⪡ 1بَادَ الصِّدِّيقُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ ذلِكَ فِي قَلْبِهِ. وَرِجَالُ الإِحْسَانِ يُضَمُّونَ، وَلَيْسَ مَنْ يَفْطَنُ بِأَنَّهُ مِنْ وَجْهِ الشَّرِّ يُضَمُّ الصِّدِّيقُ. يحتوي هذا الإصحاح على شكاوى من بلادة ووثنية الشعب الموصوف في ختام الإصحاح السابق، مع وعود بالنعمة لشعب الله. يبدأ بملاحظة بلادة الأشرار (عدد 1) لعدم مبالاتهم بموت الأبرار ولا بالبلايا الوشيكة التي أُنقذ الأبرار منها بموتهم. ثم يُستدعى الوثنيون أمام الرب ويُتهمون بالسخرية من القديسين والقتل (عدد 4)، وتُصور وثنيتهم كزنا روحي. ورغم ذلك، ظلوا متمسكين بآمال كاذبة ومفتخرين ببرهم الذاتي الذي لن ينفعهم (عدد 10). تلي ذلك وعود بالنعمة للقديسين المتكلين على المسيح (عدد 13) بأنه سيسكن عند المتواضعين والمنسحقي القلوب (عدد 15)، ويشفيهم ويعزيهم (عدد 17). ويُختم الإصحاح بوصف الأشرار والتأكيد على أنه "لا سلام لهم" (عدد 20).
بَادَ الصِّدِّيقُ
ليس هلاكاً أبدياً؛ فقد يخشى الصديق ذلك بسبب الخطية أو التجربة، وقد يزول سلامه وتعزيته مؤقتاً، لكنه لا يهلك أبداً لأنه مؤمن بالمسيح ومتبرر ببره. المعنى هنا هو "الهلاك الجسدي" أو الموت، كما في (جامعة 7: 15).
يترجمها الترجوم: «يموت الصديقون». أو "فُقد الصديق"؛ هو لم يُفقد لنفسه (فالموت ربح له)، بل فُقد للكنيسة وللعالم، لكن لا أحد يدرك ذلك.
وَلَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ ذلِكَ فِي قَلْبِهِ.
لا أحد يلاحظ أو يفكر في الأمر، بل لا يبالون ولا يحزنون، وربما يفرحون برحيل هؤلاء؛ وهو ما سيحدث عند قتل الشاهدين (رؤيا 11: 10).
يقول الترجوم: "ولا أحد يضع مخافتي في قلبه". مع أن مثل هذه الأحداث يجب أن تقود الناس لمخافة الرب وطلبه كما فعل داود (مزمور 12: 1).
وَرِجَالُ الإِحْسَانِ يُضَمُّونَ،
أي يُجمعون من العالم إلى شعبهم في السماء؛ وهم الذين نالوا رحمة من الرب ويظهرون الرحمة للآخرين. "الصديق" يشير لبر المسيح المحسوب لهم، و"رجل الإحسان" يشير لنعمته المغروسة فيهم.
وَلَيْسَ مَنْ يَفْطَنُ بِأَنَّهُ مِنْ وَجْهِ الشَّرِّ يُضَمُّ الصِّدِّيقُ.
أي لا أحد يدرك أن هناك أزمنة شريرة وكوارث قادمة؛ لذا يُجمع هؤلاء الأبرار ويُحفظون بأمان في السماء ليهربوا من الشر الآتي على جيل شرير. يمكن تطبيق هذا على رحيل الأتقياء بالموت الطبيعي قبل حلول تلك الأزمات.
2يَدْخُلُ السَّلاَمَ. يَسْتَرِيحُونَ فِي مَضَاجِعِهِمِ. السَّالِكُ بِالاسْتِقَامَةِ. يَدْخُلُ السَّلاَمَ.
أو «يذهب في سلام»؛ فالصديق يمضي في سلام الآن؛ له سلام نابع من بره التبريري، وسلام من خلال إيمانه بالمسيح؛ وله سلام في وسط التجارب الكثيرة التي يمر بها؛ وهو يخرج من العالم بسلام وطمأنينة عظيمة، كما تمنى سمعان الشيخ، لرؤيته نصيبه في المسيح وأمجاد العالم الآخر. وبمجرد رحيله، يدخل إلى حالة السلام المطلق؛ حيث يوجد إله السلام، والمسيح رئيس السلام، والروح الذي ثمره السلام، وملائكة السلام. ولا يوجد هناك ما يعكر صفوهم؛ فلا خطية في الداخل، ولا تجارب شيطان في الخارج، ولا أشرار يزعجونهم. ويُعبّر عن هذه الحالة بالملكوت والفردوس والمجد؛ ويدخلها الصديق فور موته كمن ينتقل من غرفة إلى أخرى، أو كمن يدخل بيتاً لم تصنعه أيدٍ، أبدياً في السماوات، ليمتلكه ويتمتع به للأبد.
يَسْتَرِيحُونَ فِي مَضَاجِعِهِمِ.
أرواحهم في حضن إبراهيم وفي أحضان يسوع؛ وأجسادهم في القبر الذي هو بمثابة "سرير" لهم، حيث يضطجعون وينامون إلى أن يستيقظوا في القيامة؛ وحيث يستريحون من كل كد وتعب، ومن كل الأمراض والآلام والاضطهادات (رؤيا 14: 13).
السَّالِكُ بِالاسْتِقَامَةِ.
أي في بر المسيح، وفي أثواب الخلود والمجد المتلألئة، وفي طهارة كاملة. أو «أَمَامَهُ»؛ أي أمام الله، في محضره، وبالعيان لا بالإيمان كما هو الحال الآن. ورغم أن البعض (مثل ابن عزرا) يراها وصفاً للصديق في حياته؛ بمعنى أن من يسلك بالاستقامة (بر المسيح) في حياته وسلوكه أمام الله، فإنه عند موته يدخل في السلام والراحة.
يترجمها الترجوم: "العاملون بشريعته" (رومية 2: 13). وفي التلمود تُفسر بأنها السلام والسعادة التي يدخلها الصديقون عند موتهم.
جيروم: إن سلام الرجل البار آتٍ، هو الذي عندما فارق الرسل وصعد إلى الآب، قال: "سلامي أعطيكم، سلامي أستودعكم". وحين يصل سلام المسيح الذي يفوق كل حس جسدي، سيستريح رسله في مخادعهم، ويصبح الموت راحتهم. وهذا يظهر أن الشهداء لا يهلكون بل ينتصرون ويأخذون راحتهم على عرش أبدي. أما "رجل السلام"، الذي يستريح رسله في مخادعهم، فهو يسير في اتجاهه الخاص، منتصراً وصاعداً إلى الآب عبر الطريق المستقيم. ثم هناك ما نقرأه في السبعينية: "الرجل البار يُرفع من وجه الشر وسيكون هناك سلام عند قبره الذي هو مفرز"، وكل ذلك يشير مباشرة إلى المسيا، دون أي اختلاط بالرسل. لأن قبر المسيح في سلام ومفرز، ولم يَرَ جسده فساداً ولم يبقَ في القبر. هو "حر بين الأموات"، كما قال الملاك للنسوة: "يسوع الذي تطلبنه ليس هو ههنا".
3«أَمَّا أَنْتُمْ فَتَقَدَّمُوا إِلَى هُنَا يَا بَنِي السَّاحِرَةِ، نَسْلَ الْفَاسِقِ وَالزَّانِيَةِ. «أَمَّا أَنْتُمْ فَتَقَدَّمُوا إِلَى هُنَا
بعد ملاحظة موت الصديق وسعادته، يُستدعى الأشرار (الذين ظنوا أنهم بموت الصديقين قد تخلصوا من الشهود والأنبياء الذين عذبوهم بكلمة الحق) إلى المحكمة الإلهية لسماع وصف حالهم وقضاء الله فيهم.
يَا بَنِي السَّاحِرَةِ،
أبناء إيزابل، الساحرة والنبية الكاذبة التي علمت عبيد الرب أن يزنوا، وسحرت بسحرها أبناء الشر؛ التي خدعت بسحرها كل الأمم ولم تتب عن ذلك (رؤيا 2: 20).
نَسْلَ الْفَاسِقِ وَالزَّانِيَةِ.
نسل زانية بابل العظيمة التي زنى معها ملوك الأرض؛ فرعاياها وأبناؤها هم نسل هذه الزانية وأبناء هذه الكنيسة الوثنية. أو «الذي يزني»؛ مما يغلظ وصفهم بأنهم ليسوا فقط أبناء زناة، بل هم أنفسهم يرتكبون الزنا الروحي.
4بِمَنْ تَسْخَرُونَ، وَعَلَى مَنْ تَفْغَرُونَ الْفَمَ وَتَدْلَعُونَ اللِّسَانَ؟ أَمَا أَنْتُمْ أَوْلاَدُ الْمَعْصِيَةِ، نَسْلُ الْكَذِبِ؟ بِمَنْ تَسْخَرُونَ،
هل تسخرون من خدام الإنجيل، وأنبياء الرب، والشهود الأمناء الذين تشمتون بجثثهم الملقاة؟ اعلموا أن سخريتكم ليست منهم بقدر ما هي من الرب نفسه الذي هم خدامه وأنبياؤه (1 تسالونيكي 4: 8).
وَعَلَى مَنْ تَفْغَرُونَ الْفَمَ وَتَدْلَعُونَ اللِّسَانَ؟
وهي حركات تُستخدم للازدراء والسخرية (مزمور 22: 7). وهكذا يفعل التابعون للوحش بفتح أفواههم وألسنتهم بالغمز واللمز ضد المسيحيين الحقيقيين، واصفين إياهم بالهرطقة والانشقاق والكفر أيضًا؛ وهو إيذاء سيُحاسبون عليه يوماً ما.
يقول الترجوم: "أمام من تفتحون أفواهكم وتكثرون الكلام؟"؛ كما قيل عن "ضد المسيح" أن له فماً يتكلم بعظائم وتجاديف على الله واسمه ومسكنه والساكنين في السماء (رؤيا 13: 5).
أَمَا أَنْتُمْ أَوْلاَدُ الْمَعْصِيَةِ،
المستسلمون لكل أنواع الخطية والشر؛ أو "أبناء الشرير" كما في الترجوم (أبناء الشيطان أو إنسان الخطية). أو كما في السبعينية والنسخة العربية: «أَوْلاَدُ الْهَلاَكِ»؛ فلهم نفس صفات وطبيعة ودين "ابن الهلاك".
نَسْلُ الْكَذِبِ؟
نسل مائل للكذب، يصدقون الأكاذيب ويتكلمون بالكذب في رياء؛ يعتنقون ديناً باطلاً وعقائد فاسدة، وهم سلالة زائفة وليسوا أبناء كنيسة المسيح الحقيقية.
5الْمُتَوَقِّدُونَ إِلَى الأَصْنَامِ تَحْتَ كُلِّ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ، الْقَاتِلُونَ الأَوْلاَدَ فِي الأَوْدِيَةِ تَحْتَ شُقُوقِ الْمَعَاقِلِ. الْمُتَوَقِّدُونَ إِلَى الأَصْنَامِ تَحْتَ كُلِّ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ،
أو «الْمُلْتَهِبُونَ بَيْنَ بَلُّوطَاتِ السِّنْدِيَانِ»؛ أي بالأصنام المصنوعة من خشب السنديان (رؤيا 9: 20)، مما يعبر عن غيرة مستعرة لأصنامهم، حيث يلتهبون بها كما يلتهب الفجار بشهواتهم الدنسة تجاه بعضهم البعض. أو «مَعَ الأَقْوِيَاءِ»؛ أي ملوك وأباطرة الأرض الذين زنت معهم "زانية بابل" في كل مملكة ودولة مزدهرة في أوروبا (المشبهة بالشجرة الخضراء). ويشير النص إلى عادة الوثنيين الذين كانوا ينصبون أصنامهم في الغابات وتحت الأشجار الخضراء ليرضوا شهوات الجسد.
الْقَاتِلُونَ الأَوْلاَدَ فِي الأَوْدِيَةِ تَحْتَ شُقُوقِ الْمَعَاقِلِ.
يشير هذا إلى قسوة هؤلاء العبّدة؛ فكما يلتهبون غيرة لأصنامهم، يشتعلون غيظاً ضد من يعارض ممارساتهم، فلا يستبقون رجلاً ولا امرأة ولا طفلاً. وقد ارتكبت مثل هذه المجازر في أماكن كثيرة، أو قد يقصد تدمير نفوس أولئك الذين كانوا أبرياء كالأطفال قبل أن يقعوا في أيديهم، وذلك عبر عباداتهم الخرافية في الأماكن المنخفضة والمظلمة وتحت الصخور وفي الكهوف.
6فِي حِجَارَةِ الْوَادِي الْمُلْسِ نَصِيبُكِ. تِلْكَ هِيَ قُرْعَتُكِ. لِتِلْكَ سَكَبْتِ سَكِيبًا وَأَصْعَدْتِ تَقْدِمَةً. أَعَنْ هذِهِ أَتَعَزَّى؟ فِي حِجَارَةِ الْوَادِي الْمُلْسِ نَصِيبُكِ.
أي إلهك؛ لكن نصيب يعقوب ليس مثل هذه الأخشاب والأحجار (إرميا 10: 16). فكلما وجدوا حجارة ملساء مناسبة لغرضهم، سواء في مجرى ساقية أو في وادٍ، صقلوها وشكلوها في صورة وثن واتخذوها آلهة؛ فصارت هذه نصيبهم وميراثهم الذي يورثونه لأبنائهم. وتوجد تورية لغوية أنيقة في العبرية بين كلمة «حجارة ملساء» وكلمة «نصيب». أو المعنى: «في الأماكن الزلقة من الوادي سيكون نصيبك» (انظر مزمور 35: 6).
تِلْكَ هِيَ قُرْعَتُكِ.
أي تلك الحجارة بعينها. ويلاحظ "راشي" أنها ستكون الحجارة التي "تُرجمين بها"، وهو عقاب الوثنيين عند اليهود؛ مشيراً إلى أن هذه الأصنام ستكون سبب دمارهم، كما ستكون دماراً للوحش ورعاياه (رؤيا 9: 20).
لِتِلْكَ سَكَبْتِ سَكِيبًا وَأَصْعَدْتِ تَقْدِمَةً.
أي "تقدمة خبز" بالإضافة إلى سكيب الخمر.
أَعَنْ هذِهِ أَتَعَزَّى؟
أي هل أُسَرُّ بهذه الذبائح الوثنية؟ كلا. وترجمتها السبعينية واللاتينية والعربية: «ألا أغضب لأجل هذه؟»؛ بلى، فلي سبب وجيه للغضب. أو يمكن ترجمتها: «أأندم (أغير رأيي) عن هذه؟»؛ أي عن الشر الذي قلت بجلبه على هؤلاء الوثنيين؟ لن أفعل.
7عَلَى جَبَل عَال وَمُرْتَفِعٍ وَضَعْتِ مَضْجَعَكِ، وَإِلَى هُنَاكَ صَعِدْتِ لِتَذْبَحِي ذَبِيحَةً. عَلَى جَبَل عَال وَمُرْتَفِعٍ وَضَعْتِ مَضْجَعَكِ،
أي الهياكل والمذابح التي تُبنى عادة في الأماكن المرتفعة حيث يرتكبون الزنا الروحي (الوثنية) تقليداً للوثنيين. ويُعبَّر عن وثنية أتباع الوحش في هذا السياق بلغة تتناسب مع الوثنية القديمة. ويرى البعض أن هذا يشير إلى "التبجح" في عبادتهم؛ فبعد أن كانوا يمارسونها في الخفاء (تحت الأشجار وفي الكهوف)، صاروا ينصبون مذابحهم في الأماكن العامة بلا حياء. وربما تشير "الجبال العالية" إلى مدينة بابل أو روما نفسها، وهي مقر "ضد المسيح" وحيث وُضع المضجع الرئيسي للوثنية.
يقول الترجوم: "على جبل مرتفع وشامخ جعلتِ مكان بيت سكنكِ"؛ وهو ما ينطبق تماماً على "المدينة العظيمة"، مقر الوحش.
وَإِلَى هُنَاكَ صَعِدْتِ لِتَذْبَحِي ذَبِيحَةً.
فلأجل القيام بذلك يذهب الوثنيون إلى أماكنهم المرتفعة، وهياكلهم، ومذابحهم العالية، وبخاصة في تلك المدينة العظيمة.
8وَرَاءَ الْبَابِ وَالْقَائِمَةِ وَضَعْتِ تَذْكَارَكِ، لأَنَّكِ لِغَيْرِي كَشَفْتِ وَصَعِدْتِ. أَوْسَعْتِ مَضْجَعَكِ وَقَطَعْتِ لِنَفْسِكِ عَهْدًا مَعَهُمْ. أَحْبَبْتِ مَضْجَعَهُمْ. نَظَرْتِ فُرْصَةً. وَرَاءَ الْبَابِ وَالْقَائِمَةِ وَضَعْتِ تَذْكَارَكِ،
أي تذكار أصنامكِ، كما في الترجوم. فكما كان للوثنيين "آلهة منزلية"، كذلك للتابعين للوحش.
لأَنَّكِ لِغَيْرِي كَشَفْتِ
أو «بعيداً عني»؛ أي فارقتِني وتركتِ مضجعي؛ رفضتِ المسيح ملكاً وهجرتِ عبادته ووصاياه، وفضحتِ نفسكِ لآخر، وارتكبتِ الزنا الروحي أو الوثنية؛ بقبولكِ والاعتراف بآخر.
وَصَعِدْتِ.
إلى المضجع الذي نُصب في المرتفعات.
أَوْسَعْتِ مَضْجَعَكِ
لتستوعبي كثرة من الزناة والعبدة الوثنيين.
وَقَطَعْتِ لِنَفْسِكِ عَهْدًا مَعَهُمْ.
مع الأصنام وعبدة الأوثان؛ بقبول سمة الوحش واسمه وعبادة صورته (رؤيا 13: 15). أو «قطعتِ لنفسكِ (أشجاراً) أكثر منهم»؛ لتصنعي أصناماً أو لتوسعي مكان وضعها في الغابات أكثر من الوثنيين. أو «نحتِّ لنفسكِ مضجعاً أوسع من مضجعهم». أو «اقتطعتِ لنفسكِ منهم».
أَحْبَبْتِ مَضْجَعَهُمْ. نَظَرْتِ فُرْصَةً.
تلذذتِ بأماكن العبادة الوثنية وبالوثنية نفسها أينما وجدتِها. أو «أحببتِ مضجعهم، يداً رأيتِ»؛ أي يداً ممدودة لمساعدتكِ أو منحكِ السلطة، أو دعوتكِ واستقبالكِ في مضجع الوثنية؛ أو بالأحرى أي نصب أو عمود أو تمثال أُقيم للوثنية، فبمجرد رؤيته خررتِ وسجدتِ له.
9وَسِرْتِ إِلَى الْمَلِكِ بِالدُّهْنِ، وَأَكْثَرْتِ أَطْيَابَكِ، وَأَرْسَلْتِ رُسُلَكِ إِلَى بُعْدٍ وَنَزَلْتِ حَتَّى إِلَى الْهَاوِيَةِ. وَسِرْتِ إِلَى الْمَلِكِ بِالدُّهْنِ،
إلى ملوك الأرض (بصيغة المفرد للدلالة على الجمع)، الذين زنت معهم زانية بابل؛ في إشارة إلى الزانيات اللواتي يدهنّ أنفسهنّ بالطيب ليصرن أكثر جاذبية لعشاقهن.
وَأَكْثَرْتِ أَطْيَابَكِ،
على طريقة الزانيات اللواتي يستخدمن العطور بكثرة لاستمالة الرجال؛ وهذا يرمز للوسائل الكثيرة التي تتخذها زانية بابل لتنال حظوة عند الملوك والأمم.
وَأَرْسَلْتِ رُسُلَكِ إِلَى بُعْدٍ
ليس فقط إلى الممالك المجاورة، بل إلى أبعد أجزاء العالم (الهند وغيرها)، ويلاحظ "راشي" أن هدفهم هو: "جباية الجزية من ملوك الأمم".
وَنَزَلْتِ حَتَّى إِلَى الْهَاوِيَةِ.
ابتذلتِ نفسكِ لكل عشيق؛ أو تظاهرتِ بالتواضع الشديد. أو بالأحرى: «أحدرتِ (الناس) حتى الهاوية»؛ أي جموع الرجال والنساء الذين انحدروا للهاوية بسبب العقائد والعبادات الباطلة. ويرى البعض أن هذا قد يشير إلى سلطة الوحش المزعومة على الجحيم.
يقول الترجوم: "أحدرتِ قوة الشعب (أو أقوياء الشعب) إلى الهاوية".
10بِطُولِ أَسْفَارِكِ أَعْيَيْتِ، وَلَمْ تَقُولِي: يَئِسْتُ. شَهْوَتَكِ وَجَدْتِ، لِذلِكَ لَمْ تَضْعُفِي. بِطُولِ أَسْفَارِكِ أَعْيَيْتِ،
أو «في تعدد طرقكِ»؛ التي ستكون كثيرة لدرجة الإعياء؛ الخطوات للسيطرة على الملوك والممالك، والحيل لجمع الثروات، والبعثات التي لا تحصى.
يلاحظ "راشي": "لتحقيق رغباتكِ وتوسيع ممتلكاتكِ".
وَلَمْ تَقُولِي: يَئِسْتُ.
كما يفعل أصحاب القضايا العادلة عند الصعوبات؛ لكن هنا، رغم سوء القضية، لم تُدخر نفقات ولا جهود حتى عند تعثر المخططات، بل استمر الإصرار.
شَهْوَتَكِ وَجَدْتِ،
أي ما كنتِ تبحثين عنه وتتعبين لأجله: السيادة والسلطة على الملوك، والإمبراطورية العالمية على الضمائر، والثروات الطائلة؛ وربما تشمل "إعطاء حياة لصورة الوحش حتى تتكلم" (رؤيا 13: 15).
يقول الترجوم: "وجدتِ ثروات عظيمة". ويلاحظ "راشي": "ازدهاراً في أعمالكِ".
لِذلِكَ لَمْ تَضْعُفِي.
على الكد والتعب، لأن النتيجة كانت مكافأة تزيد عن العناء. أو «لذلك لم تمرضي»؛ أي لم يصبكِ اليأس أو الفشل طالما كنتِ تكسبين أرضاً جديدة؛ ولم تحزني على الوثنية التي أدخلتِها ولم تتوبي عنها (رؤيا 9: 20). ويفسرها الترجوم بأنها "عدم التوبة". وبالطبع فإن الوثنية في كل الأصحاح هي رمز عن أي ممارسة أو عادة أو أفكار أو أشياء تجعلنا عبيد لها.
11وَمِمَّنْ خَشِيتِ وَخِفْتِ حَتَّى خُنْتِ، وَإِيَّايَ لَمْ تَذْكُرِي، وَلاَ وَضَعْتِ فِي قَلْبِكِ؟ أَمَّا أَنَا سَاكِتٌ، وَذلِكَ مُنْذُ الْقَدِيمِ، فَإِيَّايَ لَمْ تَخَافِي. وَمِمَّنْ خَشِيتِ وَخِفْتِ حَتَّى خُنْتِ،
هذا الكذب لم يصدر عن خوف من الله أو توقير للمسيح، بل لخدمة غرض دنيوي؛ وهو تعمية عيون الناس تحت مسمى المسيحية أو التقوى أو غيرها، والتحجج بخدمة قضيتها لبسط النفوذ على العالم المسيحي أجمع.
وَإِيَّايَ لَمْ تَذْكُرِي، وَلاَ وَضَعْتِ فِي قَلْبِكِ؟
لم يكن هناك اعتبار للمسيح، ولا إيمان حقيقي به ولا محبة له، بل العكس تماماً؛ فقد أهنتِ مناصبه، وأفسدتِ عقائده ووصاياه وعبادته.
يقول الترجوم: "ولم تذكري عبادتي، ولم تضعي مخافتي في قلبكِ".
أَمَّا أَنَا سَاكِتٌ، وَذلِكَ مُنْذُ الْقَدِيمِ، فَإِيَّايَ لَمْ تَخَافِي.
أو «لأجل ذلك (لسكوتي) لا تخافينني»؛ فلأن جامات غضب الله لم تُسكب بعد، ولأن القضاء لم يقع على "ضد المسيح"، بل تمتعت روما/بابل بازدهار طويل منذ بدأ حكمها؛ لذلك فهي لا تخاف الله ولا تقيم وزناً للبشر، بل تقول: "أنا جالسة ملكة، ولست أرملة، ولن أرى حزناً" (رؤيا 18: 7).
جيروم: "مِمَّن تخافين حتى تكذبي ولا تذكريني ولا تفتكري في قلبك؟ لأني أنا صامت، كأني لا أرى، وأنتِ نسيتِني". لأنكِ وضعتِ ثقتكِ في الآلهة التي مخازنها ممتلئة، رفضتِ أن تسأليني وهكذا صرتِ خائفة من أشياء كثيرة. فلم تكوني قادرة على القول: "الرب معيني فلا أخاف أعدائي"، أو "الرب نوري وخلاصي فممن أخاف؟". إذا اخترتِ في أي وقت أن تتحدثي عكس ما في ذهنكِ، فقد كذبتِ. فكيف تقدرين أن تدعيني وأنتِ لا تذكرينني ولا تذكرين وصاياي، مثل: "أكرم الرب فتتقوى ولا تخاف شيئاً"؟ فبحسب سيماخوس وأكيلا، أنا هو الذي ظللتُ صامتاً باستمرار عن خطاياكِ وتظاهرتُ بتجاهل الجرائم التي ارتكبتِها، كأني لم أرَها على الإطلاق، وذلك لكي تعودي إليَّ على الأقل من أجل صبري، إن لم يكن لأنكِ تخافينني. . . إن كلمة "ذهن" المرتبطة بالقلب في السبعينية ليست مكتوبة في النص العبري، بل أُضيفت هنا كأنها حاشية تفسيرية لكيفية وجوب مطابقة الذهن مع القلب في الكتاب المقدس.
12أَنَا أُخْبِرُ بِبِرِّكِ وَبِأَعْمَالِكِ فَلاَ تُفِيدُكِ. أَنَا أُخْبِرُ بِبِرِّكِ وَبِأَعْمَالِكِ
فرغم كل الوثنية والخرافات والقسوة في روما، إلا أنها تدعي "البر" وتتوقع التبرر به واستحقاق الحياة الأبدية، بل وتدعي "أعمالاً صالحة فائضة". لكن الله، في الوقت المناسب، سيعلن بوضوح عبر خدامه الأمناء (كما فعل جزئياً) وعبر أحكامه، أنها بلا بر؛ وأن ما تسميه براً هو شر، وما تسميه أعمالاً صالحة هو أعمال وثنية واستبدادية. وهذا يوازي تحذير ربنا بالآيات والعجائب التي سيصنعها الوحش ويضل بها البشر.
فَلاَ تُفِيدُكِ.
لن تحميكِ من القضاء هنا ولا من الغضب الآتي، ولن تبرركِ أمام الله، بل على العكس، ستجلب لكِ الدمار المستحق في الدنيا والحياة الآتية.
مدراش رباه للعدد (15: 16)
[قالت إسرائيل أمام القدوس تبارك اسمه: يا سيد العالم، أنت أعلم بقوة "تصور الشر" (الييتسير هارا) ومدى قسوته؛ فأجابهم القدوس تبارك اسمه: نَحّوه عنكم قليلاً في هذا العالم، وأنا سأُقصيه عنكم في المستقبل الآتي؛ كما قيل: "أعدوا أعدوا السبيل، نقوه من الحجارة" (إشعياء 62: 10). وكذلك قال: "ويقول أعدوا أعدوا هيئوا الطريق، ارفعوا المعثرة من طريق شعبي" (إشعياء 57: 14). أما في العالم الآتي، فإني سأقتلعه من جوفكم؛ "وأنزع قلب الحجر من لحمكم وأعطيكم قلب لحم" (حزقيال 36: 26).]
13إِذْ تَصْرُخِينَ فَلْيُنْقِذْكِ جُمُوعُكِ. وَلكِنِ الرِّيحُ تَحْمِلُهُمْ كُلَّهُمْ. تَأْخُذُهُمْ نَفَخَةٌ. أَمَّا الْمُتَوَكِّلُ عَلَيَّ فَيَمْلِكُ الأَرْضَ وَيَرِثُ جَبَلَ قُدْسِي». إِذْ تَصْرُخِينَ فَلْيُنْقِذْكِ جُمُوعُكِ.
من الضيق والدمار الوشيك إن استطاعوا. ولا يُقصد بهم حلفاء اليهود قديماً (المصريون والأشوريون)، بل كما يقول "راشي": هم "أصنامكِ وتماثيلكِ" التي تعبدينها. أو «مجموعوكِ»؛ أي ملوك الأرض الذين جمعتهم زانية روما/بابل ليزنوا معها، والذين سيجتمعون لمحاربة "الحمل" لكنهم سيُهزمون. هؤلاء سيقفون من بعيد وينوحون عليها في ضيقها، لكنهم لن يتمكنوا من إنقاذها (رؤيا 18: 9).
وَلكِنِ الرِّيحُ تَحْمِلُهُمْ كُلَّهُمْ. تَأْخُذُهُمْ نَفَخَةٌ.
لن يقدموا لها أي مساعدة، بل ستحملهم ريح قدرة الله وغضبه كالعُصافة. إن مجرد "نسمة" من فمه ستبددهم وتلاشيهم؛ فلن يصمدوا أمامه كما لا تصمد أخف الأشياء أمام ريح عاصفة. هذه العبارة تشير إلى الدمار التام والسهل لكل هرمية الأشرار.
أَمَّا الْمُتَوَكِّلُ عَلَيَّ فَيَمْلِكُ الأَرْضَ وَيَرِثُ جَبَلَ قُدْسِي».
أولئك من شعب الله الذين سيخرجون من "بابل" (روما) قبل سقوطها، والذين سيلجأون للرب وحده رافضين كل وثنية؛ هؤلاء سيتمتعون بشركة كنيسة المسيح الحقيقية ووصاياها. وقد يشير هذا أيضاً بشكل خاص إلى اليهود الذين سيؤمنون بالمسيح في ذلك الوقت ويعودون إلى أرضهم ويسكنون في أورشليم، جبل قدس الله.
14وَيَقُولُ: «أَعِدُّوا، أَعِدُّوا. هَيِّئُوا الطَّرِيقَ. ارْفَعُوا الْمَعْثَرَةَ مِنْ طَرِيقِ شَعْبِي». وَيَقُولُ: «أَعِدُّوا، أَعِدُّوا.
أي مهدوا الطريق ومهدوا السبيل لعودة شعب اليهود إلى أرضهم. القائل هنا هو الرب، أو النبي، أو "المتوكل على الرب"؛ والأرجح أنه صوت خدام الإنجيل الذين يحركون الملوك والولاة لسكب جامات الغضب على الدول المعادية للمسيح، لفتح الطريق لعودة الشعب (رؤيا 15: 7).
هَيِّئُوا الطَّرِيقَ.
أي طريق العقيدة الصحيحة والعبادة الإلهية الحقة؛ طريق الحق والقداسة والإيمان.
ارْفَعُوا الْمَعْثَرَةَ مِنْ طَرِيقِ شَعْبِي».
الخرافات والوثنية والفجور هي "المعثرة العظمى" في طريق تحول اليهود، وسبب تقسي قلوبهم في عدم إيمانهم بالمسيح. لذا، فإن سقوط "ضد المسيح" والإصلاح الشامل من كل فساد في العقيدة والعبادة سيهيئ الطريق لاعتناقهم المسيحية والرجوع لأرضهم.
يقول الترجوم: "ويقول: علّموا وأدبوا، هيئوا (أو وجهوا) قلب الشعب إلى الطريق المستقيم، ارفعوا معثرة الأشرار من طريق شعبي".
15لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الْعَلِيُّ الْمُرْتَفِعُ، سَاكِنُ الأَبَدِ، الْقُدُّوسُ اسْمُهُ: «فِي الْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ الْمُقَدَّسِ أَسْكُنُ، وَمَعَ الْمُنْسَحِقِ وَالْمُتَوَاضِعِ الرُّوحِ، لأُحْيِيَ رُوحَ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَلأُحْيِيَ قَلْبَ الْمُنْسَحِقِينَ. لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الْعَلِيُّ الْمُرْتَفِعُ،
هو العلي فوق الأرض وأممها، وأعلى من ملوكها؛ ملك الملوك ورب الأرباب؛ القادر على خلاص شعبه وتدمير أعدائه وأعدائهم. هو أرفع من السماوات وملائكتها، وأسمى من تسابيح شعبه؛ أفكاره أعلى من أفكارهم، ومحبته لها علو لا يدركونه. كل هذه الألقاب تفرض هيبة وتوقيراً له وانتباهاً لما يقوله. وربما اتخذ هذه الألقاب في مقابل "ضد المسيح" الذي يرفع نفسه فوق كل ما يُدعى إلهاً، والذي يتفاخر بالقِدَم وينتحل لنفسه بوقاحة لقب "القداسة". لذا يستمر الرب في وصف نفسه بأنه:
سَاكِنُ الأَبَدِ،
هو من الأزل إلى الأبد، بلا بداية ولا نهاية، الأول والآخر، الذي له وحده الخلود في ذاته ومن ذاته. الملائكة ونفوس البشر، وإن كانت لا تموت، إلا أن لها بداية؛ أما الله فوحده من الأزل إلى الأبد، أو بالأحرى يسكن أزلية واحدة غير منقسمة ولا منقطعة، بالنسبة لها يُعد الوقت مجرد نقطة أو لحظة.
الْقُدُّوسُ اسْمُهُ:
لأن طبيعته كذلك؛ هو قدوس أصلاً وجوهراً، وهو مصدر القداسة لخلائقه. لا قدوس بمقارنته؛ قداسته تتجلى في كل أعماله، وهو متمجد بها، ولذا فإن اسمه "قدوس ومهوب".
«فِي الْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ الْمُقَدَّسِ أَسْكُنُ،
كان يسكن في قدس الأقداس في المسكن والهيكل، اللذين كانا رمزاً للمقدس الحقيقي، السماء، حيث يسكن يهوه. وقد تُترجم: «مَعَ الْعَلِيِّ وَالْقُدُّوسِ أَسْكُنُ»؛ ويفسرها البعض (مثل ابن عزرا) بأنهم الملائكة القديسون؛ وإن طبقناها على الأقانيم الإلهية (الابن والروح القدس) فهي تستقيم مع ما يلي:
وَمَعَ الْمُنْسَحِقِ وَالْمُتَوَاضِعِ الرُّوحِ،
ليس فقط مع الأقانيم الأخرى والملائكة، بل مع أولئك المنكسرين تحت ثقل الإحساس بالخطية، منسحقين ليس برؤية النعمة والرحمة الغافرة. هؤلاء متواضعون؛ يظنون الأسوأ في أنفسهم والأفضل في غيرهم، ويخضعون لبر المسيح مخصصين كل خلاصهم لنعمته وحدها. مع هؤلاء يسكن الرب، ليس فقط بوجوده الكلي وقدرته، بل بروحه ونعمته، ساكباً محبته في قلوبهم عبر كلمة الإنجيل ووصاياه. وهدفه من ذلك هو:
لأُحْيِيَ رُوحَ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَلأُحْيِيَ قَلْبَ الْمُنْسَحِقِينَ.
الذين يكونون أحياناً في حالة من فقدان التعزية؛ حيث تضعف النعمة وتطغى الخطية، ويشعرون بحجب وجه الله عنهم. هنا يسكن الرب معهم ليحييهم وينعشهم بحضوره المليء بالنعمة، وبتطبيق وعوده الثمينة، حتى يصبحوا متعزين في نفوسهم ومسرعين لممارسة النعمة وأداء الواجب. يبدو أن كل هذا قيل لتعزية شعب الرب في حالهم المتواضع أثناء حكم "ضد المسيح" واقتراب نهايته.
16لأَنِّي لاَ أُخَاصِمُ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ أَغْضَبُ إِلَى الدَّهْرِ. لأَنَّ الرُّوحَ يُغْشَى عَلَيْهَا أَمَامِي، وَالنَّسَمَاتُ الَّتِي صَنَعْتُهَا. لأَنِّي لاَ أُخَاصِمُ إِلَى الأَبَدِ،
أي لا أستمر في التأديبات والمضايقات مع المتواضع والمنسحق؛ إذ يكون الهدف قد تحقق إلى حد كبير بتواضعهم وانسحاقهم. حين يؤدب الله شعبه، فذلك لخيرهم ولمجده؛ ومتى تحققت هذه الغايات، لا يستمر في الخصومة.
وَلاَ أَغْضَبُ إِلَى الدَّهْرِ.
كما قد يتصور شعبه حين يحجب وجهه عنهم أو يؤدبهم بعصا الضيق.
لأَنَّ الرُّوحَ يُغْشَى عَلَيْهَا أَمَامِي،
أي روح المتألم التي لن تعود قادرة على الاحتمال، فتغرق في الضعف أو تُغمر باليأس.
وَالنَّسَمَاتُ الَّتِي صَنَعْتُهَا.
وهي التي خلقها الله مباشرة وجددها بنعمته. إن الرب، لعلمه بضعف الجبلة البشرية، يكف يده أو يلطف الضيق ويخففه (انظر مزمور 78: 38). وأيام الضيق الأخيرة التي ستمر بشعب الله ستكون من النوع الذي "لو لم تُقصّر تلك الأيام لم يخلص جسد، ولكن لأجل المختارين تُقصر تلك الأيام" (متى 24: 22).
مدراش رباه للتكوين (24: 4) والتلمود البابلي (يڤاموت – 63)
[كُتب: "لأني لا أخاصم إلى الأبد" (إشعياء 57: 16) مع الإنسان الأول، "ولا أغضب إلى الدهر" (16) على ذريته. ذكر الرابي تانحوم بن حييا (وعزاه البعض للربوات): لن يجيء الملك المسيح (ابن داود) حتى تُخلق كافة "النسمات" (الأرواح) التي صعدت في المشيئة الإلهية أن توجد؛ وما البرهان؟ – قوله: "لأن الروح يُغشى عليها من أمامي، والنسمات التي صنعتها" (16)؛ أي لأجل استكمال عدد النفوس التي صُنعت، وهي ذاتها النفوس المسطورة في كتاب "مواليد آدم" (تكوين 5: 1).]
17مِنْ أَجْلِ إِثْمِ مَكْسَبِهِ غَضِبْتُ وَضَرَبْتُهُ. اَسْتَتَرْتُ وَغَضِبْتُ، فَذَهَبَ عَاصِيًا فِي طَرِيقِ قَلْبِهِ. مِنْ أَجْلِ إِثْمِ مَكْسَبِهِ غَضِبْتُ وَضَرَبْتُهُ.
يقصد هنا الرعاة الجشعين الذين يهتمون بما لأنفسهم لا بما هو للمسيح؛ يسعون وراء المكاسب الزمنية والمناصب الرفيعة والمنافع المادية، متولين رعاية القطيع لأجل "ربح قبيح"؛ وهو الإثم السائد الذي بسببه يخاصمهم الله ويوبخهم. وقد قال الله لكنيسة "ساردس" بأنه سيأتي عليها كلص (رؤيا 3: 4).
اَسْتَتَرْتُ وَغَضِبْتُ،
أظهر رفضه بالابتعاد عنهم. ومدى انسحاب حضور الله وروحه من وسطنا أصبح أمراً مشهوداً للأسف.
فَذَهَبَ عَاصِيًا فِي طَرِيقِ قَلْبِهِ.
لم يبالِ بتوبيخات الله وتأديباته؛ لم يكترث لغياب الرب وانسحاب روحه؛ ولم يؤدِّ ذلك إلى إصلاح حقيقي، بل استمر في السعي وراء الشر بنفس الحماس. هم كأطفال معاندين تحت العصا، لا يقبلون تأديباً ولا ينثنون عن طريق قلوبهم.
وبالطبع الرب لا ينسحب منا بالكلية ولكن لكي نشعر ونقوم نبحث عنه كعذراء النشيد.
18رَأَيْتُ طُرُقَهُ وَسَأَشْفِيهِ وَأَقُودُهُ، وَأَرُدُّ تَعْزِيَاتٍ لَهُ وَلِنَائِحِيهِ رَأَيْتُ طُرُقَهُ وَسَأَشْفِيهِ
يقصد الرب إما طرق أولئك المتوكلين عليه (المتواضعين والمنسحقين الذين قادهم الله للتوبة)، فيراها ويقرها ويشفي ارتداداتهم السابقة. أو بالأحرى، يقصد طرق "العاصي"؛ تلك الطرق الشريرة التي اختارها لنفسه بعيداً عن طرق الله؛ فالرب يراها ويؤدب عليها، ولكنه بنعمته يصفح عنها، وهذا هو معنى «الشِّفاء».
وَأَقُودُهُ،
أي أخرجه من تلك الطرق الشريرة إلى الطريق الصالح والمستقيم؛ طريق الحق والبر. فبسبب نقص النور الإنجيلي يضل الكثيرون، ولكن في الأيام الأخيرة سيُسكب روح الحق من العلاء ليقود المؤمنين الحقيقيين إلى كل الحق، فينطقون بلغة نقية ويعبدون الرب بقلب واحد.
وَأَرُدُّ تَعْزِيَاتٍ لَهُ وَلِنَائِحِيهِ
لأولئك الذين ينوحون على خطاياهم وخطايا الآخرين؛ الذين ينوحون في صهيون ولأجلها، بسبب الفساد في العقيدة والعبادة الذي تسلل للكنائس، وبسبب غياب الانضباط الكنسي، والروح الدنيوية الطاغية. لهؤلاء (الذين ينوحون سراً وعلناً رغم سوء زمننا) ستُرد التعزية بإرسال نور الإنجيل ليغطي الأرض كما تغطي المياه البحر، وبإحياء العقائد والوصايا الأصيلة، وبجعل المحبة الأخوية والروحانية تفيض بين المؤمنين، وبتطبيق دم المسيح وبره للغفران والتكفير، وهو الأساس الراسخ لكل تعزية حقيقية.
19خَالِقًا ثَمَرَ الشَّفَتَيْنِ. سَلاَمٌ سَلاَمٌ لِلْبَعِيدِ وَلِلْقَرِيبِ، قَالَ الرَّبُّ، وَسَأَشْفِيهِ. خَالِقًا ثَمَرَ الشَّفَتَيْنِ.
وهو التسبيح والشكر (عبرانيين 13: 16)؛ أي أن الله يهيئ أسباب التسبيح برد التعزيات للمحزونين ومنحهم السلام. ويرى الترجوم أنها "نطق الشفاه في فم كل إنسان" كنعمة طبيعية (النطق)، لكنها في الحقيقة "نعمة روحية" تخص المؤمنين، وقد تشير إلى خدام الإنجيل الذين "ثمر شفاههم" هو إنجيل السلام، أي كلمة المصالحة المنوطة بهم.
سَلاَمٌ سَلاَمٌ لِلْبَعِيدِ وَلِلْقَرِيبِ، قَالَ الرَّبُّ،
السلام مع الله الذي صنعه المسيح هو ثمر شفاه " الآب" الذي وعد به في العهد، والسلام في الضمير هو ثمر شفاه "المسيح" الذي وعد تلاميذه بمنحهم سلامه. وقد كرز الرسل بهذا السلام «للقريب» (اليهود في يهوذا أولاً) ثم «للبعيد» (الأمم واليهود المشتتين في البلاد البعيدة) (أفسس 2: 17). وفي الأيام الأخيرة التي تشير إليها النبوة، ستُملأ الأرض بمعرفة إنجيل السلام، مما يثمر سلاماً روحياً عظيماً ووحدة ومحبة، وسلاماً خارجياً حيث لا تتعلم الأمم الحرب فيما بعد. ويرى كيمحي وبن مالك أن هذا سيتحقق مستقبلاً بعد حرب "جوج ومأجوج".
وَسَأَشْفِيهِ.
أي أشفيهم من كل أمراض النفوس والانقسامات والدنيوية، ومن كل الارتدادات، وأردهم إلى صحة روحية كاملة في أنفسهم وفي كنيستهم.
20أَمَّا الأَشْرَارُ فَكَالْبَحْرِ الْمُضْطَرِبِ لأَنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْدَأَ، وَتَقْذِفُ مِيَاهُهُ حَمْأَةً وَطِينًا. أَمَّا الأَشْرَارُ فَكَالْبَحْرِ الْمُضْطَرِبِ لأَنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْدَأَ،
تضربه الرياح والعواصف فتهيج أمواجه وتصطدم بالشواطئ؛ هكذا تكون عقول الأشرار، مضطربة بآلام الضمير بسبب خطاياهم، أو بالحقد والحسد تجاه ازدهار الأبرار، أو بسبب أحكام الله التي تجعلهم يجدفون على إله السماء من شدة الوجع (رؤيا 16: 9).
وَتَقْذِفُ مِيَاهُهُ حَمْأَةً وَطِينًا.
من قاع البحر إلى الشاطئ؛ وهكذا قلوب الأشرار، ليس فيها سوى "حمأة" الخطية، فلا تقذف إلا خزينهم، وتجديفاً على الله، وحقداً على شعبه.
21لَيْسَ سَلاَمٌ، قَالَ إِلهِي، لِلأَشْرَارِ. ليس لهم نصيب في السلام الذي صُنع بدم المسيح، ولا سلام حقيقي داخل ضمائرهم؛ ولن يكون لهم نصيب في سعادة وازدهار شعب الله في الأيام الأخيرة (وهو ما سيزيد من اضطرابهم)، ولا نصيب لهم في السلام الأبدي الذي يتمتع به القديسون في العالم الآتي. وهذا مؤكد تماماً لأن الله، إله العهد لشعبه، هو من نطق به.
⪢