↰🏠 
🔝

إشعياء

فهرس الاصحاحات 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66

الاصحاح 56

فهرس الاعداد1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12
📖 - + 🔊 📚
⪡ 1 هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «احْفَظُوا الْحَقَّ وَأَجْرُوا الْعَدْلَ. لأَنَّهُ قَرِيبٌ مَجِيءُ خَلاَصِي وَاسْتِعْلاَنُ بِرِّي. يحتوي هذا الإصحاح على نبوة عن دخول الأمم وانضمامهم إلى الكنيسة، وعن الحالة الفاسدة التي ستؤول إليها الكنيسة لاحقاً، ولا سيما حكامها، مما أدى إلى دخول مفسدين شُبهوا بالوحوش الكاسرة. يبدأ الإصحاح بالحث على ممارسة العدل والحق، مدعوماً بقرب خلاص المسيح وإعلان بره في الإنجيل، وبطوبى للإنسان الذي يلتزم بهذه الواجبات ويتمسك بالبركات (عدد 1). ثم يُقدم التشجيع للخصيان والغرباء (الأمم) المتدينين والواعين روحياً، ليرجوا القبول عند الله والترحيب في بيته، مع الرد على اعتراضاتهم ووعود بفيض من المراحم الخاصة (عدد 3). ويلي ذلك نبوة عن زيادات مستقبلية للكنيسة من اليهود والأمم في الأيام الأخيرة (عدد 8). وينتهي بنداء لشعوب متوحشة (كالوحوش) لتأتي وتلتهم، وذلك بسبب الفساد المحزن لقادة الكنيسة وجهلهم وطمعهم (عدد 9-10). هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «احْفَظُوا الْحَقَّ وَأَجْرُوا الْعَدْلَ. احفظوا كلمة الرب التي تأتي من "إله الحق"، فهي خير مُرشد للفكر والقاعدة الوحيدة للإيمان والعمل؛ يجب حفظها في القلب والتمسك بها. وكذلك حفظ جميع وصايا الرب (أحكامه)، فتُحفظ كما سُلّمت بإيمان ومحبة ولمجد الله. كما يجب مراعاة العدل والإنصاف بين الناس، وتطبيق القاعدة الذهبية: "كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضاً بهم". أعمال البر هذه مطلوبة لا للاعتماد عليها في التبرير أمام الله، بل كثمار وأدلة على الإيمان والتجديد. أسباب الالتزام بهذه الأمور: لأَنَّهُ قَرِيبٌ مَجِيءُ خَلاَصِي هي إما كلمات الله الآب بشأن المسيح وخلاصه الذي عينه وأرسله؛ فالمسيح حين أُعطيت هذه النبوة كان "آتياً" كمخلص وقريب الجانب. وخلاصه من حيث فعاليته كان قد حضر (إذ خلص به قديسو العهد القديم)، ومن حيث إتمامه كان قريباً إذ جاء المسيح في وقت قصير (بالمقياس النبوي) ليتمم الخلاص الذي اختاره الله لشعبه. أو هي كلمات المسيح نفسه، صاحب الخلاص الروحي والأبدي، الذي قَرُب إعلانه في الإنجيل وتطبيقه بالروح. وَاسْتِعْلاَنُ بِرِّي. وهي إما كلمات الآب عن أمانته في إتمام وعده بالمسيح، وعن عدله الذي تمجد في الفداء؛ أو عن "بر المسيح" الذي يُسمى بر الله لأنه هو الذي أرسله وصدَّق عليه ويحسبه لشعبه ويبررهم به. أو هي كلمات المسيح عن بره الذي أكمله ليحل محل بر البشر؛ وهو بر لا يُستعلن بنور الطبيعة ولا بناموس موسى، بل بـ "إنجيل المسيح"، ومن إيمان لإيمان.
2 طُوبَى لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَعْمَلُ هذَا، وَلابْنِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِهِ، الْحَافِظِ السَّبْتَ لِئَلاَّ يُنَجِّسَهُ، وَالْحَافِظِ يَدَهُ مِنْ كُلِّ عَمَلِ شَرّ». طُوبَى لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَعْمَلُ هذَا، أي الذي يجري العدل ويحفظ الحق؛ فهو بذلك يمارس ضميراً صالحاً نحو الله والناس، ويتمتع بشركة مع الله في طرقه ووصاياه، ويكون له دليل على حقه في السعادة الأبدية. وَلابْنِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِهِ، أي يتمسك بخلاص المسيح وبره، وهو ما يفترض شعور المرء بعدم كفاية بره الذاتي ورؤيته لسمو بر المسيح؛ وهو تعبير عن فعل إيمان قوي يعتنق هذا البر ويتمسك به كملك خاص له. الْحَافِظِ السَّبْتَ لِئَلاَّ يُنَجِّسَهُ، بالامتناع عن الأعمال الدنيوية والالتزام بالواجبات الدينية. والسبت هنا رمز لكل العبادة المنظمة في عصر الإنجيل، ولكل وقت تجتمع فيه كنيسة المسيح للعبادة. وَالْحَافِظِ يَدَهُ مِنْ كُلِّ عَمَلِ شَرّ». أي الامتناع عن ارتكاب أي خطية ضد الله أو إلحاق ضرر بالبشر، وهذا يشمل مجمل الواجب الأخلاقي.
3 فَلاَ يَتَكَلَّمِ ابْنُ الْغَرِيبِ الَّذِي اقْتَرَنَ بِالرَّبِّ قَائِلاً: «إِفْرَازًا أَفْرَزَنِي الرَّبُّ مِنْ شَعْبِهِ». وَلاَ يَقُلِ الْخَصِيُّ: «هَا أَنَا شَجَرَةٌ يَابِسَةٌ». فَلاَ يَتَكَلَّمِ ابْنُ الْغَرِيبِ أي "الأممي" بالميلاد، الذي كان غريباً عن رعية إسرائيل وعن عهود الموعد، ولم يكن له حق الدخول في جماعة الرب في العهد القديم. لكن الآن، وقد هُدم حائط السياج المتوسط (في الزمن الذي تنتمي إليه النبوة)، صار هؤلاء مدعوين لتوقع القبول. الَّذِي اقْتَرَنَ بِالرَّبِّ قَائِلاً: «إِفْرَازًا أَفْرَزَنِي الرَّبُّ مِنْ شَعْبِهِ». الذي عرفه روحياً في المسيح، فأحبه وآمن به وسلم نفسه له ليسلك في طرقه، ولصق به بعزم القلب. لا يجب على مثل هذا أن يقول: «إِنَّ الرَّبَّ افْرَزَنِي (فَصَلَنِي) عَنْ شَعْبِهِ»؛ استناداً إلى الشريعة القديمة (تثنية 23: 3). فالسياج قد تحطم، والله أعلن نفسه إلهاً للأمم كما لليهود، وكل من يتقي الله ويؤمن بالمسيح من أي أمة هو مقبول عنده. وَلاَ يَقُلِ الْخَصِيُّ: «هَا أَنَا شَجَرَةٌ يَابِسَةٌ». لأنه بلا أولاد، وكان يُعتبر عقيماً وهو أمر يُعد تعييراً ولعنة في القديم، وكان يُمنع من دخول جماعة الرب (تثنية 23: 1). ومع ذلك، فإن مثل هذا الإنسان، متى نال نعمة الله وعمل بمقتضاها، لا يجب أن يحزن أو يضيق صدره بسبب تلك الاعتبارات الجسدية.
4 لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ لِلْخِصْيَانِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ سُبُوتِي، وَيَخْتَارُونَ مَا يَسُرُّنِي، وَيَتَمَسَّكُونَ بِعَهْدِي: لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ لِلْخِصْيَانِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ سُبُوتِي، أي الذين يتقون الرب ويخدمونه؛ ويراعون دينياً جميع أوقات العبادة الإلهية، ويسلكون في جميع وصايا الرب ووصاياه؛ ويظهرون احتراماً لجميع مؤسسات الإنجيل، ويمارسون كل التدريبات الروحية، الخاصة والعامة، في أيام الرب وفي الأوقات الأخرى. وَيَخْتَارُونَ مَا يَسُرُّنِي، الذين يفعلون ما هو مرضي تماماً عند الله، وما أعلنه في كلمته أنه مقبول لديه؛ ويفعلون ذلك عن مبادئ صحيحة، وبأهداف صائبة، وعن طيب اختيار؛ لا بدافع القسر ممن لهم سلطة عليهم، ولا انسياقاً وراء العادة والتقليد فحسب. وَيَتَمَسَّكُونَ بِعَهْدِي: ليس عهد الختان، كما يرى كيمحي؛ فما علاقة الخصيان به؟ بل "عهد النعمة"، العهد الأبدي، عهد السلام الذي سبق ذكره (إشعياء 54: 10)، المبرم بين الآب والابن لأجل المختارين. ويُقال عن الشخص إنه "تمسك به" عندما يطالب بالإيمان بحقه في الله كإله عهده؛ ويأتي إلى المسيح كوسيط العهد؛ ويتعامل مع دمه وبره وذبيحته من أجل الصفح والتبرير والكفارة؛ ويعتبر كل وعود وبركات العهد ملكاً له ويعيش بالإيمان عليها؛ هكذا تمسك داود بالإيمان بهذا العهد (2 صموئيل 23: 5).
5 «إِنِّي أُعْطِيهِمْ فِي بَيْتِي وَفِي أَسْوَارِي نُصُبًا وَاسْمًا أَفْضَلَ مِنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ. أُعْطِيهِمُِ اسْمًا أَبَدِيًّا لاَ يَنْقَطِعُ. «إِنِّي أُعْطِيهِمْ فِي بَيْتِي وَفِي أَسْوَارِي يقول الترجوم: "في بيت مقدسي، وفي أرض بيت شكينتي"؛ ويقصد بذلك الهيكل في أورشليم، ولكن المقصود هنا هو "حالة كنيسة الإنجيل" التي هي بيت الله. مواد هذا البيت هم المؤمنون الحقيقيون؛ وأساسه المسيح؛ وأعمدته وعوارضه هم خدام الكلمة؛ ونوافذه هي الوصايا؛ والباب إليه هو الإيمان بالمسيح والاعتراف به؛ ومؤونته هي الكلمة والوسائط؛ ووكلاؤه هم كارزو الإنجيل؛ وحيث يوجد قديسون من شتى الأنواع. هذا هو بيت الرب، هو بانيه، وفيه يسكن، وهو الذي يحفظه ويرممه ويجمله. هنا يَعِدُ أن يعطي الأشخاص الموصوفين سابقاً: نُصُبًا وَاسْمًا أَفْضَلَ مِنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ. «نُصُباً» أي حق الدخول والقبول في بيته للسكنى فيه باستمرار؛ وهو مكان شرف ومنفعة ولذة؛ مكان تعزية وراحة وطمأنينة؛ مكان شبع على مائدة الرب؛ مكان ثابت ومستقر. وتأتي الكلمة بالعبرية بمعنى يَد، والتي قد تشير إلى حصة أو نصيب أو ميراث (2 صموئيل 19: 43) أو نصب تذكاري أو عمود (2 صموئيل 18: 18). واسماً، ليس اسم وظيفة (فليس الجميع مسؤولين)، ولا مجرد اسم في سجل الكنيسة (وهو ما لا ينفع وحده)، بل اسماً طيباً كعضو في الكنيسة؛ وهو من يحفظ مكانه فيها، ويسعى لحفظ السلام والمحبة الأخوية، ويبذل نفسه لأجل خيرها. علاوة على ذلك، قد يُقصد بهذا الاسم "شعب الله"، أو "كهنة الله"، أو "مسيحيين"، أو بالأحرى "أبناء الله"، وهو الاسم الجديد الذي يُعطى لهم، وهو اسم أمجد: «أَفْضَلَ مِنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ»؛ أي أفضل من امتلاك بنين وبنات (الأمر الذي اشتكى الخصي من فقده)، أو أفضل من كونهم أبناء وبنات لأعظم ملوك الأرض. أُعْطِيهِمُِ اسْمًا أَبَدِيًّا لاَ يَنْقَطِعُ. هذا هو اسمهم الحسن في الكنيسة الذي يُذكر بالخير في الأجيال اللاحقة، وسيعترف بهم المسيح في اليوم الأخير؛ وهذا هو اسمهم كأولاد الله، فمتى صاروا أبناءً فلن يعودوا عبيداً أبداً. وهذا الاسم والمكان هما "هبة من الله"؛ فهو الذي يأتي بهم لبيته، ويعطيهم القوة ليصيروا أولاد الله، وهي علاقة لن تنقطع أبداً بأي فعل منهم أو من الناس أو الشياطين؛ ومثل هذا الاسم كان للخصي الذي تجدد وتعمد على يد فيلبس (أعمال 8: 27). أمبروسيوس: الرب يقول هذا للخصيان: لا يقل الخصي "ها أنا شجرة يابسة"، لأن الرب يقول للخصيان: "كل من يحفظ وصاياي ويختار ما أريده ويعتنق عهدي . . . سينال مكاناً له اسم أفضل في بيتي وضمن أسواري. سأعطيهم اسماً أبدياً كأبناء وبنات". هو يعد الآخرين بأنهم لن يُحرموا. هل حُرم أحد من أمه الخاصة؟ مريم لم تبقَ بلا [عائلة]؛ وسيدة البتولية لم تبقَ بلا نسل، لمجرد أنه لم يُظن أنها قادرة على إنجاب إنسان، وهي التي كانت قد ولدت الله بالفعل.
6 وَأَبْنَاءُ الْغَرِيبِ الَّذِينَ يَقْتَرِنُونَ بِالرَّبِّ لِيَخْدِمُوهُ وَلِيُحِبُّوا اسْمَ الرَّبِّ لِيَكُونُوا لَهُ عَبِيدًا، كُلُّ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ السَّبْتَ لِئَلاَّ يُنَجِّسُوهُ، وَيَتَمَسَّكُونَ بِعَهْدِي، وَأَبْنَاءُ الْغَرِيبِ الَّذِينَ يَقْتَرِنُونَ بِالرَّبِّ بعد أن رد على اعتراض الخصي وأزال مخاوفه، يعود الآن إلى أبناء الغريب الذين يلتصقون بالرب أيضاً كما فعل الخصي. ويفعلون ذلك. لِيَخْدِمُوهُ وَلِيُحِبُّوا اسْمَ الرَّبِّ لِيَكُونُوا لَهُ عَبِيدًا، الذين يسلمون أنفسهم له، ليس فقط ليخلصوا به، بل ليخدموه بالبر والقداسة، وبتقوى ومخافة إلهية، وعن مبدأ محبة له؛ حاسبين خدمته شرفاً لهم. كُلُّ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ السَّبْتَ لِئَلاَّ يُنَجِّسُوهُ، وَيَتَمَسَّكُونَ بِعَهْدِي، (انظر التعليق على العدد 4 أعلاه).
7 آتِي بِهِمْ إِلَى جَبَلِ قُدْسِي، وَأُفَرِّحُهُمْ فِي بَيْتِ صَلاَتِي، وَتَكُونُ مُحْرَقَاتُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ مَقْبُولَةً عَلَى مَذْبَحِي، لأَنَّ بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى لِكُلِّ الشُّعُوبِ». آتِي بِهِمْ إِلَى جَبَلِ قُدْسِي، يُقصد به "الكنيسة"، التي تُسمى «جَبَلاً» لارتفاعها، وظهورها للعيان، وثباتها (انظر إشعياء 2: 2)؛ فأعضاؤها الحقيقيون راسخون في محبة الله غير المتغيرة، وفي نعمة الاختيار التي لا تزعزع، وفي عهد النعمة الذي لا يُنقض، وهم مبنيون على صخرة الدهور المسيح يسوع. ويُسمى الجبل «قُدْسِي» لأن فيه يسكن القديسون، وتُكرز فيه العقائد المقدسة، وتُؤدى فيه العبادات المقدسة، ويمنح فيه الله القدوس (الآب والابن والروح القدس) حضوره. والرب هو الذي «يأتي» بشعبه إلى هناك؛ فهو الذي يرشدهم للطريق، ويميل عقولهم ويحرك إرادتهم للمجيء، ويزيل العوائق من طريقهم، ويجذبهم بمحبته بطريقة متميزة (يأخذ واحداً من مدينة واثنين من عشيرة) ليأتي بهم؛ ومن يَعِد بهذا هو القادر على إتمامه. وَأُفَرِّحُهُمْ فِي بَيْتِ صَلاَتِي، أو «فِي بَيْتِ صَلاَتِـي (الخاص بي)»؛ ليس بيتاً أقامه الله (كما قد يتصور بعض اليهود )، بل حيث تُقدم الصلاة له وتكون مقبولة لديه. فكما أن مخدع كل إنسان هو مكان لصلاة خاصة، وبيت كل رجل تقي هو مكان لصلاة عائلية، فإن كنيسة الله هي البيت الذي يجتمع فيه القديسون ليصلوا للرب بقلب واحد. وهنا يملأهم الرب «فَرَحاً» بسماع واستجابة صلواتهم، وبمنحهم حضوره المُنعِم، وسكب محبته في قلوبهم، وإطعامهم بكلمته ووسائطه، وإعطائهم رؤى عن المسيح وجماله وبِرّه، وتعزيتهم بروح القدس. وَتَكُونُ مُحْرَقَاتُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ مَقْبُولَةً عَلَى مَذْبَحِي، والمذبح هو المسيح، فهو ليس الكاهن الذي يقدم ذبائح شعبه فحسب، بل هو أيضاً المذبح الذي تُقدم عليه (عبرانيين 13: 10). هو المذبح والقدس الأقدس، فيجعل الأشخاص والقرابين مقبولين لدى الله. ولا يُقصد بهذه الذبائح الأمور الناموسية بل الروحية؛ كأعمال الإحسان، وذبائح الصلاة والتسبيح، وحتى تقديم أجساد القديسين ونفوسهم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله، وبالطبع ذبيحة الإفخارستيا (عبرانيين 13: 15). وكما يلاحظ البعض، يتحدث النبي هنا بصور رمزية تناسب زمانه للحديث عن زمن الإنجيل (كذكره السبت والمذبح والذبائح). لأَنَّ بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى لِكُلِّ الشُّعُوبِ». للأمم كما لليهود؛ فأبناء الغرباء مرحب بهم في كنيسة الله ليعبدوا ويصلوا في أي مكان يجتمع فيه القديسون؛ إذ يمكن رفع أيادٍ طاهرة في كل مكان بلا غضب ولا جدال (1 تيموثاوس 2: 8). ويطبق اليهود هذا العدد على زمن مجيء ابن داود (المسيا).
8 يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ جَامِعُ مَنْفِيِّي إِسْرَائِيلَ: «أَجْمَعُ بَعْدُ إِلَيْهِ، إِلَى مَجْمُوعِيهِ». آتِي بِهِمْ إِلَى جَبَلِ قُدْسِي، وَأُفَرِّحُهُمْ فِي بَيْتِ صَلاَتِي، وَتَكُونُ مُحْرَقَاتُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ مَقْبُولَةً عَلَى مَذْبَحِي، لأَنَّ بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى لِكُلِّ الشُّعُوبِ». لا يقصد مشتتي إسرائيل الحرفي (أسرى بابل)، بل إسرائيل الروحي الذين طردهم أهل العالم، واعتبروهم نفاية كل شيء (إرميا 30: 17). أو قد يمثل هذا حالهم في "حالة الطبيعة" حين يبدون مهملين ومتروكين من الرب وكأنهم ليسوا شعبه، مثل الرضيع المنبوذ في الصحراء؛ ومع ذلك يتطلع الرب إليهم ويجمعهم بـ "دعوة فعالة". تترجمها النسخ السبعينية واللاتينية والسريانية بـ «مُشتتي إسرائيل»؛ وهم الذين كانوا بعيدين عن الله، بلا مسيح وبلا روح، تائهين كالخراف الضالة بسبب سقوط آدم وخطاياهم الفعلية. والرب هو "الجامع" لهؤلاء؛ وهذا ينطبق على المسيح كضامن تعهد بالبحث عنهم، وراعٍ يجمع الحملان بذراعه، ومخلص جاء لطلب ما قد هلك. «أَجْمَعُ بَعْدُ إِلَيْهِ (إِلَى إِسْرَائِيلَ) غَيْرَ مَجْمُوعِيهِ»؛ أي سأجمع آخرين غير الذين جُمعوا بالفعل. والمقصود إما الجمع إلى المسيح (الذي يُسمى أحياناً إسرائيل، كما في إشعياء 49: 3) أو إلى كنيسة الله. يتم هذا في "الدعوة الفعالة" حين يُجمع مختارو الله من بين العالم ويُؤتى بهم للمسيح كمخلصهم وكمن يؤمنون ببره، ويُدخلون إلى الكنيسة كحظيرة واحدة ومراعٍ خضراء. لقد جُمعت أعداد كبيرة من اليهود والأمم عند أول كرازة بالإنجيل، والوعد هنا أن آخرين غيرهم سيُجمعون أيضاً؛ كل من بقي من مختاري النعمة الذين لم يُدعوا بعد، والبقية التي فداها بدمه من كل أمة وقبيلة؛ وهو ما سيكتمل في الأيام الأخيرة حين يدخل ملء الأمم ويخلص جميع إسرائيل في وقت واحد. يمكن ترجمتها: «سأجمع إليه أيضاً مَن يجب جمعهم»؛ أي الخراف الأخرى، فلن يضيع واحد منهم. يفسرها كيمحي (نقلاً عن والده) بأن الجمع الإضافي سيكون لأعداء يجتمعون ضد إسرائيل وهم جوج ومأجوج؛ لكن تفسير ابن عزرا أفضل بكثير: "سأجمع دخلاء (مهتدين) إلى الذين جُمعوا من إسرائيل". والأفضل تفسيرها بالأمم التي أُضيفت للكنائس المسيحية وبتحول شعوب مثل القوط والوندال وغيرهم في العصور اللاحقة.
9 يَا جَمِيعَ وُحُوشِ الْبَرِّ تَعَالَيْ لِلأَكْلِ. يَا جَمِيعَ الْوُحُوشِ الَّتِي فِي الْوَعْرِ. يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ جَامِعُ مَنْفِيِّي إِسْرَائِيلَ: «أَجْمَعُ بَعْدُ إِلَيْهِ، إِلَى مَجْمُوعِيهِ». يمكن فهم هذا النص بمعنيين: المعنى الحرفي: دعوة الوحوش الكاسرة لتقتات على جثث القتلى، مما يشير إلى مذبحة عظيمة قادمة، تشبه ما ورد في (رؤيا 19: 17) حيث تُدعى طيور السماء إلى "عشاء". ويفسرها كيمحي بأنها دعوة للوحوش لتقتات على جثث جيش "جوج ومأجوج" (حزقيال 39: 17). المعنى الرمزي (وهو الأرجح): تشير إلى شعوب وأمم تُشبه بالوحوش في قوتها وقسوتها وشراهتها. يرى البعض أنهم البابليون والكلدانيون الذين سبوا اليهود، لكن الأرجح أنهم "الرومان". فبعد أن تنبأ النبي عن جمع البقية المختارة، يشرع في وصف ما سيحل ببقية الأمة اليهودية التي رفضت المسيا؛ حيث سيُجلب عليهم الرومان ليفترسوهم نتيجة خطايا قادتهم. رأي البعض يميل إلى أن المقصود هنا هم "الأمم البربرية" (مثل القوط والوندال وغيرهم) الذين اجتاحوا الإمبراطورية الرومانية بعد أن أصبحت مسيحية ظاهرياً ولكنها فسدت. فالنص يصف بدقة الجهل والجشع والفساد؛ والإصحاح التالي (الذي هو استمرار لهذه النبوة) يتناسب مع وثنية بابل أكثر من حال اليهود الذين لم يسقطوا في الوثنية وقت دمارهم على يد الرومان. يَا جَمِيعَ وُحُوشِ الْبَرِّ تَعَالَيْ لِلأَكْلِ. يَا جَمِيعَ الْوُحُوشِ الَّتِي فِي الْوَعْرِ. قطيع منها اجتاح الإمبراطورية الرومانية كالسيل ومزقها، ونشر الجهل والفساد؛ وأيضًا يشير إلى "الوحش" برؤوسه العشرة (يرى البعض أن فصلاً جديداً يجب أن يبدأ هنا).
10 مُرَاقِبُوهُ عُمْيٌ كُلُّهُمْ. لاَ يَعْرِفُونَ. كُلُّهُمْ كِلاَبٌ بُكْمٌ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَنْبَحَ. حَالِمُونَ مُضْطَجِعُونَ، مُحِبُّو النَّوْمِ. مُرَاقِبُوهُ عُمْيٌ كُلُّهُمْ. وصف محزن للمراقبين؛ فالمراقب يجب أن يكون حاد البصر ليرى القادمين ويكتشف العدو ويحذر من الخطر. يطبق البعض هذا على "الكتبة والفريسيين" الذين سماهم المسيح "قادة عميان" (متى 15: 14). كما يناسب بدقة حال "رجال الوحش". الحرف الأول في هذه الجملة (بالعبرية) مكتوب بحجم أكبر من المعتاد لجذب الانتباه إلى غرابة وخطورة الشخصية الموصوفة هنا والتحذير منها. كما أن كلمة "مراقبين" تفتقر إلى حرف (اليود) الذي يشير للجمع، للإشارة إلى أنهم جميعاً، دون استثناء، يفتقرون للنور الباطني ولم يقم واحد منهم بواجبه. لاَ يَعْرِفُونَ. لا يعرفون شيئاً؛ لا الكتب المقدسة ولا معانيها، ولا الإنجيل وعقائده، ولا المسيح وطريق الخلاص به، ولا عمل الروح القدس. كُلُّهُمْ كِلاَبٌ بُكْمٌ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَنْبَحَ. وبذلك فهم عديمو النفع. فكلب الحراسة أو الغنم إذا لم ينبح عند سماع لص أو اقتراب ذئب ليحذر الراعي، فلا فائدة منه. حَالِمُونَ مُضْطَجِعُونَ، مُحِبُّو النَّوْمِ. كما تفعل الكلاب الكسولة التي لا تهتم بالعمل بل تبحث عن الراحة واللذة. الكلمة الأولى تعني التحدث بأمور باطلة وهذيانية أثناء النوم.
11 وَالْكِلاَبُ شَرِهَةٌ لاَ تَعْرِفُ الشَّبَعَ. وَهُمْ رُعَاةٌ لاَ يَعْرِفُونَ الْفَهْمَ. الْتَفَتُوا جَمِيعًا إِلَى طُرُقِهِمْ، كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى الرِّبْحِ عَنْ أَقْصَى. وَالْكِلاَبُ شَرِهَةٌ أو «قوية النفس»؛ أي ذات شهية عارمة لا تشبع أبداً. أو "قوية البدن"؛ إذ تُطلق "النفس" أحياناً على الجسد؛ فيقصد بها الرجال ضخام الأجسام، غلاظ البطون، مثل الكهنة والرهبان الذين يعيشون على خيرات الأرض؛ هم نهمون ومستمتعون بملذات الحياة، ولهم شهية كلبية. لاَ تَعْرِفُ الشَّبَعَ. لا يعرفون ما معنى الامتلاء بمرضٍ، بل يتوقون دائماً للمزيد. ويرى البعض أن هذا يشير إلى جشعهم الذي لا ينتهي للمال لدعم نمط حياتهم المترف. وَهُمْ رُعَاةٌ لاَ يَعْرِفُونَ الْفَهْمَ. أو بتعبير توبيخي: "أهؤلاء هم الرعاة؟"؛ هؤلاء المراقبون العمي والجهلاء، هؤلاء الكلاب البكم الجشعون؛ أيدّعي هؤلاء أنهم رعاة القطيع ومسؤولون عن إطعامه؟ الْتَفَتُوا جَمِيعًا إِلَى طُرُقِهِمْ، ليفعلوا ما يرضي أهواءهم الجسدية؛ يبحثون عما يحقق نفعهم الدنيوي ومصلحتهم الخاصة، بلا أدنى اعتبار لمجد الله أو مصلحة المسيح أو خير الرعية. كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى الرِّبْحِ عَنْ أَقْصَى. من إقليمه أو مدينته؛ من أسقفيته أو رعيته؛ مستخلصاً أقصى ما يمكن من العشور والإيرادات، وزيادة راتبه بكل وسيلة؛ يبتزون كل صنف من الناس، الأغنياء والفقراء، العظماء والصغار؛ وهذا حالهم جميعاً من أكابرهم إلى أصاغرهم. وهذا سيكون حال رجال الوحش وحتى الدينيين منهم. يقول الترجوم: "كل واحد لسلب ممتلكات إسرائيل"؛ كما كان الفريسيون يأكلون بيوت الأرامل (متى 23: 14).
12 «هَلُمُّوا آخُذُ خَمْرًا وَلْنَشْتَفَّ مُسْكِرًا، وَيَكُونُ الْغَدُ كَهذَا الْيَوْمِ عَظِيمًا بَلْ أَزْيَدَ جِدًّا». «هَلُمُّوا آخُذُ خَمْرًا إما لزملائهم من الأساقفة والكهنة في جلسات صخبهم، أو لعامة الناس تشجيعاً لهم على الترف والتحلل. من قبوه الممتلئ بأجود الأنواع. وَلْنَشْتَفَّ مُسْكِرًا، لملء بطونهم حتى السكر. وَيَكُونُ الْغَدُ كَهذَا الْيَوْمِ عَظِيمًا بَلْ أَزْيَدَ جِدًّا». سيكون الغد يوماً ممتعاً وصاخباً كهذا اليوم بل وأفضل؛ وسيكون لدينا خمر ومسكر أكثر؛ يقولون هذا لتشجيع رفاقهم على الشرب بلا تحفظ، ولإبعاد فكرة "يوم الدينونة" عن أذهانهم. يقول الترجوم: "قائلين: تعالوا لنأخذ خمراً ونسكر بخمر عتيق، وعشاؤنا غداً سيكون أفضل من اليوم، كبيراً وكبيراً جداً". والخمر هنا يشير أيضًا لأي أفكار كاذبة يخدع بها الإنسان نفسه.
 ⪢