انظر رؤيا 9: 19.
16 وَصَارَ مُرْشِدُو هذَا الشَّعْبِ مُضِلِّينَ، وَمُرْشَدُوهُ مُبْتَلَعِينَ. وَصَارَ مُرْشِدُو هذَا الشَّعْبِ مُضِلِّينَ، أو "الذين يباركون هذا الشعب"، كما في السبعينية والعربية؛ وهكذا الترجوم: "الَّذِينَ يَمْدَحُونَ هَذَا الشَّعْبَ". الذين يدعونهم مباركين، ويصرحون بأنهم سعداء (انظر ملاخي 3: 15)، ويعدونهم بالسعادة في هذا العالم وفي العالم الآخر، رغم اقترافهم خطايا فادحة وعيشهم حياة فاسدة؛ وبذلك يقسونهم في آثامهم، ويجعلونهم يضلون أكثر فأكثر عن طريق الحق والبر؛ ويقودونهم إلى أخطاء قاتلة بشأن حالتهم وظروفهم، ويتركونهم فيها. ويبدو أن هؤلاء هم القادة الدينيون للشعب، "قادة عميان لعميان"، انظر إشعياء 3: 12. وَمُرْشَدُوهُ مُبْتَلَعِينَ. أو "المباركون منهم يُبتلعون"؛ وبذلك يهلكون هلاكاً لا رجعة فيه؛ فيهلك المخادعون والمخدوعون معاً؛ فكما أنه من الإثم على المعلمين والقادة أن يعلموا أموراً كاذبة ويقودوا الناس خارج الطريق، فإنه من الجرم أيضاً على الشعب أن ينقاد ويتعلم منهم، إذ يجب عليهم الحذر فيما يسمعون ويقبلون؛ ولذلك يُعاقب كلاهما بالعدل؛ فهذه الكلمات هي التعليل لسبب قطع الرب لكل من الطرفين.
17 لأَجْلِ ذلِكَ لاَ يَفْرَحُ السَّيِّدُ بِفِتْيَانِهِ، وَلاَ يَرْحَمُ يَتَامَاهُ وَأَرَامِلَهُ، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنَافِقٌ وَفَاعِلُ شَرّ. وَكُلُّ فَمٍ مُتَكَلِّمٌ بِالْحَمَاقَةِ. مَعَ كُلِّ هذَا لَمْ يَرْتَدَّ غَضَبُهُ، بَلْ يَدُهُ مَمْدُودَةٌ بَعْدُ! لأَجْلِ ذلِكَ لاَ يَفْرَحُ السَّيِّدُ بِفِتْيَانِهِ، لا يجد لذة ولا مسرة فيهم؛ بل على العكس، يمقتهم ويكرههم، ولذلك يبيدهم، لكونهم قد فسدوا وانحطوا بسبب التعاليم السيئة والقدوات الرديئة لآبائهم. وَلاَ يَرْحَمُ يَتَامَاهُ وَأَرَامِلَهُ، الذين هم في الأصل موضوع رأفة وشفقة؛ ومع ذلك، لكون هؤلاء أشراراً، كحال آباء اليتامى وأزواج الأرامل، فلن يتم استثناؤهم كما لم يُستثنَ أولئك؛ وهذا يعبر عن كل من الفساد العام والدمار الشامل لهذا الشعب. لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنَافِقٌ وَفَاعِلُ شَرّ. المنافق، كما يلاحظ ابن عزرا في هذا الموضع، هو من يبدو صالحاً في الظاهر وهو شرير في الباطن؛ وهذه كانت السمة العامة لشعب إسرائيل في زمن إشعياء، كما كانت حال اليهود في زمن المسيح، انظر متى 23: 25. فقد تظاهروا بفعل الخير، لكنهم كانوا فاعلي شر، وعمال إثم، يرتكبون الخطية باستمرار؛ ومع ذلك يصرون على أن يُظن بهم الاستقامة والإخلاص، سواء في دينهم تجاه الله، أو في تعاملاتهم مع الناس؛ لكنهم كانوا مخادعين في كليهما. وَكُلُّ فَمٍ مُتَكَلِّمٌ بِالْحَمَاقَةِ. أو الزيف؛ أي "كذبة" كما يترجمها الترجوم، فكل الأكاذيب حماقة؛ وكذلك كل الكلمات الباطلة، وكل الكلمات الآثمة؛ أو نكهة اللادين أو الخرافة، بل في الواقع كل كلمة بطالة، وكل حديث رديء وفاسد، وبخاصة المزاح السخيف الذي لا يليق، أفسس 5: 4. مَعَ كُلِّ هذَا لَمْ يَرْتَدَّ غَضَبُهُ، بَلْ يَدُهُ مَمْدُودَةٌ بَعْدُ! وهي عبارة مكررة من إشعياء 9: 12.
18 لأَنَّ الْفُجُورَ يُحْرِقُ كَالنَّارِ، تَأْكُلُ الشَّوْكَ وَالْحَسَكَ، وَتُشْعِلُ غَابَ الْوَعْرِ فَتَلْتَفُّ عَمُودَ دُخَانٍ. لأَنَّ الْفُجُورَ يُحْرِقُ كَالنَّارِ، أي عقاب خطاياهم، كما يفسره الترجوم؛ سخط الله على الخطية، الذي يُسكب كالنار ويستهلك مثلها؛ إلا إذا كان المقصود الأشرار أنفسهم الذين يستهلكون بنار الانتقام الإلهي؛ والمعنى واحد: تَأْكُلُ الشَّوْكَ وَالْحَسَكَ، الخطاة والفجار، هكذا يفسرها الترجوم؛ ويلاحظ ابن عزرا أنهم الأشرار؛ المشبهون بالسلأ والشوك بسبب عدم إثمارهم في أنفسهم، وإضرارهم بالآخرين، ولضعفهم عن الصمود أمام سخط الألوهة المحتدم، انظر 2 صموئيل 23: 6. وَتُشْعِلُ غَابَ الْوَعْرِ يرى كيمحي أن هناك تدرجاً في هذه الكلمات، فكما تبدأ النار أولاً بحرق الشوك وصغار الخشب ثم الأكبر؛ فكذلك الشر يستهلك الصغار أولاً وهم "الشوك"، وبعد ذلك يوقد في غابات الوعر وهم "العظماء"؛ وبذلك تُشبه جماعة إسرائيل بالوعر (الغابة)؛ وقد يشير الشوك والسلأ والوعر إلى عامة الشعب وحكامهم، الذين بكونهم جميعاً مذنبين بالشر، لن يفلتوا من انتقام الله. فَتَلْتَفُّ عَمُودَ دُخَانٍ. أو ترفع نفسها، أو تُرفع؛ هكذا يفسرها ابن عزرا وكيمحي؛ لكن راشي يرى أن لها معنى قريباً من الجذر בוך "بوك" الذي يعني "تتشابك (تتعقد)"؛ ويعطي معناها هكذا: إنهم متشابكون ومغلق عليهم بقوة الدخان المحترق. ويأخذها آخرون ككلمة ذات معنى واحد مع (غبار)، ويترجمونها: "يتحولون إلى مسحوق" (أو غبار) في ارتفاع الدخان؛ ويشير ذلك إلى انحلال الجماعة؛ ولكن ربما يكون من الأفضل ترجمتها: "رغم أنهم يسلكون بكبرياء (أو يتصرفون بغطرسة)، فإن كبرياءهم ستكون كـ الدخان الذي يتلاشى سريعاً"؛ بما أن الكلمة، التي لم تُستخدم إلا هنا، تعني في اللغة السريانية "السلوك بكبرياء"، كالديك ذي العرفين.
19 بِسَخَطِ رَبِّ الْجُنُودِ تُحْرَقُ الأَرْضُ، وَيَكُونُ الشَّعْبُ كَمَأْكَل لِلنَّارِ. لاَ يُشْفِقُ الإِنْسَانُ عَلَى أَخِيهِ. بِسَخَطِ رَبِّ الْجُنُودِ تُحْرَقُ الأَرْضُ، توضع في ضيق ومحنة شديدة؛ بوقوع أحكام وبلايا قاسية عليها؛ فالمقصود ليس الظلمة بمعناها الطبيعي بل المجازي، انظر إشعياء 8: 22. والإشارة هنا هي إلى تصاعد الدخان المذكور سابقاً، عبر اشتعال النار في غابات الوعر، مما ملأ الجو بالظلمة؛ كما يفعل الدخان المتصاعد بكميات كبيرة. وهذا المعنى للكلمة، الذي لا يوجد إلا في هذا الموضع، قدمه ابن عزرا وكيمحي وبن ميلة بناءً على استخدامها في اللغة العربية، حيث تعني العتمة أو الظلمة؛ لكن النسخة السبعينية والعربية تترجمانها: "الأرض كلها محترقة"؛ وهو ما يؤكده الترجوم الذي يفسرها هكذا؛ وهذا المعنى يتفق تماماً مع السياق: وَيَكُونُ الشَّعْبُ كَمَأْكَل لِلنَّارِ. هذا يوضح مَن المقصود بالسلأ والشوك وغابات الوعر، وهم سكان أرض إسرائيل؛ الذين بكونهم وقوداً للنار، كانوا موضوع سخط وغيظ إلهي. لاَ يُشْفِقُ الإِنْسَانُ عَلَى أَخِيهِ. وهو ما يمكن عزوه إما إلى الظلمة والارتباك الذي سيكونون فيه، فلا يقدرون على تمييز الصديق من العدو، كأشخاص محاطين بالدخان؛ أو إلى روحهم الخبيثة وقسوتهم ووحشيتهم، فلا يكتفون بالإساءة لأعدائهم، بل يسيئون لأصدقائهم وأقاربهم، بل حتى لِلحمهم ودمهم.
20 يَلْتَهِمُ عَلَى الْيَمِينِ فَيَجُوعُ، وَيَأْكُلُ عَلَى الشَّمَالِ فَلاَ يَشْبَعُ. يَأْكُلُونَ كُلُّ وَاحِدٍ لَحْمَ ذِرَاعِهِ: يَلْتَهِمُ عَلَى الْيَمِينِ فَيَجُوعُ، إما بيده، فيسلب وينهب كل ما في متناوله؛ أو بأسنانه، كآكلي لحوم البشر أو كوحوش مفترسة، يقتنص ويمزق ويقطع إرباً كل ما يعترض طريقه؛ ومع ذلك يبقى جائعاً للمزيد وغير قانع، كما يتبع: وَيَأْكُلُ عَلَى الشَّمَالِ فَلاَ يَشْبَعُ. يعيث فساداً ويسلب من كل جانب، ومع ذلك لا يكتفي. وجاء في الترجوم: "يَسْلُبُ عَنِ الْجَنُوبِ فَيَجُوعُ؛ وَيُبِيدُ عَنِ الشَّمَالِ فَلَا يَشْبَعُ". يَأْكُلُونَ كُلُّ وَاحِدٍ لَحْمَ ذِرَاعِهِ: يبيدون أقرباءهم الأدنين، الذين هم لحمهم ودمهم، أو يسلبون منهم ثرواتهم ومعاشهم؛ وهكذا يفسر الترجوم: "يَسْلُبُ كُلُّ وَاحِدٍ ثَرْوَةَ (مَالِ) قَرِيبِهِ". وهذا يلقي بعض الضوء على ما جاء في رؤيا 17: 16.
21 مَنَسَّى أَفْرَايِمَ، وَأَفْرَايِمُ مَنَسَّى، وَهُمَا مَعًا عَلَى يَهُوذَا. مَعَ كُلِّ هذَا لَمْ يَرْتَدَّ غَضَبُهُ، بَلْ يَدُهُ مَمْدُودَةٌ بَعْدُ! مَنَسَّى أَفْرَايِمَ، وَأَفْرَايِمُ مَنَسَّى، أي أن "منسَّى" يأكل أو يلتهم "أفرايم"؛ و"أفرايم" يأكل أو يلتهم "منسَّى"؛ كما ترجمتها النسخ السبعينية والسريانية والعربية؛ وهو ما يُفهم عن مشاجراتهم وخصوماتهم وحروبهم فيما بينهم، حيث نهشوا والتهموا وأفنى بعضهم بعضاً رغم كونهم إخوة؛ وهذا يفسر ويؤكد ما قيل سابقاً عن عدم إشفاق الإنسان على أخيه، وأكل كل واحد لحم ذراعه. ويصيغ الترجوم الكلمات هكذا: "الَّذِينَ مِنْ بَيْتِ مَنَسَّى، مَعَ الَّذِينَ مِنْ بَيْتِ أَفْرَايِمَ، وَالَّذِينَ مِنْ بَيْتِ أَفْرَايِمَ، مَعَ الَّذِينَ مِنْ بَيْتِ مَنَسَّى، يَتَّحِدُونَ مَعاً كَوَاحِدٍ لِيَأْتُوا ضِدَّ بَيْتِ يَهُوذَا". وهكذا يفسرها راشي: "مَنَسَّى يَتَّحِدُ مَعَ أَفْرَايِمَ، وَأَفْرَايِمُ يَتَّحِدُ مَعَ مَنَسَّى، وَيَتَّحِدُونَ مَعاً ضِدَّ يَهُوذَا". وهو ما يتبع في النص: وَهُمَا مَعًا عَلَى يَهُوذَا. كما شنت الأسباط العشرة أحياناً حرباً ضد سبطي يهوذا وبنيامين، انظر 2 أخبار 28: 6: مَعَ كُلِّ هذَا لَمْ يَرْتَدَّ غَضَبُهُ، بَلْ يَدُهُ مَمْدُودَةٌ بَعْدُ! إذ كانت هناك أحكام أخرى وأكثر قسوة ستأتي على هذا الشعب بسبب خطاياهم. انظر التعليق على إشعياء 9: 12.
 ⪢