↰🏠 
🔝

إشعياء

فهرس الاصحاحات 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66

الاصحاح 55

فهرس الاعداد1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13
📖 - + 🔊 📚
⪡ 1 «أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ، وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ فِضَّةٌ تَعَالَوْا اشْتَرُوا وَكُلُوا. هَلُمُّوا اشْتَرُوا بِلاَ فِضَّةٍ وَبِلاَ ثَمَنٍ خَمْرًا وَلَبَنًا. بما أن الإصحاحين السابقين كانا نبوات عن المسيح وكنيسته، فإن هذا الإصحاح يتناول "كلمته ووصاياه" وطبيعتها وفائدتها وفعاليتها. يبدأ بدعوة النفوس العطشى إليها (عدد 1)، وتوبيخ مَن يسلكون طرقاً خاطئة وتحذيرهم منها (عدد 2)، ثم حثّهم على سماع كلمة المسيح وحضور وصاياه، مع وعود بالحياة وبركات العهد (عدد 2). كما يتنبأ عن المسيح في مكاتبه، وعن دخول الأمم إليه (عدد 4). ويُنادى البشر لطلب الرب ما دام يوجد، ويُشجع الأشرار والأثمة على ترك أفكارهم والرجوع إليه طلباً للغفران، لأن أفكاره وطرق عظمته تسمو على أفكارهم (عدد 6). ثم تُصور فعالية كلمة الله بمشبهات المطر والثلج (عدد 10)، ويختم بالتنبؤ عن تجديد شعب الرب كثمرة للكلمة الفعالة، مما يؤول لمجد الله (عدد 12). «أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ، هذه الكلمات ليست للنبِيّ بل للرب نفسه، وهي موجهة للأمم كما يرى ابن عزرا؛ فدخولهم للإيمان مذكور صراحة هنا. ويرى كيمحي أنهم بعد حرب جوج ومأجوج سيعرفون ملك الرب ويشتاقون لتعلم أحكامه. كلمة «أَيُّهَا (Ho)» هي صيغة نداء ودعوة، وتحمل في طياتها "شفقة" على حال المدعوين. هي دعوة إنجيلية موجهة لـ «الْعِطَاشُ»؛ ليس عطشاً طبيعياً ولا عطشاً للخطية، بل عطشاً روحياً: عطش لغفران الخطايا بدم المسيح، وللتبرير ببره، وللخلاص به، وللمزيد من معرفته والشركة معه، وللبن الكلمة الصافي. هؤلاء هم مَن أُحيوا روحياً وصاروا شاعرين بفقرهم وخطورة حالهم. «الْمِيَاهِ»: تشير إلى "وصايا الإنجيل" (الوسائط) التي تُنقل من خلالها النعمة وتنعش القلوب الكسيرة. الاستعارة مأخوذة من أماكن رسو السفن المحملة بالمؤن، حيث ينادي المنادي الناس ليأتوا ويشتروا. يفسرها البعض بأنها "الناموس"، ولكن "الإنجيل" وعقائده ووصاياه هي المقصودة هنا بلا شك. وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ فِضَّةٌ ليس بالمعنى المادي، بل الروحي. فالإنسان غير المتجدد لا يملك شيئاً يسدد به ديونه لله، رغم أنه قد يظن نفسه غنياً؛ أما النفوس الحية فتعلم أنها مسكينة وبائسة. ومع ذلك، هؤلاء مدعوون للحصول على المؤن لأنها "بالمجان". تَعَالَوْا اشْتَرُوا وَكُلُوا. تعالوا إلى الوسائط، اشتركوا فيها بحرية، واقتاتوا على ما قُدم فيها من زاد روحي. هَلُمُّوا اشْتَرُوا بِلاَ فِضَّةٍ وَبِلاَ ثَمَنٍ خَمْرًا وَلَبَنًا. يُشبه الإنجيل وعقائده بـ «الْخَمْرِ» العتيقة الجيدة لقدمها ولأنها تنعش وتفرح القلب؛ وبـ «اللَّبَنِ» لنقائه وحلاوته وكونه مغذياً وسهل الهضم. هذه الأمور "تُشترى ولا تُباع" (أمثال 23: 23)، ولكن ليس بالمعنى الحرفي؛ فلا يوجد ثمن يفي قيمتها (فهي أثمن من ذهب العالم)، ولا نملك نحن ما نعطيه لله وهو ليس ملكاً له أصلاً. الشراء هنا يعني التخلي عما يظنه الإنسان ذا قيمة (مثل الذات الخاطئة أو البر الذاتي) في مقابل الحصول عليها؛ وهي تُمنح وتُقبل مجاناً. يقول الترجوم: "تَعَالَوْا اسْمَعُوا وَتَعَلَّمُوا عَقيدَةً أَفْضَلَ مِنَ الْخَمْرِ وَاللَّبَنِ". مدراش تانحوما للتكوين (بريشيت – 1: 16) [قال إشعياء: "طوباكم أيها الزارعون على كل المياه" (إشعياء 32: 20)؛ وهؤلاء هم المشتغلون بالتوراة التي شُبهت بالمياه، لقوله: "أيها العطاش جميعاً هلموا إلى المياه" (إشعياء 55: 1). وقوله: "المرسلون أرجل الثور والحمار" (إشعياء 32: 20)؛ فالثور يرمز للمسيح بن يوسف، والحمار يرمز للمسيح بن داود لقوله: "وديع وراكب على حمار" (زكريا 9: 9). وحين يأتيان، يقال في تلك الساعة: "ومنذ الأزل لم يسمعوا ولم يصغوا، لم ترَ عينٌ إلهاً غيرك" (إشعياء 64: 4).]
2 لِمَاذَا تَزِنُونَ فِضَّةً لِغَيْرِ خُبْزٍ، وَتَعَبَكُمْ لِغَيْرِ شَبَعٍ؟ اسْتَمِعُوا لِي اسْتِمَاعًا وَكُلُوا الطَّيِّبَ، وَلْتَتَلَذَّذْ بِالدَّسَمِ أَنْفُسُكُمْ. لِمَاذَا تَزِنُونَ فِضَّةً لِغَيْرِ خُبْزٍ،. لماذا تضيعون الوقت والفرص والقوة في القراءة والسماع لعقائد باطلة ليست خبزاً بل "تِبناً"؟ فهي لا تغذي بل تفسد كالأكلة؛ مثل الفلسفات الوثنية، وتقاليد اليهود، وهرطقات المعلمين الكذبة. وَتَعَبَكُمْ لِغَيْرِ شَبَعٍ؟ أي التعب في طلب السعادة في أمور العالم، أو السعي لنوال البر بأعمال الناموس؛ كل هذا تعب عبث لا يحقق سلاماً ولا تعزية ولا شبعاً حقيقياً، بل هي "خرنوب الخنازير". اسْتَمِعُوا لِي اسْتِمَاعًا ليس للنبي، بل للرب نفسه. يقول الترجوم: "اسمعوا لكلمتي"؛ أي الكلمة الأزلية، المسيح يسوع. اسمعوا لعقيدته التي هي الخبز المشبع. وَكُلُوا الطَّيِّبَ، ليس الناموس، بل كلمة الله الصالحة (الإنجيل)، التي متى وُجدت وأُكلت بالإيمان صارت هي فرح القلب وبهجته. وَلْتَتَلَذَّذْ بِالدَّسَمِ أَنْفُسُكُمْ في جودة ودسم بيت الرب، بحضور الكلمة والوسائط بلذة روحية؛ وهذا هو الطريق لتصيروا مزدهرين ومثمرين في الأمور الروحية (مزمور 36: 8).
3 أَمِيلُوا آذَانَكُمْ وَهَلُمُّوا إِلَيَّ. اسْمَعُوا فَتَحْيَا أَنْفُسُكُمْ. وَأَقْطَعَ لَكُمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا، مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّادِقَةَ. أَمِيلُوا آذَانَكُمْ وَهَلُمُّوا إِلَيَّ. تتكرر هذه التنبيهات والحثّ لبيان مدى أهميتها، ولإظهار مدى ترحيب الرب بهؤلاء الأشخاص في بيته، وعظيم عنايته وشفقتة العميقة بهم. اسْمَعُوا فَتَحْيَا أَنْفُسُكُمْ. أو «لِكَيْ تَحْيَا أَنْفُسُكُمْ» روحياً وأبدياً. لا بد من وجود "حياة" قبل السماع؛ فالبشر يجب أن يُحيوا أولاً لكي يأتوا إلى المسيح روحياً أو يسمعوا كلمته بفهم روحي ويؤمنوا بها للخلاص. ولكن المعنى هنا هو أنه بمجيئهم وسماعهم كلمة الرب، سيجدون ما يقتاتون عليه؛ زاداً صالحاً وراسخاً وجوهرياً، فيحيون في طمأنينة ووفرة إلى الأبد. كان يُعتقد بوجود حماقة كبيرة في قول الفيلسوف الصيني (سونغ لونغوس) بأن للإنسان ثلاثة آذان، واحدة تختلف عن الاثنتين الظاهرتين؛ لكن هذا القول يصح بالمعنى الروحي (الأذن الباطنة). وَأَقْطَعَ لَكُمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا، ولا يُقصد به عهد الأعمال، ولا عهد الختان، ولا عهد سيناء؛ بل "عهد النعمة" الذي هو "أبدي". هو أزلي من حيث تأسيسه في محبة الله الأزلية ومقاصده الدهرية؛ والمسيح هو وسيطه الذي أُقيم منذ الأزل، ووُضعت في يديه الوعود والبركات منذ القدم؛ وسيبقى أبدياً، ضامناً، وثابتاً، وغير قابل للتغيير. هذا العهد قُطع مع المسيح ومعه شعبه فيه منذ الأزل، ويُعلن لهم عند التجديد حين يظهر اهتمامهم به، وحين يعلن الرب ذاته كإله العهد والمسيح كوسيطه. مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّادِقَةَ. أي مراحم "المسيا"، ابن داود، الذي غالباً ما يُسمى باسمه (حزقيال 34: 23)، وهو ما أكده ابن عزرا وكيمحي وغيرهم. تُسمى بركات العهد «مَرَاحِمَ» لأنها تنبع من رحمة الله (كالفداء، والغفران، والتجديد، والخلاص، والحياة الأبدية). وهي "مراحم داود" (أي المسيح) لأن وعودها أُعطيت له، والأمور ذاتها وُضعت في يديه، وثُبتت بدمه. وهي «صَادِقَةٌ» (أمينة) وثابتة وراسخة بصدق وقداسة الله الذي أعطاها للمسيح، ولأنها في عهد "مُرتّب في كل شيء وضامن"، ولأنها في يد المسيح الذي فيه كل الوعود هي "نعم وآمين" (أعمال 13: 34). جيروم: هذا العهد الذي يعد به الرب لن يكون قصير الأمد ولجيل واحد فقط، كما كان حال الشعب اليهودي، بل سيبقى في الأبدية، حيث سيأتي داود الحقيقي وتتحقق الأمور الموعودة في الإنجيل من شخص الله: "وجدتُ داود عبدي، وبالرحمة المقدسة مسحتُه".
4 هُوَذَا قَدْ جَعَلْتُهُ شَارِعًا لِلشُّعُوبِ، رَئِيسًا وَمُوصِيًا لِلشُّعُوبِ. هُوَذَا قَدْ جَعَلْتُهُ شَارِعًا لِلشُّعُوبِ، أي المسيا، كما فسرها ابن عزرا وكيمحي وبن مالك بحق. يشير هذا إلى فعل تم في الأزل، في مقاصد الله ومرسومه، حين عيّن المسيح في دور الوسيط. وكان هذا فعل نعمة وهبة مجانية نابعة من محبته لشعبه (اليهود والأمم). المسيح هو «شَاهِدٌ» لأبيه ولنفسه. شاهد لأبيه: لمسرته بالبشر في وضع خطة خلاصهم، ولمحبته في إرساله ابنه، ولعدله وقداسته اللذين ظهرا في كونه كفارة للخطية، ولصدقه في وعوده. شاهد لنفسه: للاهوته وكماله، لبنوته الإلهية الأزلية، لوجوده قبل التجسد، لمسيانيته، لغاية مجيئه للعالم، لآلامه وموته وقيامته ومجيئه الثاني. هو شاهد للعهد وللحق بكلمته وأعماله ومعجزاته وبالأناجيل وروحه؛ وهو "الشاهد الأمين". رَئِيسًا وَمُوصِيًا لِلشُّعُوبِ. هو «رَئِيسٌ/قَائِدٌ» بكونه معلماً يعلم شعبه ما ينفعهم ويقودهم في الطريق؛ كملك يسوس رعاياه بمهارة يديه (كما فعل داود رمزه)؛ كقائد يقود جيوشه للمعركة؛ كراعي يقود قطيعه لمراعي خضراء؛ وكقدوة يسبق الآخرين. يقود المسيح شعبه من طرقهم الخاصة إلى طرقه، وفي طريق مستقيم إلى مدينة سكناهم (السماء) بلطف وتدرج. وهو «مُوصٍ/آمِرٌ» بالمعنى العسكري (قائد حكيم، قدير، شجاع، ومنتصر دائماً)؛ وبالمعنى السياسي (كملك يُطاع)؛ ووصاياه مكتوبة على قلوب شعبه، وهي ليست ثقيلة، ولا يُقصد بها نيل الحياة والخلاص بمجرد ممارستها، بل تُفعل كشهادة خضوع للمسيح وعرفان بالجميل له. يقول الترجوم: "هُوَذَا قَدْ عَيَّنْتُهُ رَئِيساً لِلشُّعُوبِ، مَلِكاً وَحَاكِماً عَلَى كُلِّ الْمَمَالِكِ".
5 هَا أُمَّةٌ لاَ تَعْرِفُهَا تَدْعُوهَا، وَأُمَّةٌ لَمْ تَعْرِفْكَ تَرْكُضُ إِلَيْكَ، مِنْ أَجْلِ الرَّبِّ إِلهِكَ وَقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ قَدْ مَجَّدَكَ». هَا أُمَّةٌ لاَ تَعْرِفُهَا تَدْعُوهَا، بما في ذلك "أمم" بأكملها، كما في الفقرة التالية. لا يعني هذا كل فرد فيها، بل يعني إرسال الإنجيل لكل الأمم؛ وفي الأيام الأخيرة ستكون ممالك العالم للرب وستعبده جميع الأمم. يشير هذا إلى تدفق عظيم للناس نحو المسيح، حتى أولئك الذين لم يكن "يعرفهم". والمسيح بصفته الإله كلي العلم يعرف كل البشر، وبشكل أخص يعرف شعبه المختار والمفدي قبل تجددهم؛ لكنهم بمعنى ما "غير معروفين" له قبل الدعوة، أي لم يعلن ملكيته لهم جهاراً، ولم توجد بينه وبينهم تلك الدالة والشركة الحميمة. تصف العبارة «الأمم» الغريبة عن المسيح وعن رعية إسرائيل. يقول الآب لابنه: إنك ستدعوها، ليس مجرد "دعوة خارجية" بكلمة الكرازة فحسب (التي قد لا تُثمر في غير المختارين)، بل بـ «الدعوة الداخلية» بروح النعمة، وهي دعوة لا تُقاوم ولا تُبطل ولا تُرَد. وَأُمَّةٌ لَمْ تَعْرِفْكَ تَرْكُضُ إِلَيْكَ، أولئك الذين لم يعرفوا حتى الله، فضلاً عن المسيا، ولم يعرفوا طريق السلام والخلاص، وكانوا في ظلمة حالكة. الوعد هو أن هؤلاء، فور تلقيهم الدعوة، «يَرْكُضُونَ» إلى المسيح؛ حيث يرافق تلك الدعوة "نور" يرشدهم للمخلص، و"حياة" تحركهم، و"قوة" تسند أقدامهم، و"نعمة فعالة" تجذبهم؛ فيركضون بكل استعداد وفرح ليمسكوا بالرجاء الموضوع أمامهم. يضيف الترجوم: "ليأتوا إليك بالجزية". مِنْ أَجْلِ الرَّبِّ إِلهِكَ بسبب محبة الله التي تجذبهم، وقدرته التي تعمل فيهم، وبسبب إعلانه أن من يؤمن بالابن فله حياة أبدية، ولأنه عيّن المسيح وحده فادياً لهم. وَقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ أو «وَ(حَتَّى) إِلَى قُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ» وهو المسيح القدوس في طبيعته وعمله؛ إليه يركضون ليطهروا نفوسهم الدنسة في ينبوع دمه، ولطلب البر والقوة والنعمة والحياة الأبدية. لأَنَّهُ قَدْ مَجَّدَكَ». أي أن الله الآب قد مَجّد ابنه بالمعجزات التي أجراها، وبإقامته من الأموات وصعوده للسماء، وإعطائه مواهب الروح بغير كيل ليمنحها للآخرين؛ وكل هذا يدفع الخطاة للركض إليه. يربط البعض هذا بالكنيسة الأولى (من مؤمني اليهود) التي دعت الأمم بخدمتها، فتمجدت بدخولهم. ويشمل هذا الأمم التي كرز لها الرسل والآباء الأوائل (مثل الفرس، المصريين، الرومان، البريطانيين، وغيرهم)، وما تبع ذلك من تحول الإمبراطورية الرومانية للمسيحية، وصولاً إلى شعوب العالم الجديد. كيرلس السكندري: لم يكن الناموس ناموساً أبدياً وغير قابل للتغيير، بل بقي ساري المفعول فقط طالما بقي زمن فرضه. وكما قال بولس الكلي الحكمة: "فإن الوصية السابقة والعتيقة فيها ثغرة يُطلب ملؤها في الثانية، أي أن الجديد فيه أشياء كثيرة مختلفة تماماً عن القديم". . . تلك الثانية هي العهد الأبدي، وأن الله أتمه لأولئك الذين يقتربون إليه بالإيمان، وهذا يتأكد عندما يضيف مباشرة: "مراحم داود الصادقة". وهذا يتعلق بالإعلانات عن مخلصنا جميعاً، المسيح، والتي تُعلن أنها أُعطيت لأولئك المنتبهين بين الأمم، أو تعني النبوات الإلهية والمقدسة عن المسيح، الذي وُلد من نسل داود بحسب ناسوته. وتُسمى هذه "مقدسة"، لأنها تُكمل أولئك الذين تحل فيهم، تماماً كما تُسمى مخافة الله "نقية" لأنها مطهرة، وتُسمى كلمة الإنجيل "حياة" لأنها تعطي حياة. . . هذه هي القوة التي من خلال المسيح لهذه النبوات. . . فأولئك الذين لم يروا المسيح قط بسبب إقامتهم في الكآبة والظلمة دعوا به، أي أنهم اعترفوا بيسوع إلهاً وهربوا إليه داعين إياه رجاءهم وسترهم ووسيلة خلاصهم ودعوا به كإله . . . فبالرغم من أنه بحسب قياس البشرية ظُن أن المسيح وضيع، إلا أنه عاد إلى ما كان يليق به وهو اللاهوت والمجد الأسمى — ولكن ليس بدون جسده.
6 اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ. اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. يجب طلب الرب في كل حين، خاصة في يوم الرب، وما دامت كلمة الكرازة تُسمع والحياة مستمرة. يقول الترجوم: "اطلبوا مخافة الرب ما دمتم أحياء". يفسرها ابن عزرا وغيره: "قبل ختم المرسوم الإلهي أو صدوره". كما يمكن أن تُفهم زمانياً ومكانياً: «اطلبوا الرب في المكان الذي يوجد فيه»؛ ففي العهد القديم كان هناك مكان محدد (الخيمة والهيكل)، أما في العهد الجديد فكل الأماكن سواء، وحيثما اجتمعت الكنيسة يوجد الرب في وسائطه ووصاياه. ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ. الطلب والدعاء هنا يشملان كل العبادة الجمهور والوقت والمكان الذي يقترب فيه الرب من شعبه. يرى ابن عزرا أنها إشارة لـ "الشكينة" في المقدس. وقد تشير أيضاً إلى وقت تجسد المسيح ووجوده في أرض اليهودية قبل دمار الهيكل، حين ضاعت فرصة اليهود في طلب الرب وسماعه هناك بعد حصار أورشليم وتشتت المسيحيين منها. وهكذا، في التلمود الأورشليمي، كما نقل عنه أبيندانا في هذا الشأن: "اطلبوا الرب حيثما وُجد، في المجامع والمدارس؛ ادعوه حيثما كان قريبًا، في المجامع والمدارس". وبالتالي، يفسر كاتب يهودي آخر، ذكره أبيندانا، هذه الكلمات قائلاً: "ما دامت الشكيناه موجودة في المقدس؛ قبل أن يحجب وجهه، وينقل شكيناه عنكم".
7 لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ. لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، طريقه الشرير، كما يوضح الترجوم؛ أي مسيرة حياته الأثيمة التي اختارها بنفسه ويتلذذ بها، وهي طريق محفوفة بالمخاطر. لا يمكن لأحد أن يترك هذا الطريق إلا بنعمة الله الفعالة، وحين يدرك قبحها وخطورتها. وترك الخطية لا يعني العيش بلا خطية (وهو أمر مستحيل)، بل يعني ألا تكون الخطية هي "مسار" حياته. كلمة «الشِّرِّيرُ» تعني "القلق، المزعج، وغير التقي"، وهي تصف دنس وإثم الجميع. وقد يُفهم "طريقه" أيضاً بأنه طريقته الخاصة في تبرير نفسه بأعماله، وهو ما يجب تركه للتمسك بالمسيح وحده. وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ، ليس أفكاره الفطرية، بل أفكاره الخاطئة عن الدين والبر والخلاص؛ وبخاصة ظنه أنه سيتبرر ببره الذاتي. فبما أن الجميع خطاة ومحرومون من البر، فعلى المتكل على بره أن يتجرد من هذه الأفكار ويعترف بآثامه قبل أن ينال الرحمة والغفران من يد الرب. وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ الذي ابتعد عنه وأخطأ في حقه، وهو الوحيد القادر على خلاصه. والرجوع يكون بالاعتراف بالخطية وطلب الرحمة وحضور العبادة؛ وهذا كله ثمرة النعمة الجاذبة. يقول الترجوم: "وليعد إلى عبادة الرب". فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ. إن رجوع الخاطئ ليس عملاً استحقاقياً، فقبوله يبقى "رحمة". والرب يرحم لأنه يجد لذة في ذلك. الغفران موعد مطلق ومحفز لترك الخطية وليس شرطاً لها. الرب «يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ» أو «يضاعف لكي يصفح»؛ فهو يغفر لكل أنواع الخطاة، ويغفر كل أنواع الخطايا (الأصلية والفعلية وحتى البعد عنه)، إلا التجديف على الروح القدس.
8 «لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلاَ طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ. «لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، قد يوجد تشابه في الطبيعة بين أفكار الله وأفكار البشر (كأفعال باطنية)، لكن أفكار البشر محدودة ولها بداية، بينما أفكار الرب لانهائية وأزلية. والمقصود هنا هو "الجودة"؛ فأفكار البشر شريرة وباطلة دائماً، بينما أفكار الله مقدسة كما تظهر في عهد النعمة. يظن البشر أن أعمالهم تكفيهم للخلاص، أو أن رحمة الله مطلقة بلا عدل أو بلا حاجة للمسيح؛ لكن أفكار الله هي النقيض تماماً. وهذا سبب يدعو لترك أفكار البشر لأنها لا تشبه أفكار الله. كما أن هذا برهان على أن الله يغفر بكثرة؛ لأنه ليس كالبشر المائلين لعدم الصفح عن الجرائم الكبيرة، بل هو مستعد ومستعد دائماً للمسامحة. وَلاَ طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ. الطرق التي يشرعها الله مقدسة ومستقيمة ومنيرة، بينما طرق البشر دنسة ومعوجة ومظلمة تؤدي للموت. كما أن طرق الله في الخلاص والغفران تختلف عن طرق البشر؛ فهو يغفر بحرية، وبكامل قلبه، وينسى كما يصفح.
9 لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ. لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، وهي أكبر مسافة يمكن تصورها. هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ. ويشير هذا إلى سماوية طرق الله وأفكاره وأزليتها وسموها الذي لا يُستقصى، وقيمتها الغالية مقارنة بأفكار البشر.
10 لأَنَّهُ كَمَا يَنْزِلُ الْمَطَرُ وَالثَّلْجُ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَرْجِعَانِ إِلَى هُنَاكَ، بَلْ يُرْوِيَانِ الأَرْضَ وَيَجْعَلاَنِهَا تَلِدُ وَتُنْبِتُ وَتُعْطِي زَرْعًا لِلزَّارِعِ وَخُبْزًا لِلآكِلِ، لأَنَّهُ كَمَا يَنْزِلُ الْمَطَرُ وَالثَّلْجُ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَرْجِعَانِ إِلَى هُنَاكَ، ينزل المطر والثلج من السحاب ولا يعودان (إلا بالتبخر بعد حين) حتى ينجزا المهمة التي أُرسلا لأجلها. بَلْ يُرْوِيَانِ الأَرْضَ وَيَجْعَلاَنِهَا تَلِدُ وَتُنْبِتُ أو «يُسْكِرانِ الأَرْضَ»؛ إذ يتغلغل الماء فيها ليصل إلى البذرة المزروعة، فيجعلها تنمو لتصير ساقة وسنبلة. وَتُعْطِي زَرْعًا لِلزَّارِعِ وَخُبْزًا لِلآكِلِ، لتنتج ما يكفي من الطعام للإنسان والحيوان، وما يكفي من البذار للعام القادم.
11 هكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لاَ تَرْجعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ. هكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. "كلمتي الصالحة" كما يقول الترجوم. يمكن فهمها بثلاثة أوجه: المسيح (الكلمة الأزلي): الذي خرج من فمه ونطق به الأنبياء منذ البدء. مجيئه كالمطر والثلج (هوشع 6: 3)؛ جاء من السماء كعطية مجانية وقضاء إلهي، وكان مجيئه منعشاً وفعالاً، يروي شعبه بنعمته ويجعلهم مثمرين. ورغم عودته للسماء، لم يرجع "فارغاً"، بل حصد حصاداً عظيماً من النفوس وأتم مشيئة الله في الخلاص. كلمة الوعد: وعود الله سماوية المصدر، منعشة كالمطر، وفعالة دائماً لأنها "نعم وآمين" في المسيح، وهي تحقق مقاصد الله في الغفران والسلام. كلمة الإنجيل (وهو الأرجح): تأتي من السماء كنسمة نعمة، وتسقط بتوجيه إلهي لتلين القلوب القاسية وتبرد الضمائر المشتعلة بنار الناموس. هي سبب "بروز" النعمة الأول وازدهارها في أعمال صالحة، وتوفر بذاراً للمسيح (الزارع) وخبزاً للمؤمن (الآكل). لاَ تَرْجعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بل ترافقها قوة إلهية، فهي قوة الله للخلاص. بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ في تجديد الخطاة وتعزية القديسين. وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ. سواء كانت رائحة حياة لحياة، أو رائحة موت لموت؛ سواء لتجديد المختارين أو لترك المعاندين بلا عذر، في العالمين اليهودي والأممي.
12 لأَنَّكُمْ بِفَرَحٍ تَخْرُجُونَ وَبِسَلاَمٍ تُحْضَرُونَ. الْجِبَالُ وَالآكَامُ تُشِيدُ أَمَامَكُمْ تَرَنُّمًا، وَكُلُّ شَجَرِ الْحَقْلِ تُصَفِّقُ بِالأَيَادِي. لأَنَّكُمْ بِفَرَحٍ تَخْرُجُونَ وَبِسَلاَمٍ تُحْضَرُونَ. رغم أنها تاريخياً تشير لرجوع اليهود من السبي (كما يرى الترجوم)، إلا أنها روحياً تُطبق على "تجديد البشر" كثمرة للكلمة الفعالة؛ فخروجهم من سبي بابل رمز لخروج النفس من عبودية الخطية والشيطان، ومن ظلمة الجهل وبئر البؤس، إلى المسيح ونوره وبره. يخرجون بحرية إذ يقودهم الروح القدس إلى الكنيسة والنعمة. الْجِبَالُ وَالآكَامُ تُشِيدُ أَمَامَكُمْ تَرَنُّمًا، وَكُلُّ شَجَرِ الْحَقْلِ تُصَفِّقُ بِالأَيَادِي. صور بلاغية قوية تصف الفرح. الجبال قد تعني "ملوك الأمم"، والشجر يعني "عامة الناس" الفرحين بخلاص الكنيسة. أو هم خدام الكلمة والمؤمنون الذين يبتهجون بتجديد الخطاة. ويشير تصفيق الشجر إلى حركة الأغصان مع النسيم وكأنها أيدٍ متشابكة. ويرى البعض أن هذا يصور خروج الرسل إلى عالم الأمم بفرح عظيم. مدراش المزامير (13: 7) [قال القدوس تبارك اسمه لإسرائيل: قدموا لي في هذا العالم نظير ما أعطيتكم، وأنا سأجزله (أكثره) لكم في العالم الآتي: اسكبوا أمامي ماءً في العيد (عيد المظال)، كما منحتكم سابقاً: "اصعدي أيتها البئر أجيبوا لها" (عدد 21: 17)، وسأرده لكم في الآتي: "ويكون في ذلك اليوم أن الجبال تقطر عصيراً والتلال تفيض لبناً" (يوئيل 3: 18). خذوا غصن "اللولب" وتهللوا به أمامي، كما منحتكم سابقاً: "الجبال قفزت مثل الكباش والتلال مثل حملان الغنم" (مزمور 114: 4)، وسأرده لكم في الآتي: "وكل شجر الحقل تصفق بالأيادي" (إشعياء 55: 12). اصنعوا أمامي مظلة (سوكا)، كما منحتكم سابقاً: "في مظال أسكنت بني إسرائيل لما أخرجتهم من أرض مصر" (لاويين 23: 43)، وسأرده لكم في الآتي: "وتكون مظلة للاستظلال نهاراً" (إشعياء 4: 6). ولذلك قيل: "أغني للرب لأنه أحسن -גمل- إليّ" (مزمور 13: 6).]
13 عِوَضًا عَنِ الشَّوْكِ يَنْبُتُ سَرْوٌ، وَعِوَضًا عَنِ الْقَرِيسِ يَطْلَعُ آسٌ. وَيَكُونُ لِلرَّبِّ اسْمًا، عَلاَمَةً أَبَدِيَّةً لاَ تَنْقَطِعُ». عِوَضًا عَنِ الشَّوْكِ يَنْبُتُ سَرْوٌ، وَعِوَضًا عَنِ الْقَرِيسِ يَطْلَعُ آسٌ. المعنى الأول: بدلاً من الأشرار (المشبهين بالشوك في ضررهم وعدم نفعهم ومصيرهم للحرق)، سيقوم أبرار (مشبهون بأشجار مثمرة وجميلة)، وهو ما تحقق بوضوح عند كرازة الإنجيل للأمم (إشعياء 35: 1). يقول الترجوم: "عوضاً عن غير الأتقياء يقوم صديقون، وعوضاً عن الخطاة يقوم من يخافون الخطية". المعنى الثاني: أن من كانوا "شوكاً" بطبيعتهم (أبناء غضب)، يصيرون بنعمة الله كالسرو والآس. والآس (زكريا 1: 10) يرمز للمؤمنين لجمال منظره ورائحته الذكية وكونه دائماً الخضرة وينمو عند المياه. وَيَكُونُ لِلرَّبِّ اسْمًا، عَلاَمَةً أَبَدِيَّةً لاَ تَنْقَطِعُ». أي أن هؤلاء الذين تحولوا إلى "سرو وآس" سيحملون اسم الرب ويدعمون إنجيله، ويكونون بمثابة نُصب تذكاري أبدي لمحبته وقدرته وأمانته؛ وعلامة أكيدة على أن كنيسته وشعبه لن ينقطعوا أبداً ما دامت الشمس والقمر. أفرام السرياني: "عوضاً عن الشوك ينبت سرو، وعوضاً عن القريص ينبت آس". المعنى الروحي لهذه الكلمات يشير إلى تغيير العادات (الأخلاق)، التي برعمت وارتفعت بمجيء المسيح بين تلك الأمم التي اعتنقت إيمانه. فعوضاً عن الأشواك التي تمثل الخطايا، وعوضاً عن القريص الخالي من الثمار، ارتفع السرو والآس ذو الرائحة الذكية، وهما رمزان لأعمال الفضيلة والطهارة والقداسة . . . المرضية لله والتي تُفرّحه.
 ⪢