⪡ 1وَحَدَثَ فِي أَيَّامِ آحَازَ بْنِ يُوثَامَ بْنِ عُزِّيَّا مَلِكِ يَهُوذَا، أَنَّ رَصِينَ مَلِكَ أَرَامَ صَعِدَ مَعَ فَقَحَ بْنِ رَمَلْيَا مَلِكِ إِسْرَائِيلَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِمُحَارَبَتِهَا، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُحَارِبَهَا. يحتوي هذا الإصحاح على نبوة بحفظ مملكة يهوذا من أعدائها، وتثبيت ذلك بآية (علامة)، والتنبؤ بنكبات متنوعة ستحل بالمملكة قبل إتمام تلك الآية. سُمي أعداء يهوذا، وذُكر حصارهم لأورشليم وتاريخ ذلك الحصار الذي لم يسفر عن نتيجة (إش 7: 1). كما ذُكر الخوف والرعب الذي استبد ببيت داود عند سماع أنباء هذا التحالف (إش 7: 2). وصدرت الأوامر من الرب للنبي إشعياء بأن يأخذ معه ابنه لمقابلة آحاز في مكان محدد (إش 7: 3)، وكان الغرض من المهمة تعزيته وحثه على الهدوء والسكينة، لأن المؤامرة المحاكة ضده ستكون بلا ثمر، ومملكة إسرائيل ستتحطم (إش 7: 4). وبعد ذلك، طُلب من الملك أن يسأل آية من الرب لتأكيد ذلك، وإذ رفض بحجة عدم تجربة الرب، ناله التوبيخ؛ ومع ذلك أُعطيت الآية، وهي ميلاد المسيا من عذراء، الذي سيكون إلهاً حقاً كما يظهر من اسمه "عمانوئيل"، وإنساناً حقاً كما يثبت ميلاده وطعامه ومعرفته التدريجية للخير والشر (إش 7: 10). بل وتُشير النبوة إلى أن نجاة يهوذا من ملكي سوريا وإسرائيل ستكون سريعة جداً؛ حتى قبل أن يتمكن الطفل الصغير الذي كان مع إشعياء من معرفة رفض الشر واختيار الخير (إش 7: 16). ولكن كتأديب لبيت داود على قلة إيمانهم وازدرائهم بالصلاح الإلهي، قيل لهم بوقوع حوادث شتى قبل ميلاد المسيا؛ حوادث لم تشهدها المملكة منذ تمرد الأسباط العشرة؛ حيث سيأتي عليهم أعداؤهم من الأشوريين وغيرهم بأعداد غفيرة تملأ كل الأماكن، حتى يقعوا في ضيق شديد ولا يستطيعوا الإفلات (إش 7: 17). وسيكون هناك فناء كبير للبشر من كافة الطبقات، العالية والدنية، وهو ما رُمز إليه بحلق شعر الرأس واللحية والرجلين؛ بحيث ينعم القليلون الباقون بالوفرة (إش 7: 20). وبسبب نقص الرجال لفلح الأرض، ستتغطى بالأشواك والقريس؛ وبسبب الوحوش الضارية، سيضطر القليلون الباقون للدفاع عن أنفسهم بالقسي والسهام (إش 7: 23). ومع ذلك، ستعود الأرض بعد هذا خصبة مرة أخرى قبل مجيء المسيا (إش 7: 25)، كما يفسرها البعض.
وَحَدَثَ فِي أَيَّامِ آحَازَ بْنِ يُوثَامَ بْنِ عُزِّيَّا مَلِكِ يَهُوذَا،
تبدأ هنا نبوة جديدة في عهد ملك آخر؛ وهو رغم كونه ملكاً شريراً، إلا أن أسلافه كانوا أتقياء، والذين ذُكروا هنا -ليس كما يقول الكتاب اليهود عموماً بأن جدارتهم هي السبب في عدم قدرة أعداء آحاز على التغلب عليه- بل لأن النبي قد تنبأ في عهد هؤلاء الملوك: فما ورد في الإصحاحات الخمسة الأولى قيل في عهد عزيا؛ والرؤيا في الإصحاح السادس كانت في عهد يوثام في بداية حكمه؛ وما قيل هنا وفي بعض الإصحاحات التالية كان في عهد آحاز؛ لذا ذُكر هذا لتثبيت تاريخ النبوة ومتابعته.
أَنَّ رَصِينَ مَلِكَ أَرَامَ صَعِدَ مَعَ فَقَحَ بْنِ رَمَلْيَا مَلِكِ إِسْرَائِيلَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِمُحَارَبَتِهَا،
كان ذلك في أواخر عهد يوثام وبداية عهد آحاز؛ هذان صعدا منفصلين ضد يهوذا وألحقا بالمملكة ضيقاً وبلاءً عظيماً، وقتلا كثيرين وسبيا آخرين (2 مل 15: 37). ولكن بعد ذلك، في السنة الثالثة أو الرابعة من عهد آحاز كما قيل، تحالفا معاً لمحاصرة أورشليم، وهو ما يشير إليه النص هنا (2 مل 16: 5).
فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُحَارِبَهَا.
أي بحسب ابن عزرا، لم يقدر "فقح بن رمليا" ملك إسرائيل؛ ولكن بحسب كيمحي، كان "رصين" ملك سوريا هو المحرك الرئيسي للحرب وأحضر فقح معه؛ ولكن يمكن فِهمها عنهما معاً، بما أنه في (2 مل 16: 5) استُخدمت صيغة الجمع "ولم يقدروا"؛ وهكذا هي في السبعينية والفولجاتا والنسخ الشرقية.
2وَأُخْبِرَ بَيْتُ دَاوُدَ وَقِيلَ لَهُ: «قَدْ حَلَّتْ أَرَامُ فِي أَفْرَايِمَ». فَرَجَفَ قَلْبُهُ وَقُلُوبُ شَعْبِهِ كَرَجَفَانِ شَجَرِ الْوَعْرِ قُدَّامَ الرِّيحِ. وَأُخْبِرَ بَيْتُ دَاوُدَ
أي آحاز وعائلته، وأمراء الدم، وبلاطه ومستشاروه؛ الذين وصلتهم استخبارات عن خطط وتجهيزات السوريين والإسرائيليين ضدهم.
وَقِيلَ لَهُ: «قَدْ حَلَّتْ أَرَامُ فِي أَفْرَايِمَ».
أي الأسباط العشرة، أو مملكة وملك إسرائيل. والبعض يترجمها: "قادت أرامُ"؛ أي جيشها "إلى أفرايم"؛ زحفت به إلى أرض إسرائيل وهناك انضمت لجيش ملك إسرائيل. وآخرون، كما في نسخة الفولجاتا: "أرامُ تستند على أفرايم"؛ أي تعتمد عليه وتثق به وتستمد شجاعة منه كحليف. أما السبعينية فتقول: "أرام قد اتفقت مع أفرايم"؛ أي دخلت في حلف ومعاهدة معاً؛ وهو معنى النسخة الإنجليزية، ويؤكده الترجوم الذي يقول:
«مَلِكُ أَرَامَ انْضَمَّ إِلَى مَلِكِ إِسْرَائِيلَ:»
فَرَجَفَ قَلْبُهُ وَقُلُوبُ شَعْبِهِ كَرَجَفَانِ شَجَرِ الْوَعْرِ قُدَّامَ الرِّيحِ.
ترمز الاستعارة إلى قوة وبطش الجيوش المتحالفة المشبهة بريح عاصفة قوية صاخبة (انظر إش 32: 2)، وإلى ضعف ملك وشعب يهوذا الذين كانوا كأشجار تهزها الريح؛ وأيضاً إلى الخوف الذي تملكهم، جزئياً بسبب شعورهم بالذنب، وجزئياً بسبب عدم ثقتهم في القدرة والعناية الإلهية؛ وكذلك بسبب ما عانوه سابقاً من هؤلاء الأعداء الأقوياء حين هاجموهم منفردين؛ ولذلك كان فزعهم منهم أعظم بكثير وهم مجتمعون ضدهم (انظر 2 أخ 28: 5).
3فَقَالَ الرَّبُّ لإِشَعْيَاءَ: «اخْرُجْ لِمُلاَقَاةِ آحَازَ، أَنْتَ وَشَآرَ يَاشُوبَ ابْنُكَ، إِلَى طَرَفِ قَنَاةِ الْبِرْكَةِ الْعُلْيَا، إِلَى سِكَّةِ حَقْلِ الْقَصَّارِ، فَقَالَ الرَّبُّ لإِشَعْيَاءَ:
النبي، الكاتب الملهم لهذه النبوات التي تحمل اسمه؛ ما يتبع قاله الرب له في رؤيا، أو بصوت مسموع، أو بوحي في ذهنه.
«اخْرُجْ لِمُلاَقَاةِ آحَازَ،
كان النبي في مدينة أورشليم، وكان آحاز خارجها كما يظهر من المكان المذكور لاحقاً حيث كان سيقابله؛ وربما كان آحاز في بيته الريفي، الذي تركه عند وصول أنباء خطط أعدائه وتوجه إلى أورشليم، عاصمته ومدينته المحصنة حيث يكون أكثر أماناً؛ أو لعله كان في الخارج لاستطلاع الممرات حول أورشليم وإعطاء الأوامر والتعليمات لتقويتها وحراستها.
أَنْتَ وَشَآرَ يَاشُوبَ ابْنُكَ،
الذي يعني اسمه "بَقِيَّةٌ تَرْجِعُ"، والذي أخذه النبي معه ليوحي إما بأن البقية المتبقية من الدمار السابق الذي ألحقه هذان الملكان يجب أن ترجع إلى الرب بالتوبة؛ أو أنه بالرغم من أن شعب يهوذا سيُسبى لاحقاً على يد الأشوريين، إلا أن بقية سترجع ثانية. ويفسر الترجوم هذا ليس عن ابن إشعياء الحقيقي، بل عن تلاميذه، هكذا:
«أَنْتَ وَبَقِيَّةُ تَلامِيذِكَ الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا وَرَجَعُوا عَنِ الْخَطِيَّةِ»
إِلَى طَرَفِ قَنَاةِ الْبِرْكَةِ الْعُلْيَا،
إذ كانت هناك بركة عليا وأخرى سفلى (انظر إش 22: 9)؛ وكان هذا خارج المدينة، وهو نفس المكان الذي وقف فيه "ربشاقى" لاحقاً وألقى خطابه التجديفي المرعب (2 مل 18: 17).
إِلَى سِكَّةِ حَقْلِ الْقَصَّارِ،
حيث كانوا يغسلون ثيابهم ويجففونها ويبيضونها؛ إذ كانت البركة والقناة والحقل ملائمة لغرضهم.
وربما مكان إلتقاء إشعياء بآحاز يحمل إشارة إلى التوبة والتطهير، وأن الإنسان عندما يسمع صوت الله يجب أن يكون في حالة توبة أو أن الله يفتقد حتى الذي لم يتب ويدعوه للتوبة.
4وَقُلْ لَهُ: اِحْتَرِزْ وَاهْدَأْ. لاَ تَخَفْ وَلاَ يَضْعُفْ قَلْبُكَ مِنْ أَجْلِ ذَنَبَيْ هَاتَيْنِ الشُّعْلَتَيْنِ الْمُدَخِّنَتَيْنِ، بِحُمُوِّ غَضَبِ رَصِينَ وَأَرَامَ وَابْنِ رَمَلْيَا. وَقُلْ لَهُ: اِحْتَرِزْ وَاهْدَأْ.
أي "احفظ" نفسك؛ ليس داخل المدينة ولا من القتال مع أعدائه، بل احفظ نفسك من عدم الإيمان، والخوف، والرعب؛ أو كما في السبعينية: "احفظ نفسك لكي تكون هادئاً"؛ كن مستريحاً، ساكناً، وصامتاً، وانظر خلاص الرب. ويفسر الكتاب اليهود الكلمة الأولى بمعنى الاستقرار والسكينة، كالخمر المستقر على درديه (انظر إر 48: 11):
لاَ تَخَفْ
وهذا يفسر ما قبله.
وَلاَ يَضْعُفْ قَلْبُكَ
أو "لا يَلِنْ قلبك"، ويذوب كالشمع بسبب الرعب وفقدان الثقة.
مِنْ أَجْلِ ذَنَبَيْ هَاتَيْنِ الشُّعْلَتَيْنِ الْمُدَخِّنَتَيْنِ،
ويقصد بهما ملكي سوريا وإسرائيل؛ وهكذا الترجوم:
«مِنْ أَجْلِ هَذَيْنِ الْمَلِكَيْنِ، اللَّذَيْنِ هُمَا كَشُعْلَتَيْنِ مُدَخِّنَتَيْنِ؛»
وهي استعارة تُستخدم للتعبير عن ضعف هذين الأميرين، وغضبهما الباطل، وهيجان غضبهما العاجزة، وقصر مدتها؛ فهما يشبهان شعلتي نار احترقتا تماماً واستهلكتا حتى النهاية؛ ولم يبقَ منهما إلا جزء صغير لا يمكن الإمساك به لإشعال النار أو الحرق، وهو لا يصدر إلا دخاناً، ودخانٌ على وشك التلاشي. وهذا يتوازي مع كلمات الرب: فتيلة مدخنة لا يطفئ، وبالفعل فإن الرب لم يقم بإطفاء فتيلة مملكة إسرائيل ولكنهم هم من أطفاوا أنفسهم بعد عدد قليل من السنين من تلك الحادثة.
بِحُمُوِّ غَضَبِ رَصِينَ وَأَرَامَ وَابْنِ رَمَلْيَا.
وهذا يوضح من المقصود بالشعلتين: رصين ملك سوريا، وفقح ملك إسرائيل؛ وما المقصود بدخانهما: وهو حمو غضبهما؛ الذي وإن بدا مهدداً بالدمار الشامل في رأي آحاز وبلاطه، إلا أنه في نظر الله لم يكن سوى دخان شعلة احترقت حتى نهايتها، ضعيفة وتتلاشى. وهذا أمر في غاية الأهمية فكل الأمور في نظرنا مهما بدت صعبة فهي كلا شيء أمام الله، وهذا لا يعني أنه لا يشعر بنا، ولكن أن تلك الضيقات التي تلتهمنا أحيانًا هي أمامه كلا شيء، فالبحر الأحمر كان النهاية بالنسبة لكل بني إسرائيل، ولكن أمام الله كان طريقًا للمسير!
5لأَنَّ أَرَامَ تَآمَرَتْ عَلَيْكَ بِشَرّ مَعَ أَفْرَايِمَ وَابْنِ رَمَلْيَا قَائِلَةً: ليس المعنى أن هناك ثلاثة أطراف في المشورة والتحالف ضد يهوذا، بل طرفان فقط: مملكة سوريا ومملكة أفرايم (إسرائيل)؛ ولم يُذكر ملك الأخيرة باسمه، بل أُشير إليه فقط كابن لشخص مغمور، وذلك بقصد الاحتقار له.6نَصْعَدُ عَلَى يَهُوذَا وَنُقَوِّضُهَا وَنَسْتَفْتِحُهَا لأَنْفُسِنَا، وَنُمَلِّكُ فِي وَسَطِهَا مَلِكًا، ابْنَ طَبْئِيلَ. نَصْعَدُ عَلَى يَهُوذَا وَنُقَوِّضُهَا
بمحاصرتها أو التضييق عليها؛ أو "إثارتها" للحرب كما يفسر راشي.
وَنَسْتَفْتِحُهَا لأَنْفُسِنَا،
أي في أسوار مدينة أورشليم لندخل منها؛ ويقول الترجوم:
«لِنَنْضَمَّ وَنَضُمَّهَا إِلَيْنَا؛»
وهكذا راشي: "لنساوِها بنا، كالوادي المستوي"؛ وقد يكون المعنى: لنحدث شقاقاً وانقساماً بينهم، ثم نقتسم المملكة بيننا أو إن لم نتفق على ذلك، فلننصب ملكاً من قِبَلنا كما يلي:
وَنُمَلِّكُ فِي وَسَطِهَا مَلِكًا، ابْنَ طَبْئِيلَ.
والذي يجعله راشي -من خلال طريقة تبديل الأحرف "ألبام" (Albam)- هو نفسه "رمليا"؛ ويفترض أن القصد كان تنصيب فقح بن رمليا ملك إسرائيل ملكاً على يهوذا؛ ولكن من غير المعقول أن يشارك ملك سوريا في مخطط كهذا؛ وعلاوة على ذلك، يقول ابن عزرا إن طريقة التفسير هذه باطلة تماماً؛ ورأيه هو الأفضل، إذ يعتبر "طبئيل" اسماً لأمير عظيم، إما من إسرائيل أو من سوريا؛ وهكذا يرى كيمحي أنه كان رجلاً من بني أفرايم اعتقدوا أن بإمكانهم تمليكه في أورشليم. أما الترجوم فلا يفهمه عن شخص بعينه، بل عن أي شخص يرونه مناسباً؛ ويفسره هكذا:
«لِنُعَيِّنْ مَلِكاً فِي وَسَطِهَا، يَكُونُ صَالِحاً لَنَا (أو يُرضِينَا)؛»
ويبدو أن الاسم سرياني (انظر عزرا 4: 7). ويعتقد د. لايتفوت أنه هو نفسه "طبريمون"، وهو اسم عائلة مشهورة في سوريا؛ فأحد الاسمين يعني "إله طيب" والآخر يعني "رمون طيب" (ورمون هو صنم السوريين، انظر 2 مل 5: 18).
7هكَذَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ: لاَ تَقُومُ! لاَ تَكُونُ! هكَذَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ: لاَ تَقُومُ!
أي تلك المشورة التي اتخذوها ضد يهوذا لإزعاجها وفتحها وتمليك ملك يروق لهم عليها؛ وهكذا ترجمتها السبعينية والعربية: "تلك المشورة لن تثبت"؛ فمشورة الله هي التي تثبت، أما مشورة البشر حين تكون ضده فلا (أم 19: 21):
لاَ تَكُونُ!
أي لن توجد أصلاً، ولن تخطو خطوة واحدة للأمام لكي تتحقق فعلياً.
8لأَنَّ رَأْسَ أَرَامَ دِمَشْقَ، وَرَأْسَ دِمَشْقَ رَصِينُ. وَفِي مُدَّةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً يَنْكَسِرُ أَفْرَايِمُ حَتَّى لاَ يَكُونَ شَعْبًا. لأَنَّ رَأْسَ أَرَامَ دِمَشْقَ،
كانت دمشق هي حاضرة سوريا والمدينة الرئيسية فيها، حيث كان للملك قصره وبلاطه.
وَرَأْسَ دِمَشْقَ رَصِينُ.
كان هو ملكها، كما كان ملكاً على كل سوريا؛ والمعنى هو أن سوريا -التي كانت دمشق مدينتها الرئيسية- هي الدولة الوحيدة التي سيحكمها رصين، ولن يتسع نطاق ملكه؛ ويمكن لآحاز ملك يهوذا أن يطمئن إلى أن رصين لن يمتلك مملكته أبداً، ولن يتمكن من خلعه وتنصيب غيره. أما بالنسبة لأفرايم أو إسرائيل (الأسباط العشرة)، فسيكونون أبعد ما يكون عن النجاح في مخططهم ضده، بل سيحل بهم ما يلي:
وَفِي مُدَّةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً يَنْكَسِرُ أَفْرَايِمُ حَتَّى لاَ يَكُونَ شَعْبًا.
يحسب البعض هذه المدة ليس من وقت هذه النبوة، لأنها كانت في السنة الثالثة أو الرابعة لآحاز (الذي حكم 16 سنة فقط)، وفي السنة التاسعة لهوشع ملك إسرائيل (والسادسة لحزقيا ملك يهوذا) سقطت السامرة وسُبي إسرائيل إلى أشور (2 مل 17: 6)، وهو ما لا يتجاوز 18 أو 19 سنة من هذا الوقت. ويظن البعض أن المدة قُصرت بسبب خطاياهم، لكن هذا غير ثابت ولا مرجح. ويرى آخرون أن القصد هو "أي وقت ضمن تلك المدة"؛ ولكن المعنى الحقيقي بلا شك هو ما ذكره الترجوم:
«فِي نِهَايَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، يَنْتَهِي مُلْكُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ.»
ويحسبها الكتاب اليهود عادةً من نبوة عاموس، الذي تنبأ قبل الزلزال بسنتين في زمن عزيا عن سبي سوريا وإسرائيل (عاموس 1: 1، 7: 11)؛ ويمكن تتبع هذا الحساب عبر ملوك يهوذا أو إسرائيل؛ فيسلك راشي المسلك الأول حاسباً إياها كالتالي:
"نبوة عاموس كانت قبل ضرب عزيا بالبرص بسنتين (عاموس 1: 1). ظل عزيا أبرص 25 سنة، فالمجموع 27. حكم يوثام 16 سنة، وآحاز 16، وحزقيا 6؛ حيث قيل: "في السنة السادسة لحزقيا (وهي التاسعة لهوشع ملك إسرائيل) أُخذت السامرة" (2 مل 18: 10). فالمجموع 65 سنة".
وهكذا يرى "أبرابانيل"؛ أما كيمحي فيسلك مسلكاً آخر يؤدي لنفس النتيجة حاسباً إياها من ملوك إسرائيل؛ بينما يرى جونيوس وتريميليوس أن النبوة تخص المستقبل تماماً، ويلاحظان أن إشعياء يوضح أولاً أن مملكة سوريا ستنقطع فوراً ويموت ملكها (وهو ما حدث بعد 4 سنوات)؛ ومنذ ذلك الحين (أي من وقت النبوة في السنة الأولى لآحاز) حتى السبي "التام" للإسرائيليين، لابد أن تمر 65 سنة؛ فبالرغم من إلغاء مملكة إسرائيل في السنة السادسة لحزقيا، إلا أن إسرائيل لم يكفوا "كشعب" عن الوجود بمجرد سبي جزء منهم؛ بل كفوا تماماً عندما استُقدمت مستعمرات جديدة بواسطة "إسرحدون" بن سنحاريب، وأُجبر كل الإسرائيليين على العبودية، وهو ما يوضحه السامريون في (عزرا 4: 2).
ويتفق مع هذا الرأي العالم د. بريدو ، الذي يلاحظ أنه في السنة 22 لمنسى، جهز إسرحدون جيشاً عظيماً وزحف إلى أجزاء سوريا وفلسطين وضمها للإمبراطورية الأشورية؛ ويضيف:
"وآنئذ تحققت النبوة التي نطق بها إشعياء في السنة الأولى لآحاز ضد السامرة؛ أنه في غضون 65 سنة ينكسر أفرايم تمامًا لكي لا يكون بعد شعبًا؛ فهذه السنة هي بالضبط بعد 65 سنة من سنة آحاز الأولى، حيث زحف إسرحدون بعد تسوية أمور سوريا إلى أرض إسرائيل، وسبى من تبقى من السبي السابق، وجلب غيرهم من بابل وكوث وحماة ليسكنوا مدن السامرة مكانهم؛ وهكذا دمرت الأسباط العشرة تمامًا ولم تقم لها قائمة بعد".
ويبدو أن هذا هو الإنجاز الحقيقي لهذه النبوءة؛ مع أن الكثيرين يتبنون رأي الكتّاب اليهود؛ لذا لا حاجة، كما هو الحال مع البعض، إلى افتراض تحريف النص. يظن غوسيتيوس أن كلمة "ميف" تعني ضعف ستة، أي اثني عشر؛ كما أن "ميرفي" تعني ضعف عشرة، أي عشرين؛ وهكذا، فإن خمسة مضافًا إليها اثنا عشر، تساوي سبعة عشر؛ ومن الرابع من حكم آحاز إلى فتح السامرة، كانت المدة حوالي سبعة عشر عامًا.
9وَرَأْسُ أَفْرَايِمَ السَّامِرَةُ، وَرَأْسُ السَّامِرَةِ ابْنُ رَمَلْيَا. إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا فَلاَ تَأْمَنُوا». وَرَأْسُ أَفْرَايِمَ السَّامِرَةُ،
كانت السامرة هي الحاضرة أو المدينة الرئيسية لأفرايم، أو الأسباط العشرة في إسرائيل.
وَرَأْسُ السَّامِرَةِ ابْنُ رَمَلْيَا.
فقح بن رمليا كان ملك السامرة كما كان ملكاً على كل إسرائيل. والمعنى أنه حتى تنتهي الخمس والستون سنة، لن يكون هناك أي توسع لمملكة إسرائيل؛ ولن تُضم يهوذا إليها؛ وستظل السامرة هي العاصمة لا أورشليم؛ وسيبقى فقح ملكاً لإسرائيل طوال حياته ولكن ليس ليهوذا.
إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا
يضيف الترجوم: "بِكَلِمَاتِ النَّبِيِّ؛"
فَلاَ تَأْمَنُوا».
(لاَ تَثْبُتُوا)»؛ أي في أرضكم، بل ستُسبون كما حدث بعد فترة؛ أو المعنى "لأنكم لستم صادقين وراسخين" في الإيمان بالله كما يفسر كيمحي؛ أو "لأنكم لم تتأيدوا" بآية؛ ولذلك يتبع ذلك قوله.
روفينوس الأكويني: لكي ينفتح لك طريق الفهم، إذن، تفعل الصواب أولاً وقبل كل شيء في التصريح بأنك تؤمن؛ فلا أحد يركب البحر ويثق بنفسه في العنصر العميق والسائل ما لم يؤمن أولاً بأنه من الممكن أن تكون له رحلة آمنة. ولا يودع الزارع بذوره في الأثلام وينثر حبوبه على الأرض، إلا وهو مؤمن بأن الزخات ستأتي، ومعها دفء الشمس، الذي بتأثيره الراعي، وبمساعدة الرياح المواتية، ستنتج الأرض وتضاعف وتنضج ثمارها. لا يمكن إتمام شيء في الحياة إن لم يكن هناك أولاً استعداد للإيمان. فما العجب إذن إذا كنا، بقدومنا إلى الله، نصرح أولاً وقبل كل شيء بأننا نؤمن، إذ نرى أنه بدون هذا، لا يمكن حتى عيش الحياة العامة.
10ثُمَّ عَادَ الرَّبُّ فَكَلَّمَ آحَازَ قَائِلاً: بواسطة النبي إشعياء.11«اُطْلُبْ لِنَفْسِكَ آيَةً مِنَ الرَّبِّ إِلهِكَ. عَمِّقْ طَلَبَكَ أَوْ رَفِّعْهُ إِلَى فَوْق». «اُطْلُبْ لِنَفْسِكَ آيَةً مِنَ الرَّبِّ إِلهِكَ.
فرغم أن آحاز كان رجلاً شريراً، إلا أن الرب كان إلهه، كما كان إله شعب إسرائيل عموماً كأمة؛ والرب، لعلمه بعدم إيمان آحاز وتشككه في كلمته، يعرض عليه تثبيت الكلمة بآية أو معجزة.
عَمِّقْ طَلَبَكَ أَوْ رَفِّعْهُ إِلَى فَوْق».
أي في الأرض أو في السماء؛ وهكذا الترجوم:
«اطْلُبْ أَنْ تُصْنَعَ لَكَ مُعْجِزَةٌ عَلَى الأَرْضِ، أَوْ أَنْ تُعْرَضَ لَكَ آيَةٌ فِي السَّمَاءِ؛»
إما بأن تنشق الأرض وتفتح فاها كما في أيام موسى، أو أن تقف الشمس كما في زمن يشوع، أو أن يُقام ميت من أعماق الأرض، أو تظهر ظواهر عجيبة في السماوات.
مدراش المزامير (2: 10)
["اسألني فأعطيك الأمم ميراثك وملكك إلى أقصى الأرض" (مز 2: 8)؛ (إذ سيخاطب الله المسيح قائلاً): إن سألت من أجل الأمم فهي محققة لك كميراث، كما ورد: "ويملك من البحر إلى البحر" (مز 72: 8)، وإن سألت من أجل أقاصي المعمورة فهي بالفعل ضمن ملكك، كما قيل: "ومن النهر إلى أقاصي الأرض" (8)].
12فَقَالَ آحَازُ: «لاَ أَطْلُبُ وَلاَ أُجَرِّبُ الرَّبَّ». فَقَالَ آحَازُ: «لاَ أَطْلُبُ
أي لا أطلب آية أو معجزة تُصنع؛ لعدم رغبته في قبول النصيحة بأن يهدأ ويسكن ولا يجهز للحرب أو يطلب العون من الأشوريين، ولعدم رغبته في الاتكال على وعد الله وقدرته، ولذلك اختار ألا يتأيد ذلك بآية؛ وأضاف كذريعة.
وَلاَ أُجَرِّبُ الرَّبَّ».
موحياً بأن هذا يخالف أمر الله (تث 6: 16)؛ متظاهراً بالتدين وتوقير الله؛ في حين أن طلب آية من الله عندما تُعرض لا يمكن اعتباره تجربة له، بل على العكس؛ فإن رفضها عند عرضها يُعد عناداً كبيراً وجحوداً كما يرى البعض.
13فَقَالَ: «اسْمَعُوا يَا بَيْتَ دَاوُدَ! هَلْ هُوَ قَلِيلٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تُضْجِرُوا النَّاسَ حَتَّى تُضْجِرُوا إِلهِي أَيْضًا؟ فَقَالَ:
أي النبي إشعياء؛ وهذا يوضح أن الرب نطق بالكلمات السابقة بواسطته.
«اسْمَعُوا يَا بَيْتَ دَاوُدَ!
لأن آحاز لم يكن وحده، بل عائلته وحاشيته ومستشاروه كانوا جميعاً على ذات الرأي معه: ألا يطلبوا آية من الله، وألا يتكلوا على وعده بالحماية، بل يبحثوا عن عون خارجي ويدبروا أمورهم لمواجهة الأسوأ بأنفسهم. ويظن البعض أن اسم آحاز لم يُذكر، واستُخدمت هذه العبارة "بيت داود" على سبيل الاحتقار وتعبيراً عن السخط والاستياء.
هَلْ هُوَ قَلِيلٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تُضْجِرُوا النَّاسَ
ويقصد أمثاله من أنبياء الرب؛ وهكذا الترجوم:
«أَقَلِيلٌ عِنْدَكُمْ أَنَّكُمْ تُزْعِجُونَ الأَنْبِيَاءَ؛»
تضايقونهم وتحزنونهم وتزعجونهم بعنادكم وعدم إيمانكم.
حَتَّى تُضْجِرُوا إِلهِي أَيْضًا؟
ويقول الترجوم:
«لأَنَّكُمْ تُزْعِجُونَ كَلِمَاتِ إِلَهِي؛»
أو تسيئون إليها بعدم تصديقها؛ أو تزعجون الله نفسه برفض عرض الآية الذي قُدم لكم.
14وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ». وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً:
سواء طلبتموها أم لا؛ آية في السماء والأرض معاً، وهي "المسيا الموعود"؛ الذي بكونه الرب من السماء، سيتخذ جسداً من عذراء على الأرض؛ والذي كإنسان، بدفنه في قلب الأرض، سيقوم من هناك ويصعد إلى السماء. وكان ميلاده -رغم أنه سيحدث بعد سنوات طويلة- آية نجاة حالية ليهوذا من تحالف ملكي سوريا وإسرائيل؛ وآية أمان مستقبلي، إذ لم يكن ممكناً لهذه المملكة أن تكف عن الوجود حتى يأتي المسيا الذي سيخرج من يهوذا ويكون من بيت داود؛ ولذلك كلما تأخر ميلاده، طالت مدة أمانهم.
هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا
لا يُفهم هذا عن حزقيا بن آحاز من زوجته، كما يفسر بعض الكتاب اليهود؛ وهو التفسير الذي يفنده "راشي" بملاحظة أن حزقيا كان عمره تسع سنوات حين بدأ والده يملك، وبما أننا الآن -كما يقول- في السنة الرابعة من حكم آحاز، فلابد أن عمر حزقيا الآن ثلاثة عشر عاماً؛ وبذات الطريقة اعترض ابن عزرا وكيمحي. وعلاوة على ذلك، لا يمكن تسمية أمه "عذراء"؛ ولذات السبب لا يمكن فِهمها عن أي ابن آخر له سواء من زوجته كما يظن كيمحي، أو من شابة أخرى؛ وفوق ذلك، لم يكن أي ابن آخر له "سيداً" على يهوذا كما وُصف عمانوئيل في (إش 8: 8). ولا يمكن تفسيرها عن زوجة إشعياء وابنه كما يظن ابن عزرا وراشي؛ إذ لا يمكن للنبي أن يسميها "عذراء" وهي قد ولدت له أطفالاً أحدهم معه الآن؛ ولا هي حتى "شابة" (Young woman) بل بالأحرى "النبيّة" كما في (إش 8: 3)؛ ولم يكن أي ابن له ملكاً على يهوذا كما يظهر هنا. بل المقصود هنا هو "المسيا"، الذي كان سيولد من عذراء طاهرة؛ كما تعني الكلمة المستخدمة هنا (عَلْمَة - Almah) في كل المواضع التي ذُكرت فيها، مثل (تك 24: 43) وحتى في (أم 30: 19) وهو المثال الذي يعطيه اليهود لاستخدام الكلمة عن امرأة فاسدة؛ إذ لا يظهر أن "الفتاة" و"المرأة الزانية" هما ذات الشخص؛ وحتى لو كانتا كذلك، فقد تُسمى -رغم فسادها- فتاة أو عذراء بناءً على ادعائها هي، أو كما تبدو للآخرين ممن لا يعرفونها، أو كما كانت قبل دنسها؛ وهذا ليس غريباً في الكتاب (انظر تث 22: 28). ويُضاف إلى ذلك، ليس فقط متى البشير هو من ترجم الكلمة بـ (Parthenos - عذراء)، بل إن مترجمي السبعينية (وهم يهود) ترجموها هكذا قبل مئات السنين منه؛ وهي الأنسب للكلمة العبرية المشتقة من الجذر (Alam) الذي يعني "يخفي" أو "يغطي"؛ لكون العذارى "مغطيات" وغير معروفات للرجال؛ وفي البلاد الشرقية كنَّ يُحفظن معتزلات بعيداً عن مخالطة الرجال. وكانت هذه هي الآية التي ستُعطى، وهي معجزة أن يولد المسيا من عذراء طاهرة طُهرية؛ ولذلك سُبقت بكلمة "هَوذا" كعلامة للتعجب؛ وإلا فماذا يمكن أن تكون هذه الآية أو العجيبة؟ يقيناً ليست هي أن تحبل امرأة شابة متزوجة (سواء زوجة آحاز أو إشعياء)، فهذا ليس فيه ما يدعو للدهشة وتتكرر أمثاله يومياً؛ ولم تكن العجيبة أن الشابة لم تكن صالحة للحبل وقت النبوة (كما توهم البعض ونقله راشي)، إذ لا يوجد ما يشير لذلك في النص؛ ولا تكمن العجيبة في التنبؤ بأن المولود ذكر وليس أنثى (كما ذهب سعديا غاؤون)؛ لأن الآية أو العجيبة لا تكمن في صدق تنبؤ النبي، بل في "عظمة الشيء المتنبأ به". وبالأحرى لا يمكن أن تكون العجيبة هي أن يأكل هذا الطفل زبداً وعسلاً بمجرد ولادته (كما اقترح ابن عزرا وكيمحي)؛ إذ لا يوجد ما هو أكثر طبيعية وشيوعاً للأطفال من تناول السوائل الحلوة والمستساغة.
وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ».
وتفسيره "اللهُ مَعَنَا" (مت 1: 23)؛ ومن هنا يظهر أن المسيا هو "إله حق" كما هو "إنسان حق"؛ والاسم يعبر عن اتحاد الطبيعتين البشرية والإلهية فيه؛ وعن وظيفته كوسيط، بكونه إلهاً وإنساناً معاً فهو شخص وسيط بين الاثنين؛ وعن مخالطته للبشر على الأرض، وحضوره الروحي مع شعبه. انظر (يو 1: 14).
يوستينوس الشهيد: واسمعوا مرة أخرى ما تنبأ به إشعياء النبي، من أنه سيولد من عذراء. قال: "هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويدعون اسمه الله معنا". من خلال الروح النبوي، أعلن الله مسبقاً أن الأمور التي لا يمكن تصورها ويُعتقد أنها مستحيلة بالنسبة للبشر سوف تحدث، لكي تُصدق وتُقبل بالإيمان عند وقوعها لأنها قد وُعد بها. ولضمان ألا يتهمننا أحد بأننا نقول نفس ما يقوله الشعراء، الذين يقولون إن زيوس أتى إلى النساء من أجل اللذة الجنسية، سوف نشرح كلمات هذه النبوة بوضوح. عبارة "هوذا العذراء تحبل" تعني أن العذراء ستحبل بدون معاشرة. فلو كانت في الواقع قد عاشرت أحداً، لما كانت عذراء. لقد حلت قوة الله على العذراء، وظللتها وجعلتها تحبل بينما ظلت عذراء.
15زُبْدًا وَعَسَلاً يَأْكُلُ مَتَى عَرَفَ أَنْ يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ. زُبْدًا وَعَسَلاً يَأْكُلُ
كما فعل المسيح يسوع بلا شك؛ إذ وُلد في أرض تفيض لبناً وعسلاً، وفي زمن وفرة، كونه زمن سلام عام؛ فهذه العبارة تشير إلى المكان والزمان اللذين سيولد فيهما المسيا، كما تعبر عن حقيقة طبيعته البشرية وطريقة نشأته التي كانت مشتركة مع بقية الأطفال. الكلمة تعني "قشدة اللبن" وكذلك "الزبد"؛ وكان اللبن والعسل طعاماً شائعاً للرضع.
مَتَى عَرَفَ أَنْ يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ.
ليس المقصود معرفة الطعام الجيد من الرديء، بل معرفة الخير والشر الأخلاقيين؛ وهذا لا يشير إلى أن الغرض من أكله الزبد والعسل هو اكتساب هذه المعرفة، بل يشير إلى "الزمن" الذي سيعيش فيه على هذا الطعام؛ أي إلى أن يكبر ويصل إلى سن التمييز؛ فكما توضح العبارة الأولى أنه اتخذ جسداً حقيقياً كجسدنا يغتذي بالطعام المناسب، توضح هذه أنه اتخذ نفساً ناطقة نمت وازدادت تدريجياً في الحكمة والمعرفة (انظر لو 2: 52). ويجب ترجمة الكلمة بـ "إلى أن يعرف"؛ وهكذا جاء في الترجوم:
"زُبْداً وَعَسَلاً يَأْكُلُ، قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الصَّبِيُّ أَوْ إِلَى أَنْ يَعْرِفَ رَفْضَ الشَّرِّ وَاخْتِيَارَ الْخَيْرِ".
16لأَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الصَّبِيُّ أَنْ يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ، تُخْلَى الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ خَاشٍ مِنْ مَلِكَيْهَا». لأَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الصَّبِيُّ أَنْ يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ،
يمكن فِهم هذا عن ابن إشعياء "شآرياشوب" الذي كان معه؛ والذي لابد أن يكون له دور أو غرض في هذه النبوة؛ وهو على الأرجح طمأنة آحاز وبيت داود بأن الأرض التي يخشونها سيتركها ملكاها قبل أن يصل الصبي الذي معه لسن التمييز؛ وإن كان يمكن فِهمها عن أي صبي، وبالتالي عن المسيا؛ ويكون المعنى أنه قبل أن يصل أي مولود جديد (مثل ذاك الموعود في آية 14) لسن التمييز، أي في غضون سنوات قليلة، سيتم هذا الخلاص الملحوظ ويتحرر اليهود من مخاوفهم.
تُخْلَى الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ خَاشٍ مِنْ مَلِكَيْهَا».
لا يقصد أرض يهوذا، بل أرض إسرائيل وسوريا، اللتين دُعيتا أرضاً واحدة بسبب التحالف بين ملكيهما "رصين" و"ابن رمليا"، واللذين كان آحاز ونبلاءه يكرهونهما (يخشيانهما)؛ وبالفعل في وقت قصير جداً قُتل كلا الملكين؛ قُتل فقح بن رمليا على يد هوشع بن أيلة، وقُتل رصين على يد ملك أشور (2 مل 15: 30، 16: 9).
يوحنا الدمشقي: الآن، بما أن الرب لم يكن مجرد إنسان بل كان أيضاً إلهاً ويعلم كل الأشياء، فإنه لم يكن في حاجة إلى تأمل أو استقصاء أو مشورة أو حكم. كان لديه أيضاً ميل طبيعي للخير ونفور من الشر. وهكذا بهذا المعنى يقول النبي إشعياء أيضاً: "قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر، يختار الخير. لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير، سيرفض الشر باختياره الخير". كلمة "قبل" تظهر أنه لم يقم بأي استقصاء أو تحقيق بأسلوب بشري، بل لأنه كان إلهاً وموجوداً إلهياً في الجسد -أي أنه كان متحداً شخصياً بالجسد- فمن واقع كينونته ذاتها وعلمه بكل الأشياء، امتلك الخير طبيعياً.
17يَجْلِبُ الرَّبُّ عَلَيْكَ وَعَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى بَيْتِ أَبِيكَ، أَيَّامًا لَمْ تَأْتِ مُنْذُ يَوْمِ اعْتِزَالِ أَفْرَايِمَ عَنْ يَهُوذَا، أَيْ مَلِكَ أَشُّورَ. يَجْلِبُ الرَّبُّ عَلَيْكَ
هذه الكلمات موجهة لآحاز؛ وتبين أنه رغم نجاته من الملكين المتحالفين، إلا أن الشر سيأتيه من جهة أخرى، من الأشوريين الذين أرسل يطلب عونهم ووضع ثقته فيهم؛ فالرب سيسمح بذلك في تدبيره لتأديبه على عدم إيمانه وجحوده. وبدأت النكبات في عصره؛ فملك أشور الذي استنجد به ضايقه بدلاً من مساعدته (2 أخ 28: 20).
وَعَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى بَيْتِ أَبِيكَ،
ففي عهد ابنه حزقيا، غزا سنحاريب ملك أشور أرض يهوذا، وفي زمن صدقيا، دمر نبوخذ نصر أورشليم وسبي الشعب؛ وهذه هي "الأيام الشريرة" الموعود بها هنا.
أَيَّامًا لَمْ تَأْتِ مُنْذُ يَوْمِ اعْتِزَالِ أَفْرَايِمَ عَنْ يَهُوذَا،
أي منذ تمرد الأسباط العشرة في زمن رحبعام، وهو ما كان ضيقاً عظيماً لبيت يهوذا؛ ومع ذلك فإن تلك الأيام لم تكن لتُقارن بالأيام العصيبة القادمة.
أَيْ مَلِكَ أَشُّورَ.
أو "بواسطة ملك أشور".
18وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ الرَّبَّ يَصْفِرُ لِلذُّبَابِ الَّذِي فِي أَقْصَى تُرَعِ مِصْرَ، وَلِلنَّحْلِ الَّذِي فِي أَرْضِ أَشُّورَ، وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ
الزمن الذي ستقع فيه تلك الأيام الشريرة.
أَنَّ الرَّبَّ يَصْفِرُ لِلذُّبَابِ الَّذِي فِي أَقْصَى تُرَعِ مِصْرَ،
أي المصريين، ودُعوا كذلك لأن بلادهم كانت تفيض بالذباب، وبسبب كثرة جيوشهم وسرعة زحفهم؛ وتحقق ذلك حين قتل فرعون نخو الملك يوشيا وجعل يهوذا تابعة له. ويرى البعض أن المقصود الأثيوبيون الساكنون في أطراف مصر.
وَلِلنَّحْلِ الَّذِي فِي أَرْضِ أَشُّورَ،
أي الجيش الأشوري، ودُعوا كذلك لكثرة عددهم ونظامهم العسكري وطبيعتهم المؤذية. ويقول الترجوم:
"سَيَدْعُو الرَّبُّ لِأَقْوَامٍ، عَصَائِبِ جُيُوشٍ مِنْ جَبَابِرَةٍ كَثِيرِينَ كَالذُّبَابِ... وَإِلَى جُيُوشٍ قَوِيَّةٍ كَالنَّحْلِ... مِنْ أَقْصَى أَرْضِ أَشُّور".
والتصفير لهم يشير إلى السهولة والسرعة التي ستأتي بها هذه الجيوش الغفيرة؛ والتشبيه مستمد من دعوة النحل من خلاياها إلى الحقول ثم إعادتها بصوت نحاس أو موسيقى ما.
19فَتَأْتِي وَتَحِلُّ جَمِيعُهَا فِي الأَوْدِيَةِ الْخَرِبَةِ وَفِي شُقُوقِ الصُّخُورِ، وَفِي كُلِّ غَابِ الشَّوْكِ، وَفِي كُلِّ الْمَرَاعِي. فَتَأْتِي وَتَحِلُّ جَمِيعُهَا فِي الأَوْدِيَةِ الْخَرِبَةِ
التي أوحشتها الحرب؛ والتشبيه هنا بالنحل والذباب الذي يحط على الأشجار والزهور؛ ويعني أن هذه الجيوش ستملأ أرض يهوذا وتتخذها مستقراً لها لفترة.
وَفِي شُقُوقِ الصُّخُورِ، وَفِي كُلِّ غَابِ الشَّوْكِ، وَفِي كُلِّ الْمَرَاعِي.
يرى كيمحي أن العبارة الأولى تشير للمدن المحصنة فوق الصخور، والثانية للقرى غير المسورة. ويقول الترجوم:
"يَأْتُونَ جَمِيعاً وَيَسْكُنُونَ فِي شَوَارِعِ الْمُدُنِ... وَفِي كُلِّ الصَّحَارِي... وَفِي كُلِّ بُيُوتِ التَّسْبِيحِ"
المعنى هو أنهم سيكونون في كل مكان، في القصور والأكواخ، ولن يكون هناك مفر من أيديهم.
الزوهار (فنحاس: 573 / 3: 243)
[ستلجأ أمم العالم إلى الاختباء عند تجلي المسيح، وهذا هو مقتضى قوله في الكتاب: "ويدخلون في مغاير الصخور" (إش 2: 19) وقوله: "وفي شقوق الصخور" (إش 7: 19)].
20فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَحْلِقُ السَّيِّدُ بِمُوسَى مُسْتَأْجَرَةٍ فِي عَبْرِ النَّهْرِ، بِمَلِكِ أَشُّورَ، الرَّأْسَ وَشَعْرَ الرِّجْلَيْنِ، وَتَنْزِعُ اللِّحْيَةَ أَيْضًا. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَحْلِقُ السَّيِّدُ بِمُوسَى مُسْتَأْجَرَةٍ
ويقصد به العاهل الأشوري، الذي سيستخدمه الرب كأداة في يده لسلب الشعب اليهودي واستئصاله؛ وقد شُبِّه بـ "الموسى" لحدة قطعه، وللعمل الشامل والخراب التام الذي سيكون سبباً فيه؛ ودُعيت "مستأجرة" إما إشارة إلى الهدية التي أرسلها آحاز لملك أشور ليستميله لمساعدته ضد ملكي سوريا وإسرائيل (2 مل 16: 7)، أو إشارة إلى المكافأة التي أعطاها الرب لنبوخذ نصر لقاء الخدمة التي استخدمه فيها (انظر حز 29: 18).
فِي عَبْرِ النَّهْرِ،
ليس نهر النيل، بل الفرات؛ أي بالأشوريين والكلدانيين والبابليين الذين عاشوا في ذلك الجانب من النهر؛ وهذا يفسر استعارة الموسى.
بِمَلِكِ أَشُّورَ،
الذي حكم أولئك الذين هم في عبر النهر.
الرَّأْسَ وَشَعْرَ الرِّجْلَيْنِ، وَتَنْزِعُ اللِّحْيَةَ أَيْضًا.
يعني أنه كما تقص الموسى الشعر تماماً ولا تترك وراءها شيئاً، سواء من الرأس أو اللحية أو الأجزاء الخفية (التي يُرمز إليها بشعر الرجلين)؛ هكذا سيحمل ملك أشور الجميع سبياً خارج أرض يهوذا؛ الملك والأمراء والنبلاء وعامة الشعب؛ من الطبقات العليا والمتوسطة والدنيا. ويقول الترجوم:
"فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَقْتُلُهُمُ الرَّبُّ كَمَنْ يُقْتَلُ بِسَيْفٍ حَادٍّ... بِمَنْ هُمْ فِي عَبْرِ النَّهْرِ وَبِمَلِكِ أَشُّورَ؛ الْمَلِكُ وَجَيْشُهُ وَحَتَّى رُؤَسَاؤُهُ يُهْلِكُهُمْ جَمِيعاً".
وهكذا يفسرها راشي. أما بعض الكتاب اليهود كابن عزرا وكيمحي فيفسرون هذا عن ملاك الرب الذي أهلك جيش سنحاريب في عهد حزقيا، لكن هذا ليس نبوة عن دمار جيش أشور، بل عن دمار الشعب اليهودي بواسطته؛ والكل يشير إلى الحالة الوضيعة والعبودية التي سيُساق إليها اليهود؛ والتي يُعد حلق الشعر رمزاً لها؛ إذ كان من المعتاد حلق رؤوس السبايا علامة على الإذلال والرق (انظر 2 صم 10: 4).
21وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ الإِنْسَانَ يُرَبِّي عِجْلَةَ بَقَرٍ وَشَاتَيْنِ، وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ
ليس في أيام حزقيا بعد دمار جيش سنحاريب كما يرى راشي، بل في أيام نبوخذ نصر بعد دمار أورشليم، حين تُرك بعض الفقراء في الأرض لفلحها (إر 39: 10)؛ فعن هؤلاء الفقراء، لا عن الأغنياء، تُفهم الكلمات التالية:
أَنَّ الإِنْسَانَ يُرَبِّي عِجْلَةَ بَقَرٍ وَشَاتَيْنِ،
يبدو أن هذا يشير إلى ندرة الرجال والمواشي معاً بسبب غارات الجيش الكلداني؛ فلم تعد هناك قطعان ضخمة، بل مجرد بقرة واحدة وشاتين أو ثلاث؛ ومع ذلك سيكون الناس قليلين جداً بحيث تكفيهم هذه المواشي لإعالتهم.
مدراش رباه للتكوين (48: 10)
[خاطب القدوس تبارك اسمه إبراهيم قائلًا: بما أنك قلت "ليؤخذ قليل ماء" (تك 18: 4)، فحق حياتي لأردنّ هذا الصنيع لأبنائك في القفار، وفي المستقر، وفي الزمان الآتي؛ وهذا هو المقصد من قوله: "حينئذ ترنم إسرائيل بهذا النشيد، اصعدي أيتها البئر أجيبوا لها" (عد 21: 17)، فكان هذا في القفار وفي ديار كنعان، ومن أين الدليل؟ من قوله: "لأن الرب إلهك آتٍ بك إلى أرض جيدة أرض أنهار من عيون وغمار تنبع في البقاع والجبال" (تث 8: 7). وفي الزمان الآتي، من أين البرهان؟ من قوله: "ويكون في ذلك اليوم أن مياهاً حيّة تخرج من أورشليم" (زك 14: 8).
وقلت أنت "واغسلوا أرجلكم" (18: 4)، فحق حياتي لأردهنّ لأبنائك في القفار، وفي المستقر، وفي الزمان الآتي. ففي القفار، من أين نعلم؟ كما ورد: "دخلت معك في عهد.. فحمّمتك بالماء" (حز 16: 9). وفي المستقر، من أين؟ كما قيل: "اغتسلوا تنقوا" (إش 1: 16). وفي الزمان الآتي، من أين؟ كما جاء في قوله: "إذا غسل الرب قذر بنات صهيون" (إش 4: 4).
وقلت أنت "اتكئوا تحت الشجرة" (18: 4)، فحق حياتي لأجازينّ أبناءك بهذا الفعل: "فرحت مصر بخروجهم.. بسط سحاباً للتغطية" (مز 105: 39)، وهذا وقع في القفار. أما في الأرض، فمن أين؟ من قوله: "في مظال تسكنون سبعة أيام" (لا 23: 42). وفي الزمان الآتي، من أين؟ كما ورد: "وتكون مظلّة للاستظلال نهاراً من الحرّ" (إش 4: 6).
وقلت أنت "فآخذ كسرة خبز" (18: 5)، فحق حياتي لأردهنّ هذا الجميل لأبنائك: "فقال الرب لموسى ها أنا أمطر لكم خبزاً من السماء" (خر 16: 4)، وهذا حدث في القفار. أما في الأرض، فمن أين؟ كما ورد: "أرض حنطة وشعير" (تث 8: 8). وفي الزمان الآتي، من أين؟ من قوله: "تكون حفنة حبّ في الأرض" (مز 72: 16).
وكذلك نجد مسطوراً: "ثم ركض أبرام إلى البقر" (18: 7)، فحق حياتي لأجازينّ أبناءك بهذا: "فخرجت ريح من قبل الرب وساقت سلوى من البحر وألقتها على المحلّة" (عد 11: 31)، وهذا كان في القفار. أما في الأرض، فمن أين؟ من قوله: "وأما بنو رأوبين وبنو جاد فكان لهم مواشٍ كثيرة وافرة جداً" (عد 32: 1). وفي الزمان الآتي، من أين؟ كما ورد في قوله: "ويكون في ذلك اليوم أن الإنسان يربي عجلة بقر وشاتين" (إش 7: 21).
وكذلك نجد مسطوراً: "كان هو واقفاً لديهم" (18: 8)، فحق حياتي لأجازينّ أبناءك بهذا الصنيع: "وكان الرب يسير أمامهم نهاراً في عمود سحاب ليهديهم في الطريق" (خر 13: 21)، وهذا وقع في القفار. أما في الأرض، فمن أين؟ كما قيل: "الله قائم في مجمع الله" (مز 82: 1). وفي الزمان الآتي، من أين؟ كما جاء في قوله: "صعد المقتحم أمامهم.. ويجتاز ملكهم أمامهم والرب في رأسهم" (مي 2: 13)].
22وَيَكُونُ أَنَّهُ مِنْ كَثْرَةِ صُنْعِهَا اللَّبَنَ يَأْكُلُ زُبْدًا، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ أُبْقِيَ فِي الأَرْضِ يَأْكُلُ زُبْدًا وَعَسَلاً. وَيَكُونُ أَنَّهُ مِنْ كَثْرَةِ صُنْعِهَا اللَّبَنَ
فالبقرة والشاتان، بامتلاكها مساحات شاسعة من المراعي وقلة المواشي التي تنافسها، ستدر لبناً غزيراً جداً، حتى أن صاحبها سيصنع منه زبداً ويقتات عليه، ولن يضطر لشرب اللبن فقط لعدم وجود مَنْ يبيعه له.
يَأْكُلُ زُبْدًا،
إذ سينتج اللبن كمية كافية من الزبد له ولعائلته.
فَإِنَّ كُلَّ مَنْ أُبْقِيَ فِي الأَرْضِ يَأْكُلُ زُبْدًا وَعَسَلاً.
مشيراً إلى أنه رغم قلتهم، سيتمتعون بوفرة من هذا النوع من الطعام الذي توفره قطعانهم الصغيرة وما ينتجه النحل. ويفسر الترجوم وراشي هذا عن "الأبرار" الذين سيبقون، لكنه يشمل بالأحرى الجميع.
23وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ كَانَ فِيهِ أَلْفُ جَفْنَةٍ بِأَلْفٍ مِنَ الْفِضَّةِ، يَكُونُ لِلشَّوْكِ وَالْحَسَكِ. وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ
سيكون قفراً وغير مثمر لنقص الرجال الذين يفلحون الأرض.
كَانَ فِيهِ أَلْفُ جَفْنَةٍ بِأَلْفٍ مِنَ الْفِضَّةِ،
أي كروم جيدة جداً لدرجة أنها تُباع أو تُؤجر بألف شاقل من الفضة؛ أو أن ثمرها يصل إلى هذا الثمن (انظر نش 8: 11).
يَكُونُ لِلشَّوْكِ وَالْحَسَكِ.
لعدم وجود مَنْ يعتني بالأرض ويزرعها.
24بِالسِّهَامِ وَالْقَوْسِ يُؤْتَى إِلَى هُنَاكَ، لأَنَّ كُلَّ الأَرْضِ تَكُونُ شَوْكًا وَحَسَكًا. بِالسِّهَامِ وَالْقَوْسِ يُؤْتَى إِلَى هُنَاكَ،
خوفاً من الوحوش الضارية والأفاعي والعقارب كما يرى راشي؛ أو لاصطيادها؛ أو بسبب اللصوص وقطاع الطرق كما يرى ابن عزرا.
لأَنَّ كُلَّ الأَرْضِ تَكُونُ شَوْكًا وَحَسَكًا.
حيث تختبئ مثل هذه الكائنات وهؤلاء الرجال وسط تلك الأحراش.
25وَجَمِيعُ الْجِبَالِ الَّتِي تُنْقَبُ بِالْمِعْوَلِ، لاَ يُؤْتَى إِلَيْهَا خَوْفًا مِنَ الشَّوْكِ وَالْحَسَكِ، فَتَكُونُ لِسَرْحِ الْبَقَرِ وَلِدَوْسِ الْغَنَمِ. وَجَمِيعُ الْجِبَالِ الَّتِي تُنْقَبُ بِالْمِعْوَلِ،
التي لم يكن يمكن حرثها بالمحراث، بل كانت تُعزق بالمعزق أو المجرفة وتُزرع حبوباً.
لاَ يُؤْتَى إِلَيْهَا خَوْفًا مِنَ الشَّوْكِ وَالْحَسَكِ،
حيث لم يكن الشوك ينمو هناك عادة، ولم يكن هناك خوف من أن يطغى عليها كما يحدث في الكروم التي في الوديان؛ ومع ذلك ستصبح تلك الأماكن مقفرة بطريقة أخرى؛ أو بالأحرى، لن تكون هناك أسيجة من الشوك تمنع الماشية من الدخول.
فَتَكُونُ لِسَرْحِ الْبَقَرِ وَلِدَوْسِ الْغَنَمِ.
لعدم وجود سياج يحميها، ستدخل المواشي الكبيرة والصغيرة إلى الزروع وتقتات عليها وتجعل تلك الأماكن مقفرة، رغم كل الجهد الذي بُذل سابقاً في فلحها. ويقول الترجوم:
"تَصِيرُ مَوْضِعاً لِمَرْبِضِ الثِّيرَانِ، وَمَسْكَناً لِقُطْعَانِ الغَنَمِ؛"
أي ليست مراعي فحسب بل حظائر لها. بينما تشير السبعينية والفولجاتا والسريانية والعربية إلى أن هذه الأماكن ستصبح مراعي؛ ولذلك يفهم البعض هذا كنبوة عن "تغير الحال للأفضل" وعن الخصوبة العظيمة التي ستتمتع بها الأرض بعد عودة اليهود من السبي البابلي.
⪢