⪡ 1فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ حَزَقِيَّا ذلِكَ مَزَّقَ ثِيَابَهُ وَتَغَطَّى بِمِسْحٍ وَدَخَلَ بَيْتَ الرَّبِّ. يحتوي هذا الأصحاح على رسالة حزقيا إلى إشعياء، طالباً صلاته لأجله ولأجل شعبه في وقت الضيق الشديد هذا (العدد 1)، والجواب المعزي والمشجع الذي رده النبي إليه (العدد 6)، ورسالة ملك آشور إلى حزقيا لترهيبه لكي يسلم مدينة أورشليم له (العدد 8)، والتي بسطها حزقيا أمام الرب وصلى إليه لأجل النجاة (العدد 14)، وبناءً عليه تلقى جواباً نعمياً على يد النبي، يعده بالسلامة والنجاة له، وبالدمار لملك آشور، الأمر الذي أُعطيت عليه علامة (العدد 21)، ويُختتم الأصحاح بهلاك الجيش الآشوري على يد ملاك، وهروب الملك، وموته على أيدي ابنيه (العدد 36).
فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ حَزَقِيَّا ذلِكَ
أي التقرير الذي قدمه وزراؤه إليه عن تجديفات وتهديدات ربشاقي، قائد الجيش الآشوري.
مَزَّقَ ثِيَابَهُ وَتَغَطَّى بِمِسْحٍ
أما تمزيق الثياب فبسبب التجديفات التي سمعها، وأما التغطي بالمسح فبسبب الدمار الذي هُدد به هو وشعبه.
وَدَخَلَ بَيْتَ الرَّبِّ.
أي الهيكل، ليصلي إليه هناك؛ كان بإمكانه الصلاة في بيته، لكنه اختار الذهاب إلى بيت الله، ليس فقط قداسةً للمكان، بل لأن الرب هناك وعد واعتاد أن يسمع صلوات شعبه (1 ملوك 8: 29، 30)، ولأن الأمر أكثر علانية، وليكون قدوة يتبعها الشعب. إن الضيق لا ينبغي أن يبعد الناس عن بيت الله بل أن يأتي بهم إليه؛ فها هنا يُستفسر من الرب، وهنا يُوجد؛ ومن هنا يرسل النجاة والخلاص لشعبه. لا شيء أنسب من الصلاة في أوقات المحن؛ وليس من المهين أو المنقص من شأن أعظم ملك على الأرض أن يضع رداءه الملكي جانباً، ويتواضع أمام الله في وقت الضيق ويصلي إليه. حزقيا لم يجلس ليفحص خطاب ربشاقي ويفككه ليرد عليه، بل التجأ إلى الله.
2وَأَرْسَلَ أَلِيَاقِيمَ الَّذِي عَلَى الْبَيْتِ وَشَبْنَةَ الْكَاتِبَ وَشُيُوخَ الْكَهَنَةِ مُتَغَطِّينَ بِمُسُوحٍ إِلَى إِشَعْيَاءَ بْنِ آمُوصَ النَّبِيِّ. وَأَرْسَلَ أَلِيَاقِيمَ الَّذِي عَلَى الْبَيْتِ وَشَبْنَةَ الْكَاتِبَ
اثنين من المفوضين الذين أُرسلوا إلى ربشاقي، واللذين سمعا صلفه وتجديفه وكانا قادرين على تقديم تقرير كامل عنه، إلى إشعياء النبي.
وَشُيُوخَ الْكَهَنَةِ
فكما أُرسل كبار المسؤولين عن الشؤون المدنية، أُرسل أيضاً كبار العاملين في الأمور المقدسة؛ كانت هذه سفارة مشرفة جداً، وفي إرسال مثل هذه الشخصيات إليه إظهار لاحترام كبير للنبي.
مُتَغَطِّينَ بِمُسُوحٍ
كما كان الملك نفسه، مقتدين بمثاله؛ وهذا يُفهم ليس عن شيوخ الكهنة فحسب، بل عن ألياقيم وشبنة أيضاً. هؤلاء، وهم بهذا اللباس، أرسلهم الملك.
إِلَى إِشَعْيَاءَ بْنِ آمُوصَ النَّبِيِّ.
ليقدموا له تقريراً عن الوضع الراهن للأمور، وعن الضيق الذي يعيشه، وليطلبوا صلواته؛ وهو الشخص الأنسب للجوء إليه، كونه نبياً، وعزيزاً جداً عند الله ومكرماً منه، وله مدخل قريب إليه، ويعرف الكثير من فكره.
جيروم: لأجل العبادة الملكية (التذلل أمام الله)، ائتزر حزقيا بالمسح، وسار من قصره إلى الهيكل، وأرسل ألياقيم رئيس الكهنة، وشبنة الكاتب، وشيوخ الكهنة إلى إشعياء النبي بن آموص؛ وهو فعل يجب أن يُنسب إلى تواضع الملك وفطنته. لقد توجه إلى الهيكل وأرسل قادة الشعب وشيوخ الكهنة، لا متشحين بالحلل الكهنوتية بل مغطين بالمسوح، إلى إشعياء النبي بن آموص؛ وهو ما نقرأ عنه في سفر الملوك: "وهو (الملك) تغطى بمسح ودخل بيت الرب، وأرسل ألياقيم وكيل البيت وشبنة الكاتب وشيوخ الكهنة متغطين بمسوح إلى إشعياء النبي بن آموص". ولأن إشعياء كان يكتب تاريخاً عن نفسه هنا في سفره، فإنه لم يطلق على نفسه لقب "نبي" بل "ابن نبي" (أو اكتفى بذكر اسمه ونسبه)، بينما المقطع المقتبس للتو يستخدم لقب "نبي" لأنه صادر عن كاتب آخر للتاريخ (يقصد القديس جيروم أن هناك أحد الأشخاص وفي الأغلب هو عزرا الكاهن قام بإقفال السفر ووضع القليل من المعلومات بداخله بوحي الروح القدس، كما فعل يشوع في كتاب التثنية لموسى النبي). وبالمثل، نقرأ في إنجيل متى أن متى سمى نفسه "عشاراً"، بينما امتنع الإنجيليون الآخرون عن تسميته عشاراً، مانحين إياه تلك الكرامة الرسولية.
3فَقَالُوا لَهُ: «هكَذَا يَقُولُ حَزَقِيَّا: هذَا الْيَوْمُ يَوْمُ شِدَّةٍ وَتَأْدِيبٍ وَإِهَانَةٍ، لأَنَّ الأَجِنَّةَ دَنَتْ إِلَى الْمَوْلِدِ وَلاَ قُوَّةَ عَلَى الْوِلاَدَةِ. فَقَالُوا لَهُ:
أي الرسل للنبي.
«هكَذَا يَقُولُ حَزَقِيَّا:
هذه هي الرسالة التي أرسلنا بها؛ وهذا ما يود أن نبسطه أمامك، وقد كلفنا أن نقوله لك.
هذَا الْيَوْمُ يَوْمُ شِدَّةٍ وَتَأْدِيبٍ وَإِهَانَةٍ،
كان "يوم ضيق" لحزقيا وشعبه، لأنه كان "يوم توبيخ" وبخهم فيه الرب على خطاياهم؛ أو يوم "عار وشتم" كما في الترجوم والسبعينية، حيث شتم الآشوريون وعيروا الله وإياهم؛ ولا سيما لأنه كان "يوم تجديف" ضد الله.
لأَنَّ الأَجِنَّةَ دَنَتْ إِلَى الْمَوْلِدِ وَلاَ قُوَّةَ عَلَى الْوِلاَدَةِ.
وهو ما يجب فهمه ليس عن الإصلاح الداخلي بينهم (الذي بدأ بسعادة واستمر ولكن عاقه الآن اقتراب الجيش الآشوري منهم)، ولا عن محاولتهم خلع النير الآشوري (الذي ظنوا أنهم على وشك إتمامه ولكن يئسوا منه الآن ما لم تُمنح معونة إلهية)، ولا عن عجزهم عن معاقبة التجديف الذي آلمهم كثيراً؛ بل عن "الحالة المزرية" التي صاروا إليها الآن. يشبه حزقيا نفسه وشعبه بامرأة في المخاض، طال بها الوقت، وسقط الطفل إلى "موضع الانفجار" (كما تعني الكلمة المستخدمة)، لكنه عاجز عن شق طريقه، وهي لا تملك القوة لتحمله ولا لولادته، إذ استُنفدت الطبيعة وذهبت القوة من كثرة الأوجاع والآلام التي كابدتها. وهكذا كان الحال معه ومع شعبه، فقد كانوا في أقصى درجات الألم والضيق؛ لم يستطيعوا مساعدة أنفسهم، ولا هو استطاع مساعدتهم؛ وبالتالي فلا بد أن يهلكوا ما لم يحصلوا على معونة وإغاثة فورية. يفسر "راشي" الأجنة بأنهم "بنو إسرائيل"، أبناء الله.
4لَعَلَّ الرَّبَّ إِلهَكَ يَسْمَعُ كَلاَمَ رَبْشَاقَى الَّذِي أَرْسَلَهُ مَلِكُ أَشُّورَ سَيِّدُهُ لِيُعَيِّرَ الإِلهَ الْحَيَّ، فَيُوَبِّخَ عَلَى الْكَلاَمِ الَّذِي سَمِعَهُ الرَّبُّ إِلهُكَ. فَارْفَعْ صَلاَةً لأَجْلِ الْبَقِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ». لَعَلَّ الرَّبَّ إِلهَكَ يَسْمَعُ كَلاَمَ رَبْشَاقَى
لقد سمعه بالفعل؛ ولكن المعنى هو: لعله يلتفت إليه، ويغار لاسمه علانية، ويعاقب عليه؛ ولم يُقل هذا على سبيل الشك أو التساؤل عما إذا كان سيفعل أم لا، بل على سبيل الرجاء وتشجيع نفسه بأنه سيفعل. ويلاحظ أن حزقيا لم يقل "إلهي" أو "إلهنا"، لأن حزقيا وشعبه كانوا تحت يد الله التأديبية بسبب خطاياهم، ولم يستحقوا هذه النسبة؛ بل قال "إلهك" (أي إله إشعياء)، الذي أنت نبيه وتخدمه، وأنت عزيز عنده ولك دالة لديه؛ ولذلك يُرجى أن صلاتك إليه ستُسمع وتُقبل، وأنه من خلال شفاعتك سيُستمال الله للالتفات إلى خطاب ربشاقي المليء بالشتم.
الَّذِي أَرْسَلَهُ مَلِكُ أَشُّورَ سَيِّدُهُ لِيُعَيِّرَ الإِلهَ الْحَيَّ،
الذي له الحياة في ذاته ومن ذاته، وهو أصل ومؤلف ومعطي الحياة لكل الآخرين؛ وقد عيّره بوضعه في مصاف أصنام الأمم الهامدة.
فَيُوَبِّخَ عَلَى الْكَلاَمِ الَّذِي سَمِعَهُ الرَّبُّ إِلهُكَ.
أي يوبخه على كلماته، وينتقم منه أو يعاقبه لأجل الكلمات التجديفية التي نطق بها ضد الرب وفي مسامعه؛ وهذا هو معنى "الترجوم" والنسختين السريانية والعربية.
فَارْفَعْ صَلاَةً لأَجْلِ الْبَقِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ».
ارفع صوتك ويديك وقلبك في الصلاة إلى الله في السماء؛ صلِّ بجد وحرارة لأجل الذين بقوا؛ أي لسبطي يهوذا وبنيامين، بعد أن سُبي العشرة أسباط الآخرون منذ زمن؛ أو لسكان أورشليم خصوصاً، إذ كانت مدن يهوذا الحصينة قد سقطت بالفعل بيد ملك آشور. ويبدو أن قلة العدد المتبقي قد استُخدمت كحجة للصلاة لصالحهم. في أوقات الشدة، لا ينبغي للناس الصلاة لأنفسهم فحسب، بل عليهم طلب صلاة الآخرين لهم، لا سيما الرجال المشهود لهم بالتقوى والذين لهم قرب من الله.
جيروم: "وقالوا له: هكذا يقول حزقيا"، ولم يقولوا "هكذا يقول الملك"، فلم ينتفخ كبرياءً بسلطته السياسية. "هذا اليوم يوم شدة وتأديب ويوم تجديف"؛ يوم شدتنا نحن، وتأديب الله لنا، وتجديف الأعداء. وقد ساق تشبيهاً بامرأة تعاني آلام المخاض —التي وصلت إلى نقطة الولادة لكنها عاجزة عن وضع مولودها— ليقول: "لقد حبلنا من خوفك يا رب، وتألمنا، وولدنا روح الخلاص". ويتابع حزقيا: "لعل الرب إلهك يسمع كلام ربشاقى". نحن لا نجرؤ على تسمية رب الكل "إلهنا"، لئلا نعاني من مثل هذا الغضب (بسبب خطايانا)، بل نقول "إلهك". ولدينا ثقة في تأديب [الله] لأن الإله الحي يُجدَّف عليه بعبادة أوثان الأموات. "وسوف يعاقب على الكلام الذي سمعه الرب إلهك. فارفع صلاة، ليس لأجل كل الشعب الذين هلكوا بالفعل، بل لأجل البقية الباقية المحاصرة".
5فَجَاءَ عَبِيدُ الْمَلِكِ حَزَقِيَّا إِلَى إِشَعْيَاءَ. وأبلغوه الرسالة المذكورة أعلاه من الملك؛ وهؤلاء العبيد (الوزراء) ذُكروا في (العدد 2). ويرى البعض أن العددين الثالث والرابع هما كلام الملك للمرسلين، وليس كلام المرسلين للنبي؛ وأن الجزء الأول من العدد الثالث يجب أن يُترجم: "لكي يقولوا له"، إلخ؛ وبعد تلقي تعليماتهم، نجد هنا رواية ذهابهم للنبي بها، والتي أبلغوه إياها ولم يكن هناك داعٍ لتكرارها. أما النسخة العربية فتربط هذا العدد بما يليه، هكذا: "فلما جاء عبيد الملك حزقيا إلى إشعياء، قال لهم إشعياء..." إلخ.6فَقَالَ لَهُمْ إِشَعْيَاءُ: « هكَذَا تَقُولُونَ لِسَيِّدِكُمْ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: لاَ تَخَفْ بِسَبَبِ الْكَلاَمِ الَّذِي سَمِعْتَهُ، الَّذِي جَدَّفَ عَلَيَّ بِهِ غِلْمَانُ مَلِكِ أَشُّورَ. فَقَالَ لَهُمْ إِشَعْيَاءُ: «هكَذَا تَقُولُونَ لِسَيِّدِكُمْ:
أو "لمولاكم"؛ الملك حزقيا، الذين هم وزراؤه ورسله.
هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: لاَ تَخَفْ بِسَبَبِ الْكَلاَمِ الَّذِي سَمِعْتَهُ،
لا ترتعب منه، فهي مجرد كلمات لا أكثر، ولن تصبح حقائق أبداً.
الَّذِي جَدَّفَ عَلَيَّ بِهِ غِلْمَانُ مَلِكِ أَشُّورَ.
بتصويره بكونه ليس أفضل من آلهة الأمم، وبأنه عاجز عن إنقاذ مدينة أورشليم من يد ملك آشور، بينما قال هو إنه سيفعل. الكلمة المستخدمة لـ "غلمان" تعني صبية، أو فتيان، أو شباباً؛ وهكذا وُصف ربشاقي ورفيقاه "ربساريس" و"تارتان" على سبيل الاحتقار، لكونهم تصرفوا بضعف وطفولية، فضلاً عن شرهم.
7هأَنَذَا أَجْعَلُ فِيهِ رُوحًا فَيَسْمَعُ خَبَرًا وَيَرْجعُ إِلَى أَرْضِهِ، وَأُسْقِطُهُ بِالسَّيْفِ فِي أَرْضِهِ». هأَنَذَا أَجْعَلُ فِيهِ رُوحًا
أي ملك آشور؛ روحاً وبائية (ريحاً سموماً) كما فعل لاحقاً فأهلك جيشه؛ أو:
أجعل فيه روح [خوف]؛ روح رعب تضطره للكف عن مقاصده والهرب؛ برغم أن البعض يفسرها فقط كـ "ميل" أو "إرادة" لديه للرجوع. ويمكن فهمها عن "ملاك" (روح خادم)، وتُترجم "أرسل روحاً ضده"؛ أي روحاً ملائكياً، كما فعل بالفعل، فأباد جيشه في ليلة واحدة.
فَيَسْمَعُ خَبَرًا
عن الدمار المفاجئ والشامل لجيشه؛ برغم أن البعض يربط هذا بخبر خروج ملك كوش لمحاربته (العدد 9)، ولكن بناءً على هذا الأخير لم يرجع إلى أرضه ولم يُقتل بالسيف، كما يتبع:
وَيَرْجعُ إِلَى أَرْضِهِ،
وهو ما فعله فور ذبح جيشه على يد الملاك.
وَأُسْقِطُهُ بِالسَّيْفِ فِي أَرْضِهِ».
وهذا ما حدث، إذ قتله ابناه (العدد 37).
8فَرَجَعَ رَبْشَاقَى وَوَجَدَ مَلِكَ أَشُّورَ يُحَارِبُ لِبْنَةَ، لأَنَّهُ سَمِعَ أَنَّهُ ارْتَحَلَ عَنْ لَخِيشَ. فَرَجَعَ رَبْشَاقَى
أي عاد إلى ملك آشور سيده، ليقدم له تقريراً عن سير الأمور في أورشليم، وأنه لم يحصل على جواب مباشر من ملك يهوذا، وليتشاور معه فيما ينبغي فعله في الوضع الراهن؛ تاركاً الجيش أمام أورشليم تحت قيادة القائدين الآخرين. إذ لا يبدو من المنطقي أن يأخذ الجيش معه بينما كان حزقيا وشعبه في حالة من الذعر بسببه؛ فضلاً عن أن رسائل ملك آشور اللاحقة إلى حزقيا تفترض بوضوح أن الجيش لا يزال عند أورشليم، وإلا لما كان لرسائل التهديد أي معنى؛ وبعد ذلك تُروى قصة هلاك الجيش الآشوري أمام أورشليم.
وَوَجَدَ مَلِكَ أَشُّورَ يُحَارِبُ لِبْنَةَ،
وهي مدينة في سبط يهوذا (يشوع 10: 29)، وكانت تقع أقرب إلى أورشليم من "لخيش" التي تركه ربشاقي فيها؛ فبذلك يبدو أنه كان يسحب جيشه نحو تلك المدينة التي وضع قلبه عليها. أما يوسيفوس فيذكر أنه كان في ذلك الوقت يحاصر "بيلوسيوم" (الفرما) وهي مدينة في مصر، ولكن هذا خطأ؛ مما أدى بالبعض إلى الاعتقاد الخاطئ بأن لبنة وبيلوسيوم هما مدينة واحدة.
لأَنَّهُ سَمِعَ أَنَّهُ ارْتَحَلَ عَنْ لَخِيشَ.
حيث كان حين أرسله إلى أورشليم (إشعياء 36: 2)، ومن المرجح جداً أنه كان قد استولى عليها.
9وَسَمِعَ عَنْ تِرْهَاقَةَ مَلِكِ كُوشَ قَوْلاً: «قَدْ خَرَجَ لِيُحَارِبَكَ». فَلَمَّا سَمِعَ أَرْسَلَ رُسُلاً إِلَى حَزَقِيَّا قَائِلاً: وَسَمِعَ عَنْ تِرْهَاقَةَ مَلِكِ كُوشَ قَوْلاً:
ليس ربشاقي، بل ملك آشور هو من سمع شائعة عن خروج هذا الملك الكوشي (الإثيوبي) لمحاربته: واسمه عند يوسيفوس "ثارسيكس"، وفي نسخة السبعينية "ثاراكا"، ويسميه أفريكانوس "تاراكوس"؛ وهو ذاته الذي أسماه سترابو (نقلاً عن ميغاستينس) "تيركون الكوشي". و"كوش" التي كان ملكاً عليها هي إما كوش العليا (أعالي النيل) أو تلك التي وراء مصر؛ وهو ما تتفق معه النسخة العربية التي تسميه "ثاراثا ملك الأحباش"؛ لكن آخرين يرونها "كوش" التي في أرض مديان أو بلاد العرب، كما يرى البعض؛ والتي كانت تقع أقرب إلى يهوذا من كوش الأخرى. والآن، التقرير الذي نُقل إلى ملك آشور عنه كان:
«قَدْ خَرَجَ لِيُحَارِبَكَ».
ليس بمساعدة المصريين كما قال يوسيفوس، بل بالأحرى لمساعدة اليهود؛ أو بشن هجوم على بلاد ملك آشور في غيابه: ويظن البعض أن هذا هو "الخبر" (الإشاعة) المتنبأ به في (إشعياء 37: 7).
فَلَمَّا سَمِعَ أَرْسَلَ رُسُلاً إِلَى حَزَقِيَّا قَائِلاً:
برسائل ترهيبية، ليخيفه ويجبره على تسليم المدينة فوراً، حتى يتمكن من سحب جيشه وملاقاة ملك كوش بقوة أكبر؛ ولعله أوفد هؤلاء الرسل بكل سرعة إلى حزقيا لتصل رسائله إليه قبل أن يعلم بأمر ملك كوش الذي كان يمثل تحركاً لصالحه، مما قد يشجعه على الصمود في الحصار لفترة أطول.
10«هكَذَا تُكَلِّمُونَ حَزَقِيَّا مَلِكَ يَهُوذَا قَائِلِينَ: لاَ يَخْدَعْكَ إِلهُكَ الَّذِي أَنْتَ مُتَوَكِّلٌ عَلَيْهِ، قَائِلاً: لاَ تُدْفَعُ أُورُشَلِيمُ إِلَى يَدِ مَلِكِ أَشُّورَ. «هكَذَا تُكَلِّمُونَ حَزَقِيَّا مَلِكَ يَهُوذَا قَائِلِينَ:
كان هذا هو التوجيه وتلك هي التعليمات التي أعطاها لرسله، والتي منح فيها حزقيا لقب "الملك" واعترف به ملكاً ليهوذا؛ وهو ما لم يفعله ربشاقي عبده.
لاَ يَخْدَعْكَ إِلهُكَ الَّذِي أَنْتَ مُتَوَكِّلٌ عَلَيْهِ،
وليس هناك ما هو أكثر شقاوة وشيطانية من تصوير إله الحق، الذي لا يمكن أن يكذب، ككاذب ومخادع: في هذا تفوق ملك آشور على ربشاقي نفسه؛ فقد صور ربشاقي حزقيا كدجال ومخادع للشعب وحذرهم منه؛ أما سنحاريب هنا فيصور الله نفسه كمخادع، ويحذر حزقيا من الاتكال عليه. لا شيء أشد عداءً للشيطان وأدواته من "الإيمان بالله"، ولذلك يعملون بكل قوتهم لإضعافه؛ ومع ذلك، نال حزقيا هذه الشهادة من عدوه بأنه "متوكل على الرب"، وليس هناك صفة أعظم يمكن أن يحملها إنسان.
قَائِلاً: لاَ تُدْفَعُ أُورُشَلِيمُ إِلَى يَدِ مَلِكِ أَشُّورَ.
وهكذا كان الرب قد قال فعلاً؛ انظر (إشعياء 38: 6)؛ وبطريقة أو بأخرى سمع سنحاريب بذلك؛ ولم يكن يخشى شيئاً أكثر من أن يصدق حزقيا ذلك، فخشي أن يشجعه الإيمان على الصمود في الحصار.
11إِنَّكَ قَدْ سَمِعْتَ مَا فَعَلَ مُلُوكُ أَشُّورَ بِجَمِيعِ الأَرَاضِي لِتَحْرِيمِهَا. وَهَلْ تَنْجُو أَنْتَ؟ إِنَّكَ قَدْ سَمِعْتَ مَا فَعَلَ مُلُوكُ أَشُّورَ بِجَمِيعِ الأَرَاضِي لِتَحْرِيمِهَا.
إنه يتباهى بإنجازاته وإنجازات أسلافه، وبأكثر مما هو حقيقي؛ ولو كان ذلك حقيقياً، لكان وصمة عار لهم لا شرفاً، أي الإهلاك التام للممالك وسكانها لإرضاء شهواتهم؛ ولكن بالرغم من أن الكثيرين هلكوا على أيديهم، إلا أنهم لم يهلكوا الجميع؛ فليس كوش التي خرج ملكها لمحاربته ويبدو أنه خائف منه، ولا مصر التي كانت في حلف مع كوش، ولا يهوذا التي كان يغزوها الآن؛ لكنه قال هذا بأسلوب تهكمي لترهيب حزقيا.
وَهَلْ تَنْجُو أَنْتَ؟
هل تتوقع ذلك؟ بالتأكيد لا يمكنك. هل هو مرجح؟ بل هل من الممكن أن تنجو؟ ليس ممكناً؛ فبذات القدر من التأكيد الذي هلكت به الأراضي الأخرى، ستُهلك أرضك.
12هَلْ أَنْقَذَ آلِهَةُ الأُمَمِ هؤُلاَءِ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمْ آبَائِي، جُوزَانَ وَحَارَانَ وَرَصَفَ وَبَنِي عَدَنَ، الَّذِينَ فِي تَلَسَّارَ؟ هَلْ أَنْقَذَ آلِهَةُ الأُمَمِ هؤُلاَءِ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمْ آبَائِي،
لم ينقذوهم. ولكن ماذا بعد؟ هل يُوضع إله إسرائيل في مرتبة واحدة مع آلهة "المزبلة" تلك؟ هكذا صنفه سنحاريب، كما فعل ربشاقي من قبل باسمه (إشعياء 36: 18).
جُوزَانَ وَحَارَانَ وَرَصَفَ وَبَنِي عَدَنَ، الَّذِينَ فِي تَلَسَّارَ؟
"جوزان" هي ذاتها -ربما- "جوسانيتيس" التي ذكرها بطليموس في وصفه لبلاد الرافدين؛ وهذا مرجح لأن "حاران" كانت مدينة في بلاد الرافدين (تكوين 11: 31)، وسماها بطليموس "كاراي" ؛ وهو أيضاً ذكر في ذات المكان مدينة "رصف" تحت اسم "ريسيفا"؛ وإن كان قد تحدث كذلك عن مكان آخر في تدمر بسوريا يُدعى "رصافة" ، ويرى البعض أنه المكان المقصود هنا. و"عدن" كانت أيضاً في بلاد الرافدين، وفي جزئها الشرقي كانت "جنة عدن"؛ و"تلاسار" هذه، التي سكنها بنو عدن، كانت مدينة في تلك البلاد، ويسميها بطليموس "ثيلدا"؛ بينما يرى البعض أن المقصود مدينة "ثلاثة" الواقعة قرب نهر دجلة، وهو أحد أنهار الجنة. ويرى أحد العلماء الأجلاء أن "عدن" التي يتحدث عنها إشعياء هنا تنتمي إما إلى سوريا (دمشق) وإلى لبنان وبانياس حيث ينبع الأردن؛ أو إلى فينيقية السورية والبحر المتوسط، وهو ما يظهره اسم "تلاسار" (Thalassar) كأنه مأخوذ من كلمة "ثالاسا" (البحر باليونانية)، إذ اعتاد السوريون اشتقاق ليس القليل من كلماتهم من اليونانية؛ ومن المؤكد وجود قرية تُدعى "عدن" الآن على جبل لبنان ذكرها البعض ، وأخرى قرب دمشق ذكرها آخرون ؛ انظر (عاموس 1: 5)، كما أن صور في فينيقية تُدعى "عدن" في (حزقيال 28: 13).
13أَيْنَ مَلِكُ حَمَاةَ وَمَلِكُ أَرْفَادَ وَمَلِكُ مَدِينَةِ سَفَرْوَايِمَ وَهَيْنَعَ وَعِوَّا؟». أَيْنَ مَلِكُ حَمَاةَ وَمَلِكُ أَرْفَادَ وَمَلِكُ مَدِينَةِ سَفَرْوَايِمَ
يرى البعض أنهم ذاتهم آلهة أو أصنام تلك الأماكن؛ انظر شرح (إشعياء 36: 19)؛ وإن كان المرجح أن المقصود هم الأمراء الذين حكموا تلك المدن، والذين إما قُتلوا أو صاروا دافعي جزية لملك آشور. وأضيف إليها:
وَهَيْنَعَ وَعِوَّا؟».
يرى البعض أنهما اسمان لآلهة أو ملوك "سفروايم"؛ ولكن الأرجح -بما أن اسم سفروايم بصيغة المثنى- أنها كانت مدينة مزدوجة يمر بين شطريها نهر الفرات؛ وهذان الاسمان، كما يرجح البعض، كانا اسمي الشطرين؛ أو ربما كانتا مدينتين مستقلتين عنها، ولكن هويتهما أو موقعهما غير مؤكد. ذكر بطليموس مكاناً يُدعى "إنجيني" قرب "جوزان" ويُفترض أنه "هينع"؛ بينما يرى آخرون أنها "أنجي" التي وضعها في بلاد العرب، وهو ما لا نراه مرجحاً. أما "عوّا" فلعلها هي ذاتها "عوا" المذكورة في (2 ملوك 17: 24). ولا يعتبرها الترجوم أسماء لأماكن، بل يترجمها: "ألم يزحزحهم ويسبهم؟"؛ وهكذا هي ملاحظة "راشي": "لقد زحزحهم ملك آشور وقلبهم وأهلكهم وأزالهم من مكانهم"؛ إشارة إلى المدن الأخرى.
14فَأَخَذَ حَزَقِيَّا الرَّسَائِلَ مِنْ يَدِ الرُّسُلِ وَقَرَأَهَا، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ، وَنَشَرَهَا حَزَقِيَّا أَمَامَ الرَّبِّ، فَأَخَذَ حَزَقِيَّا الرَّسَائِلَ مِنْ يَدِ الرُّسُلِ وَقَرَأَهَا،
أو "الكتب" التي كُتبت فيها الأمور المذكورة أعلاه؛ وقد قرأ كل واحد منها كما يفسر "كيمحي"؛ وإن كان الترجوم يقول: "أخذ الرسائل من أيدي الرسل وقرأ واحدة منها"؛ أي كما يوضح كيمحي، تلك التي احتوت على التجديف ضد الله؛ قرأها بعناية لنفسه، ولاحظ محتواها، ثم فعل بها ما يلي:
ثُمَّ صَعِدَ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ،
أي الهيكل، إلى الدار الخارجية منه، إذ لم يكن بمقدوره الدخول إلى أبعد من ذلك.
وَنَشَرَهَا حَزَقِيَّا أَمَامَ الرَّبِّ،
ليس ليقرأها الرب (إذ كان قد قرأها حزقيا)، ولا ليطلعه على محتواها الذي يعلمه الله تماماً؛ بل لأنها كانت تمس الله في المقام الأول وتمس كرامته ومجده، فوضعها أمامه ليلتفت إليها وينتصف لنفسه وينتقم لقضيته؛ أحضرها كدليل على ما سيقوله لله في الصلاة، ولدعم ادعاءاته، وكوسيلة لاستنهاض نفسه في أداء هذا الواجب.
15وَصَلَّى حَزَقِيَّا إِلَى الرَّبِّ قَائِلاً: لم يردَّ السباب بالسباب، بل سلم نفسه وقضيته لمن يقضي بعدل؛ لم يكتب رداً على الرسالة بنفسه، بل بسطها أمام الرب، وسأله أن يرد هو عليها، بكونه هو المستهدف الرئيسي والمقصود بالتعريض في تلك الرسالة.16«يَا رَبَّ الْجُنُودِ، إِلهَ إِسْرَائِيلَ الْجَالِسَ فَوْقَ الْكَرُوبِيمِ، أَنْتَ هُوَ الإِلهُ وَحْدَكَ لِكُلِّ مَمَالِكِ الأَرْضِ. أَنْتَ صَنَعْتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. «يَا رَبَّ الْجُنُودِ، إِلهَ إِسْرَائِيلَ الْجَالِسَ فَوْقَ الْكَرُوبِيمِ، أَنْتَ هُوَ الإِلهُ وَحْدَكَ لِكُلِّ مَمَالِكِ الأَرْضِ. أَنْتَ صَنَعْتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.
«يَا رَبَّ الْجُنُودِ، إِلهَ إِسْرَائِيلَ الْجَالِسَ فَوْقَ الْكَرُوبِيمِ،
أو "ساكن الكروبيم"؛ التي كانت فوق كرسي الرحمة، حيث استقر "الشكيناه" أو العظمة الإلهية، رمز الحضرة الإلهية في قدس الأقداس؛ وهو اللقب الذي يحمله إله إسرائيل، رب أجناد السماء والأرض، ويميزه عن سائر الآلهة الأخرى. وتتضمن هذه الألقاب المتعددة في طياتها حججاً لتقوية الإيمان في الصلاة؛ فبكونه "رب الجنود" فهو قادر على فعل كل ما يُطلب منه وبفيض أكثر؛ وبكونه "إله إسرائيل"، إله العهد معهم، فإنه يُرجى ويُتوقع منه أن يحميهم ويدافع عنهم؛ وبجلوسه "بين الكروبيم" على كرسي الرحمة، يُستمد تشجيع كبير بأنه سيكون حناناً ورحيماً، ويسمع ويغيث.
أَنْتَ هُوَ الإِلهُ وَحْدَكَ لِكُلِّ مَمَالِكِ الأَرْضِ.
وهذا اللفظ مضاد لتوهم سنحاريب بأن الرب هو إله اليهود فقط وليس له شأن بالممالك والأمم الأخرى؛ بينما الجميع ينتمون إليه هو وحده؛ وهم جميعاً تحت سلطانه وسيادته، ورهن مشيئته وضبطه.
أَنْتَ صَنَعْتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.
وبالتالي لك الحق الذي لا يُنازع في حكم العالم كله، وفي التصرف في كل ما فيه.
17أَمِلْ يَا رَبُّ أُذُنَكَ وَاسْمَعِ. افْتَحْ يَا رَبُّ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ، وَاسْمَعْ كُلَّ كَلاَمِ سَنْحَارِيبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ لِيُعَيِّرَ اللهَ الْحَيَّ. أَمِلْ يَا رَبُّ أُذُنَكَ وَاسْمَعِ.
أي الصلاة التي يقدمها حزقيا الآن، وكذلك تعيير العدو.
افْتَحْ يَا رَبُّ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ،
أي الرسالة التي بسطها أمامه، والتفت إلى التجديفات التي فيها، وعاقب عليها. ويجب فهم هذين التعبيرين ("أمل أذنك" و"افتح عينيك") على مقتضى لغة البشر، وبما يليق بذات الله وكماله؛ إذ لا تُنسب الأذنان والعيون لله حرفياً، وكذلك حني الواحدة وفتح الأخرى؛ بل كلاهما يشير إلى تنازل الله للالتفات إلى ما يدور على الأرض والانتصار لقضية شعبه التي هي قضيته.
وَاسْمَعْ كُلَّ كَلاَمِ سَنْحَارِيبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ لِيُعَيِّرَ اللهَ الْحَيَّ.
فهمت النسخ (السبعينية، والفولجاتا اللاتينية، والعربية) هذا عن الكلمات التي أرسلها سنحاريب في الرسالة ليعير الرب؛ ولكن في (2 ملوك 19: 16) النص هو: "الذي أرسله"؛ أي الرسول (ربشاقي)، أو من كان هو الشخص الذي أحضر الرسالة إلى حزقيا. ويفسر الترجوم الجزء الأخير كالتالي: "ليعير شعب الإله الحي"؛ فالله وشعبه كلاهما عُيّرا، وكلاهما يحملان حججاً أمام الرب ليسمع وينتقم لنفسه ولهم؛ ويصلي الملك أن "يسمع" الرب، أي يلاحظ ويراقب كل الكلمات ويرد الرد المناسب بإنزال العقوبة العادلة.
18حَقًّا يَا رَبُّ إِنَّ مُلُوكَ أَشُّورَ قَدْ خَرَّبُوا كُلَّ الأُمَمِ وَأَرْضَهُمْ، حَقًّا يَا رَبُّ
هذه حقيقة وسيُعترف بسهولة بما قاله ملك آشور من أن أسلافه قد أهلكوا كل الأراضي، أو على الأقل سعوا لذلك وكان في قلوبهم فعل ذلك.
إِنَّ مُلُوكَ أَشُّورَ قَدْ خَرَّبُوا كُلَّ الأُمَمِ وَأَرْضَهُمْ،
أو "كل الأراضي وأرضهم"؛ وفي الترجوم: "كل الأقاليم وأراضيهم"؛ أي البلدان والمدن والقرى التي فيها، أو المدن الكبرى والقرى المحيطة بها.
19وَدَفَعُوا آلِهَتَهُمْ إِلَى النَّارِ، لأَنَّهُمْ لَيْسُوا آلِهَةً بَلْ صَنْعَةُ أَيْدِي النَّاسِ، خَشَبٌ وَحَجَرٌ، فَأَبَادُوهُمْ. وَدَفَعُوا آلِهَتَهُمْ إِلَى النَّارِ،
وأحرقوها؛ ويحق لنا التساؤل: أين هي الآن؟ (إشعياء 36: 19).
لأَنَّهُمْ لَيْسُوا آلِهَةً بَلْ صَنْعَةُ أَيْدِي النَّاسِ، خَشَبٌ وَحَجَرٌ،
لقد صُنعت من خشب أو حجر، ولذلك لا يمكن تسميتها آلهة؛ كما لم تستطع إنقاذ الأمم التي عبدتها، ولا إنقاذ نفسها من النار.
فَأَبَادُوهُمْ.
لقد كان ملوك آشور قادرين على فعل ذلك، وفعلوه بالفعل، لأنها كانت أصناماً من خشب أو حجر؛ ولكن لم يتبع ذلك بالضرورة أنهم كانوا نداً لإله إسرائيل، الإله الحق والحي.
20وَالآنَ أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُنَا خَلِّصْنَا مِنْ يَدِهِ، فَتَعْلَمَ مَمَالِكُ الأَرْضِ كُلِّهَا أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ وَحْدَكَ». وَالآنَ أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُنَا خَلِّصْنَا مِنْ يَدِهِ،
أي من يد ملك آشور. كان الرب قد وعد بأنه سيفعل، وحزقيا آمن بأنه سيفعل؛ ولكنه علم أن الرب يُسأل لأجل هذا الأمر، وهو يتوسل بموجب مصلحة العهد معه، ويستعطف لأجل الخلاص بناءً على ذلك، وكذلك للسبب التالي:
فَتَعْلَمَ مَمَالِكُ الأَرْضِ كُلِّهَا أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ وَحْدَكَ».
بفعل ما لا تستطيع الآلهة الأخرى فعله؛ فهي لم تستطع إنقاذ الأمم التي عبدتها من يد الآشوريين؛ فإذا أنقذ إله إسرائيل شعبه منهم، فسيكون ذلك برهاناً للعالم أجمع أنه هو الله وليس غيره.
21فَأَرْسَلَ إِشَعْيَاءُ بْنُ آمُوصَ إِلَى حَزَقِيَّا قَائِلاً: «هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي صَلَّيْتَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ سَنْحَارِيبَ مَلِكِ أَشُّورَ: فَأَرْسَلَ إِشَعْيَاءُ بْنُ آمُوصَ إِلَى حَزَقِيَّا قَائِلاً:
أُطلع إشعياء، بروح النبوة، من قِبل الرب على صلاة حزقيا وجواب الرب عليها؛ ولذلك أرسل في الحال إلى الملك، الذي كان إما في الهيكل يصلي أو عاد إلى قصره، ليعلمه بفكر الرب في هذا الشأن. تترجم النسختان السريانية والسبعينية هذا النص: "وأُرسل إشعياء بن آموص إلى حزقيا"؛ لكن هذا لا يتفق مع النص العبري؛ فقد أرسل إشعياء رسلاً إلى الملك وأبلغهم بما قاله الرب استجابة لصلاته. ولا يمكن الجزم بالسبب الذي منعه من الذهاب بنفسه.
«هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ
وهو اللقب والصفة التي كان حزقيا يصلي بها إليه (إشعياء 37: 16).
الَّذِي صَلَّيْتَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ سَنْحَارِيبَ مَلِكِ أَشُّورَ:
أو "ما صليت به"؛ وتضيف النسخ السريانية والسبعينية والعربية: "قد سمعت". إنه لأمر سيئ لأي شخص أن تكون صلوات الصالحين ضده.
22هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ عَلَيْهِ: اِحْتَقَرَتْكَ. اسْتَهْزَأَتْ بِكَ الْعَذْرَاءُ ابْنَةُ صِهْيَوْنَ. نَحْوَكَ أَنْغَضَتِ ابْنَةُ أُورُشَلِيمَ رَأْسَهَا. هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ عَلَيْهِ:
أي الحكم الذي أصدره عليه، والعقاب الذي قرر إنزاله به، رداً على صلاة حزقيا ضده.
اِحْتَقَرَتْكَ. اسْتَهْزَأَتْ بِكَ الْعَذْرَاءُ ابْنَةُ صِهْيَوْنَ.
والمقصود سكان صهيون، ولا سيما حصن صهيون، الذي دعي "عذراء" لأنه لم يُقتحم أو يُؤخذ أبداً؛ ولإظهار أن محاولة سنحاريب لذلك هي أمر باطل بقدر ما كانت ستكون جارحة لو تمت؛ فالله، والد هذه العذراء، سيحميها بعناية من هذا الاغتصاب؛ وهو الذي كان زوجها الذي خُطبت له كعذراء عفيفة سيعولها ويحميها. والمقصود من هذا كله إظهار عجز ملك آشور وخبثه؛ ففي الوقت الذي قيلت فيه هذه الكلمات، كانت ابنة صهيون في حالة من الخوف والارتعاد، لا في حالة ضحك واستهزاء؛ لكن هذا النص يعلن ما يمكنها فعله الآن، وما ستفعله مستقبلاً، أمام أي شيء قد يفعله ضدها. يفسر الترجوم ذلك بـ: "مملكة جماعة صهيون"؛ أي الأمة بأكملها. ويقصر البعض هذا على سكان الجزء العلوي من مدينة أورشليم، وما يتبع ذلك على سكان الجزء السفلي:
نَحْوَكَ أَنْغَضَتِ ابْنَةُ أُورُشَلِيمَ رَأْسَهَا.
أو "خلفك"؛ على سبيل السخرية والازدراء؛ وذلك عندما يهرب؛ مما يظهر أنه بالرغم من أن هذه الأمور ذُكرت بصيغة الماضي (على طريقة الأنبياء)، إلا أنها كانت مستقبلية، وستحدث عند هروب سنحاريب إثر دمار جيشه. وعن هذه العبارة بوصفها تعبيراً عن الازدراء، انظر (مزمور 22: 7). ويقول الترجوم: "الشعب الساكن في أورشليم"، إلخ.
23مَنْ عَيَّرْتَ وَجَدَّفْتَ، وَعَلَى مَنْ عَلَّيْتَ صَوْتًا، وَقَدْ رَفَعْتَ إِلَى الْعَلاَءِ عَيْنَيْكَ؟ عَلَى قُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ! مَنْ عَيَّرْتَ وَجَدَّفْتَ،
أمخلوقاً مثلك؟ كلا، بل إلهاً، وليس إلهاً كآلهة الأمم، أصنام الخشب والحجر، بل الإله الحي.
وَعَلَى مَنْ عَلَّيْتَ صَوْتًا،
إشارة إلى نداء ربشاقي بصوت عالٍ (إشعياء 36: 13).
وَقَدْ رَفَعْتَ إِلَى الْعَلاَءِ عَيْنَيْكَ؟
كما يفعل المتكبرون والمتغطرسون، مترفعين عن النظر إلى من يعاملونهم باحتقار.
عَلَى قُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ!
أي إله إسرائيل وحاميه؛ "القدوس" الذي عيناه أطهر من أن تنظر إلى مثل هذا المخلوق المجدف المتكبر؛ لأنه ضد هؤلاء يضع نفسه، وإياهم يقاوم، ويذل، ويبيد.
24عَنْ يَدِ عَبِيدِكَ عَيَّرْتَ السَّيِّدَ، وَقُلْتَ: بِكَثْرَةِ مَرْكَبَاتِي قَدْ صَعِدْتُ إِلَى عُلُوِّ الْجِبَالِ، عِقَابِ لُبْنَانَ، فَأَقْطَعُ أَرْزَهُ الطَّوِيلَ وَأَفْضَلَ سَرْوِهِ، وَأَدْخُلُ أَقْصَى عُلُوِّهِ، وَعْرَ كَرْمَلِهِ. عَنْ يَدِ عَبِيدِكَ عَيَّرْتَ السَّيِّدَ،
وبوجه خاص عن يد ربشاقي ورفيقيه الآخرين، الذين لا شك أنهم أيدوا كل ما قاله؛ فسنحاريب لم يكتفِ بتعيير الرب بنفسه، بل سخر عبيده ليفعلوا ذلك أيضاً؛ لقد استخدمهم كأدوات، بل ورفعهم -كما رفع نفسه- فوق الرب.
وَقُلْتَ: بِكَثْرَةِ مَرْكَبَاتِي قَدْ صَعِدْتُ إِلَى عُلُوِّ الْجِبَالِ،
ليس فقط بجنوده المشاة، بل بمركباته وبعدد كبير منها، ارتحل فوق التلال والجبال (كما فعل حنبعل فوق جبال الألب)، وكان الآن فوق الجبال العالية المحيطة بأورشليم، وبالقرب جداً من جبل بيت الرب؛ وهو ما يفسره "راشي" بهذا المعنى.
عِقَابِ لُبْنَانَ،
ويقصد بها إما جبل لبنان الذي كان على حدود أرض إسرائيل والمشهور بأرزه وسروه المذكورين لاحقاً؛ أو الهيكل المبني من خشب لبنان الذي كان جيشه يربض الآن بالقرب منه؛ وهذا ما ذهب إليه "الترجوم" و"راشي".
فَأَقْطَعُ أَرْزَهُ الطَّوِيلَ وَأَفْضَلَ سَرْوِهِ،
ليمهد طريقاً لجيشه، وليوفر لنفسه المواد اللازمة للحصار؛ لصناعة الخيام لجنوده، أو القلاع الخشبية التي يهاجم منها المدينة. لقد كان أرز لبنان ضخماً وطويلاً جداً؛ ويقول السيد "ماندريل" إنه قاس واحدة من أكبرها و:
"وجد سمكها ستة وثلاثين قدماً وست بوصات؛ وأغصانها تمتد لمائة وأحد عشر قدماً؛ وجذعها من الأرض يرتفع نحو خمسة عشر أو ستة عشر قدماً ثم ينقسم إلى خمسة أغصان، كل غصن منها يصلح ليكون شجرة كبيرة".
ويقول "تيفينو" إنه لا يوجد الآن على جبل لبنان أكثر ولا أقل من ثلاثة وعشرين أرزة، كبيرة وصغيرة. أو ربما يقصد بهذه الأوصاف استعارةً عن "الأمراء والنبلاء وعظماء الأمة اليهودية" الذين يهدد بإهلاكهم؛ وهكذا يقول الترجوم: "وسأقتل أجمل أقويائهم ونخبة أمرائهم".
وَأَدْخُلُ أَقْصَى عُلُوِّهِ،
يظن البعض أن المقصود برج لبنان الذي كان في جهته الشرقية نحو سوريا؛ لكن يبدو بالأحرى أنه يقصد أورشليم، عاصمة الأمة، التي كان واثقاً من دخولها والاستيلاء عليها، وهذا ما كان قلبه متعلقاً به؛ وهكذا يفسر الترجوم: "وسأخضع مدينة قوتهم"؛ أي مدينة أورشليم القوية التي جعلوا فيها قوتهم.
وَعْرَ كَرْمَلِهِ.
أو "غابته وحقله المثمر"؛ وهي المدينة ذاتها التي كانت -بسبب كثرة بيوتها وسكانها- تشبه الغابة، وكانت حقل حزقيا المثمر حيث توجد كل ثرواته وكنوزه. ويفسرها الترجوم عن جيشه: "وسأبيد كثرة جيشهم".
25أَنَا قَدْ حَفَرْتُ وَشَرِبْتُ مِيَاهًا، وَأُنَشِّفُ بِبَطْنِ قَدَمِي جَمِيعَ خُلْجَانِ مِصْرَ. أَنَا قَدْ حَفَرْتُ وَشَرِبْتُ مِيَاهًا،
في الأماكن التي مر بها ولم يجد مياهًا لجيشه، سخر جنوده للعمل في حفر صهاريج (كما يقول الترجوم) أو آبار، حتى صار لديهم ما يكفي من الماء للشرب؛ وفي (2 ملوك 19: 24) وُصفت بأنها "مياه غريبة" لم تكن تُعرف من قبل.
وَأُنَشِّفُ بِبَطْنِ قَدَمِي جَمِيعَ خُلْجَانِ مِصْرَ.
(مصر)؛ أو كما في الترجوم: "بباطن أقدام الشعب الذين معي"؛ والنسخة السريانية تقول: "بحوافر خيلي"؛ التي داس بها ضفاف الأنهار والبرك وصهاريج المياه؛ مشيراً بذلك إلى الأعداد الهائلة من جنوده الذين يمكنهم شرب نهر كامل، أو حمله معهم، أو تحويل مجاري الأنهار التي تجري بجانب المدن المحاصرة أو حولها مما يعيق الحصار، لكنه يملك الوسائل لتجفيفها والخوض فيها بسهولة، أو قطع كل اتصال للمياه عن المحاصرين. ويترجمها البعض: "جففت كل أنهار مصر"، كما يلاحظ "كيمحي"، وتُفهم على سبيل المبالغة؛ انظر (إشعياء 19: 6).
جيروم: لأن حزقيا صلى إلى الرب بهذه الجرأة ولم يرسل في طلب إشعياء كما فعل سابقاً، فإن النبي لم يزره شخصياً بل أرسل رسلاً نطقوا له بكلمات الله: "هذا هو حكم الرب على سنحاريب، الذي من أجله صليت: العذراء ابنة صهيون وابنة أورشليم" —التي تُسمى عذراء وابنة لأنها، مع عبادة جميع الأمم الأخرى لأصنام الموتى، حافظت وحدها على طهارة دين الله وعبادة لاهوت واحد— "قد استهزأت بك وازدرت بك. ولكيلا تستفزك إلى تجديف أعظم، لم تجب في حضرتك، بل هزت رأسها خلفك، محصنة من الانتقام، آمنة من العقاب. وقالت أيضاً هذا: 'ليس ضدي تمردت بل ضد الرب. ولم تفعل ذلك بنفسك، بل عن طريق عبيدك، لكي يكون صلف تجديفك أعظم. لأنك قلت إنك بكثرة مركباتك تصعد علو الجبال وعقاب (قنن) لبنان، وأنك تقطع أرزه الشامخ وسروه المختار'". يجب أن نقرأ هذا مجازياً فيما يتعلق بجميع الأمم ورؤسائهم، أو فيما يتعلق بأورشليم التي يمثلها لبنان، بحيث نشير بأرزها وسروها إلى الحكام والنبلاء، وبارتفاع قمتها وغابة كرملها إلى الهيكل. لأنه قال أعلاه: "ألم تسمع ما فعله ملوك أشور بكل الأرض، بإبادتها؟ لذلك، لا يمكنك أنت أيضاً أن تنجو". ولأنه يضيف: "أنا حفرت وشربت مياهاً، وأنشفت ببطن قدمي جميع خليج (أنهار) مصر"، يمكن فهم ذلك وفقاً للتاريخ بأن جميع الجداول جفت أمام حشد الجيش، مما جعل من الضروري حفر الآبار. وهذا يعني أنه بجيشه دمر كل الشعوب، الذين يُعرفون أحياناً باسم "المياه"، كما ترجمت السبعينية فقط: "وصنعتُ جسراً وحوّلتُ القفر إلى مياه وجميع تجمعات المياه". لم تكن أي من الأمم غير قابلة للاجتياز بالنسبة لهم، بالطبع، لكنه داس بقدمه على جميع مياه الشعوب.
26أَلَمْ تَسْمَعْ؟ مُنْذُ الْبَعِيدِ صَنَعْتُهُ. مُنْذُ الأَيَّامِ الْقَدِيمَةِ صَوَّرْتُهُ. الآنَ أَتَيْتُ بِهِ. فَتَكُونُ لِتَخْرِيبِ مُدُنٍ مُحَصَّنَةٍ حَتَّى تَصِيرَ رَوَابِيَ خَرِبَةً. أَلَمْ تَسْمَعْ؟
أي بالخبر، أو بقراءة تاريخ الأزمنة الغابرة، أو عن طريق الأنبياء؛ وهذه هي كلمات الرب لسنحاريب. ويضيف الترجوم: "ما فعلته بفرعون ملك مصر"؛ ويتبع ذلك:
مُنْذُ الْبَعِيدِ صَنَعْتُهُ. مُنْذُ الأَيَّامِ الْقَدِيمَةِ صَوَّرْتُهُ.
يقصد إما القضاء (المرسوم) في صدره منذ الأزل، والذي نشره بواسطة أنبيائه، برفع هذا الأمير الشرير ليكون سوطاً للأمم؛ أو يقصد بكلمة "صنعتُه" الشعب اليهودي، إسرائيل الله، الذي صنعه وشكله في كيان سياسي ومجمع، وصنع لأجله العظائم بإخراجه من مصر وعبوره البحر الأحمر وإعالته وحمايته في البرية وإخضاع الأمم أمامه وإسكانه في أرض كنعان.
الآنَ أَتَيْتُ بِهِ. فَتَكُونُ لِتَخْرِيبِ مُدُنٍ مُحَصَّنَةٍ حَتَّى تَصِيرَ رَوَابِيَ خَرِبَةً.
إلى روابي خربة؛ ويترجمها البعض بصيغة الاستفهام: "هل آتي الآن به ليُخرب، وتصير المدن المحصنة روابي خربة؟" أي الشعب اليهودي ومدينة أورشليم وغيرها؛ كلا، لن أفعل. أو المعنى هو أن ذلك القضاء الذي رسمه وصوره في فكره منذ الأزل يأتي الآن للتنفيذ؛ وهو أن يكون ملك بابل (آشور) مخرباً ومدبراً للمدن المحصنة التي يحولها إلى أكوام من الخراب؛ ولذلك ليس لديه سبب للمباهاة كما فعل، لأنه لم يكن إلا "أداة" لتنفيذ مقاصد الله وتدابيره، وإن لم يكن ذلك في قلبه ولم يقصد هو ذلك.
27فَسُكَّانُهَا قِصَارُ الأَيْدِي قَدِ ارْتَاعُوا وَخَجِلُوا. صَارُوا كَعُشْبِ الْحَقْلِ وَكَالنَّبَاتِ الأَخْضَرِ، كَحَشِيشِ السُّطُوحِ، وَكَالْمَلْفُوحِ قَبْلَ نُمُوِّهِ. فَسُكَّانُهَا قِصَارُ الأَيْدِي
أو "قصيري اليد"؛ أي لم تكن القوة في أيديهم لمساعدة أنفسهم، لأن الرب نزع قوتهم، بعد أن قضى بهلاكهم بسبب خطاياهم؛ وإلا لما كان في وسع سنحاريب أن يخضعهم. وهذا يقلل كثيراً من انتصار ملك آشور، كونهم كانوا شعباً ضعيفاً حين غزاهم، وقد أُسلموا ليده من قِبل الرب بموجب مقاصده، وإلا لما صار سيداً عليهم أبداً.
قَدِ ارْتَاعُوا وَخَجِلُوا.
ليس فقط بسبب رؤية جيش سنحاريب، بل لأن الرب قد أحبط عزيمتهم ونزع منهم شجاعتهم الطبيعية، فأصبحوا فريسة سهلة له.
صَارُوا كَعُشْبِ الْحَقْلِ
الذي لا يملك قوة للوقوف أمام الحاصد.
وَكَالنَّبَاتِ الأَخْضَرِ،
التي تُقطع بسهولة بيد الإنسان، أو تأكلها بهائم الحقل.
كَحَشِيشِ السُّطُوحِ،
الذي ليس له جذور تذكر، فيجف بحرارة الشمس.
وَكَالْمَلْفُوحِ قَبْلَ نُمُوِّهِ.
أي قبل أن يرتفع ليصير ساقاً، فضلاً عن أن يصير سنابل؛ وهكذا يقول الترجوم: "الذي لُفح قبل أن يصير سنابل"؛ وكل هذا يمثل الحالة الهزيلة للشعوب التي قهرها؛ بحيث لم يكن لديه الكثير ليفخر به كأنه فعل أموراً عظيمة.
28وَلكِنَّنِي عَالِمٌ بِجُلُوسِكَ وَخُرُوجِكَ وَدُخُولِكَ وَهَيَجَانِكَ عَلَيَّ. وَلكِنَّنِي عَالِمٌ بِجُلُوسِكَ وَخُرُوجِكَ وَدُخُولِكَ
أي أين تسكن، وماذا تفعل في بيتك، ومشاوراتك السرية، ومؤامراتك، وتدابيرك، وخططك لتحقيق غاياتك في إخضاع الممالك وإقامة ملكية عالمية؛ وكذلك خروجك من بابل، وزحفك، وتحركاتك العسكرية، ودخولك إلى أرض يهوذا؛ فلم تكن هناك حركة واحدة أو خطوة اتُّخذت في مجلسك أو معسكرك إلا وكانت معلومة للرب؛ وهكذا يقول الترجوم: "جلوسك في المشورة، وخروجك إلى الخارج لشن الحرب، ودخولك إلى أرض إسرائيل، كلها ظاهرة أمامي".
وَهَيَجَانِكَ عَلَيَّ.
أي على شعبه، وعلى المدينة التي دُعيت باسمه، وعلى الهيكل حيث يُعبد، ولا سيما على عبده حزقيا، لأنه لم يسلم المدينة له على الفور. وترجمت النسختان "الترجوم" والسريانية هذا الجزء بـ "أمام وجهي"؛ ويكون المعنى حينها: "هيجانك" وسخطك هو "أمام وجهي"؛ أي ظاهر لي؛ وهو ما يمكنه كبحه كما يشاء، كما وعد في العدد التالي.
29لأَنَّ هَيَجَانَكَ عَلَيَّ وَعَجْرَفَتَكَ قَدْ صَعِدَا إِلَى أُذُنَيَّ، أَضَعُ خِزَامَتِي فِي أَنْفِكَ وَشَكِيمَتِي فِي شَفَتَيْكَ، وَأَرُدُّكَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْتَ فِيهِ. لأَنَّ هَيَجَانَكَ عَلَيَّ وَعَجْرَفَتَكَ قَدْ صَعِدَا إِلَى أُذُنَيَّ،
إن الهيجان الذي عبر عنه سنحاريب سواء عن طريق ربشاقي أو في رسالته ضد حزقيا وشعبه، اعتبره الرب موجهاً ضده هو شخصياً؛ لعظم عنايته بهم واهتمامه لأمرهم؛ وبالفعل كان هناك الكثير من التجديف الذي نُفث ضده؛ ولذلك ترجمت النسخة السريانية الكلمة التالية (المترجمة "عجرفة" أو "ضجيج") بـ "تجديفك"؛ وإن كان المقصود بها بالأحرى ذلك الضجيج الصاخب الذي أحدثه ربشاقي، أو جلبة الجيش الآشوري بمركباته وفرسانه وكثرة جنوده، وهو ما لم يسمعه اليهود ويرتعبوا منه فحسب، بل لاحظه الرب وجعله موضع سخرية؛ لذا أضاف:
أَضَعُ خِزَامَتِي فِي أَنْفِكَ وَشَكِيمَتِي فِي شَفَتَيْكَ،
مشبهاً سنحاريب بـ "لوياثان" أو الحوت العظيم، أو ببعض الأسماك الضخمة والجامحة التي لا يسهل صيدها والسيطرة عليها؛ انظر (أيوب 41: 1)، أو بدب أو جاموس يضع الرجال في أنفه حلقات حديدية ويقودونه بها كما يشاؤون؛ وكذلك بحصان أو بغل يُقاد بالشكيمة واللجام؛ مشيراً بذلك إلى قوة وشراسة وهيجان العاهل الآشوري، وقدرة الله على كبحه، وهو ما يفعله بسهولة.
وَأَرُدُّكَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْتَ فِيهِ.
من أورشليم، في ذات الطريق الذي جاء به إليها، إلى أرضه مرة أخرى، وهذا ما فعله بالفعل (إشعياء 37: 37).
30«وَهذِهِ لَكَ الْعَلاَمَةُ: تَأْكُلُونَ هذِهِ السَّنَةَ زِرِّيعًا، وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ خِلْفَةً، وَأَمَّا السَّنَةُ الثَّالِثَةُ فَفِيهَا تَزْرَعُونَ وَتَحْصِدُونَ، وَتَغْرِسُونَ كُرُومًا وَتَأْكُلُونَ أَثْمَارَهَا. «وَهذِهِ لَكَ الْعَلاَمَةُ:
ليس لسنحاريب، بل لحزقيا؛ إذ يتحول الرب هنا عن الأول ويوجه خطابه للثاني، ليعزيه وسط المخاوف الرهيبة التي انتابته من العاهل الآشوري وجيشه؛ مؤكداً له النجاة، ومعطياً إياه "علامة" على ذلك، وهي بمثابة "أعجوبة" كما تعني الكلمة أحياناً، ولم تكن أقل روعة من النجاة نفسها.
تَأْكُلُونَ هذِهِ السَّنَةَ زِرِّيعًا، وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ خِلْفَةً، وَأَمَّا السَّنَةُ الثَّالِثَةُ فَفِيهَا تَزْرَعُونَ وَتَحْصِدُونَ، وَتَغْرِسُونَ كُرُومًا وَتَأْكُلُونَ أَثْمَارَهَا.
وكل هذا كان مذهلاً جداً؛ فبينما لم يتمكنوا من فلح أرضهم كما اعتادوا، إما بسبب غزو البلاد أو حصار المدينة، أو لأن ما كان عليها قد دُمّر أو أُكل من قِبل الجيش الآشوري؛ إلا أنه من خلال عناية الله الفائقة، أخرجت الأرض من تلقاء نفسها في تلك السنة كفاية لهم؛ وبرغم أن السنة الثانية كانت -كما يُظن- سنة "سبتية" (سنة عطلة للأرض)، حيث تستريح الأرض ولا تُفلح بموجب الشريعة، إلا أنها أنتجت أيضاً من تلقاء نفسها ما يكفي لإعالتهم؛ ثم في السنة الثالثة، بكونهم أحراراً تماماً من العدو ومن كل مخاوف عودته، يعودون إلى أعمالهم كما في السابق من زرع وحصد للحبوب وغرس للكروم والتمتع بثمار أتعابهم؛ ووقوع كل ذلك وفقاً لهذه النبوءة كان لابد أن يثبت قلب حزقيا ويجعله مطمئناً تجاه أي محاولة مستقبلية قد يخشاها. تترجم النسخة الفولجاتا اللاتينية الشطر الثاني: "تأكلون تفاحاً في السنة الثانية"؛ وكذلك "سيماخوس"، ولكن دون أساس (لغوي) يدعم ذلك.
31وَيَعُودُ النَّاجُونَ مِنْ بَيْتِ يَهُوذَا الْبَاقُونَ يَتَأَصَّلُونَ إِلَى أَسْفَلَ، وَيَصْنَعُونَ ثَمَرًا إِلَى مَا فَوْقُ. وَيَعُودُ النَّاجُونَ مِنْ بَيْتِ يَهُوذَا الْبَاقُونَ
وهم القلة الذين نجوا من مدن يهوذا عند غزو سنحاريب للبلاد وحصاره واستيلائه على مدنها الحصينة، فهربوا إلى أورشليم طلباً للأمان؛ وهؤلاء كانوا رمزاً لـ "البقية" وفقاً لاختيار النعمة، القليلون الذين اختارهم الله، الشعب المفتدى بالمسيح، "القطيع الصغير" والعدد القليل الذي يدخل من الباب الضيق ويخلص؛ والذين ينجون ليس من سقطة آدم ولا من فساد الطبيعة ونجاسات العالم في حالة الطبيعة؛ بل ينجون من العدل الإلهي، ومن لعنة الناموس العادل، ومن الغضب الآتي وهلاك جهنم؛ وهو ما يعود إلى محبة الله وعهد نعمته وكفالة المسيح وإتمامه لها؛ هؤلاء هم أهل بيت الإيمان، شعب الله المعترف والذي يجاهر به، وهم اليهود في الباطن وهم قلة؛ وعن هؤلاء قيل:
يَتَأَصَّلُونَ إِلَى أَسْفَلَ، وَيَصْنَعُونَ ثَمَرًا إِلَى مَا فَوْقُ.
ويقول الترجوم:
"كشجرة ترسل جذورها إلى أسفل، وترفع أغصانها إلى فوق".
والمعنى هو أن هؤلاء القوم الذين فروا من مساكنهم إلى أورشليم سيعودون إليها ثانية عند انفكاك الحصار، ويستقرون استقراراً ثابتاً، ويعيشون بسلام وازدهار، وتفيض عليهم الخيرات؛ وهو ما يمكن تطبيقه "سرياً" (روحياً) على المؤمنين الحقيقيين الذين يتأصلون ثانية في محبة الله، وهي "جذر خفي" ومصدر الخلاص وكل بركاته، وهي في ذاتها غير متزعزعة؛ وبرغم أن القديسين مأمونون فيها وبها ولا يمكن لشيء استئصالهم منها، إلا أنهم أحياناً يضطربون بالشكوك والمخاوف حول نصيبهم فيها؛ وحينها يحدث "تأصل جديد" فيها، وذلك عندما يمتلكون يقيناً قوياً وحياً بها، مما ينتج إثماراً في ممارسة الإيمان والرجاء والمحبة وفي طاعة الإنجيل؛ وكذلك تأصلهم في المسيح، الذي هو بمثابة "أصل" لهم، خفي عن أعين العالم، ومتواضع ووضيع (في نظرهم)، لكنه مصدر كل سعادة للقديسين الذين لهم كيان فيه، ويُحملون به، ويتلقون منه العصارة والغذاء؛ وبرغم أن إيمانهم بنصيبهم فيه قد يتزعزع أحياناً، إلا أن هناك تأصلاً جديداً بأفعال إيمان جديدة تجاهه تنتج إثماراً؛ والثمار التي ينتجها هؤلاء هي الأعمال الصالحة، التي تنبت من بذر النعمة، وتعود إلى الجود الإلهي وإلى ندى النعمة، وهي سارة ومقبولة عند الله بالمسيح، ونافعة للناس؛ وتسمى هذه ثمار الروح، وثمار البر، وهي تليق بالتوبة، وتُنتج علانية وجهاراً، وهو ما قد يُشار إليه بكونها "تُحمل إلى فوق".
32لأَنَّهُ مِنْ أُورُشَلِيمَ تَخْرُجُ بَقِيَّةٌ، وَنَاجُونَ مِنْ جَبَلِ صِهْيَوْنَ. غَيْرَةُ رَبِّ الْجُنُودِ تَصْنَعُ هذَا. لأَنَّهُ مِنْ أُورُشَلِيمَ تَخْرُجُ بَقِيَّةٌ،
ويقول الترجوم: "بقية الصديقين"؛ وهم ذاتهم المذكورون سابقاً؛ الذين عندما تخلو المدينة من العدو، سيخرجون منها ويعودون إلى مناطقهم السابقة في أجزاء يهوذا المختلفة؛ وهم رمز لأولئك الذين خرجوا من أورشليم بإنجيل المسيح ونشروه ليس في يهوذا فحسب، بل في عالم الأمم أيضاً.
وَنَاجُونَ مِنْ جَبَلِ صِهْيَوْنَ.
وهم نفس الأشخاص، لكن بوصف مختلف؛ فبعضهم كان في مدينة أورشليم، والبعض الآخر في حصن صهيون، لكنهم غادروا من هناك عند انفكاك الحصار. ويقول الترجوم: "والناجون من الذين يثبتون الشريعة من جبل صهيون"؛ انظر (إشعياء 2: 3).
غَيْرَةُ رَبِّ الْجُنُودِ تَصْنَعُ هذَا.
إن اهتمامه بكرامته ومجده، ومحبته العظيمة لشعبه، ستجعله يلتزم بإتمام كل ما وُعد به وتُنُبئ به هنا. ويقول الترجوم: "بكلمة رب الجنود يتم هذا".
33«لِذلِكَ هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ عَنْ مَلِكِ أَشُّورَ: لاَ يَدْخُلُ هذِهِ الْمَدِينَةَ، وَلاَ يَرْمِي هُنَاكَ سَهْمًا، وَلاَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا بِتُرْسٍ، وَلاَ يُقِيمُ عَلَيْهَا مِتْرَسَةً. «لِذلِكَ هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ عَنْ مَلِكِ أَشُّورَ:
أي نتيجة حملته وثمرتها؛ كيف ستكون محاولاته باطلة، وكيف سيفشل في هذا المشروع.
لاَ يَدْخُلُ هذِهِ الْمَدِينَةَ،
لن يدخلها ولن يستولي عليها، برغم ثقته الشديدة في ذلك؛ أو "لا يقرب إليها"؛ إذ يرى البعض أنه لم يقترب منها أكثر من "لبنة"، حيث أرسل رسائله إلى حزقيا (إشعياء 37: 8).
وَلاَ يَرْمِي هُنَاكَ سَهْمًا،
لا هو ولا رماة سهامه، بحيث لا يؤذي أو يقتل شخصاً واحداً فيها.
وَلاَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا بِتُرْسٍ،
أو "بترسٍ واحد"؛ أي هو نفسه بترس؛ وإلا فإن جيشه تحت قيادة ربشاقي كان أمامها برجال مسلحين بالتروس؛ أو المعنى هو أنه لن يسبقها أو يباغتها برجاله المدججين بالدروع.
وَلاَ يُقِيمُ عَلَيْهَا مِتْرَسَةً.
أي لا يقيم ردمًا أو تلاً (أكمة) لكي يطلق مدافعه منه، ويرمي سهامه بفعالية أكبر.
34فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ يَرْجعُ، وَإِلَى هذِهِ الْمَدِينَةِ لاَ يَدْخُلُ، يَقُولُ الرَّبُّ. فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ يَرْجعُ،
دون أن ينفذ مخططاته في أورشليم أو الأماكن الأخرى؛ سيضيع تعبه هباءً، ويسرع بالعودة إلى بلاده دون أن يميل يميناً أو يساراً ليزعج أمماً أخرى أو يوسع مملكته، إذ سيصبح محبطاً ومرتبكاً تماماً مما سيواجهه.
وَإِلَى هذِهِ الْمَدِينَةِ لاَ يَدْخُلُ، يَقُولُ الرَّبُّ.
أو "لا يقرب من هذه المدينة" كما سلف؛ وهذا تكرار للتأكيد ولبيان حتمية الأمر.
35وَأُحَامِي عَنْ هذِهِ الْمَدِينَةِ لأُخَلِّصَهَا مِنْ أَجْلِ نَفْسِي، وَمِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي». وَأُحَامِي عَنْ هذِهِ الْمَدِينَةِ لأُخَلِّصَهَا
أو "أترّسها" (أكون لها ترساً)؛ وإذا كان الله هو الترس والحامي لأي مكان أو شعب، فلا بد أن يكونوا في أمان؛ فمن ذا الذي يؤذيهم؟
مِنْ أَجْلِ نَفْسِي، وَمِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي».
ليس من أجل استحقاقات سكانها، بل من أجل اسمه ومجده الذي جدف عليه العاهل الآشوري وقائده؛ ومن أجل داود عبده، الذي وعد أن مملكته ستثبت في نسله (2 صموئيل 7: 12)؛ وبالدرجة الأولى من أجل "المسيا"، ابن داود وعبد الرب، الذي كان سيخرج من نسل حزقيا، ولذلك لم يكن مسموحاً أن يُباد هذا النسل.
36فَخَرَجَ مَلاَكُ الرَّبِّ وَضَرَبَ مِنْ جَيْشِ أَشُّورَ مِئَةً وَخَمْسَةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا. فَلَمَّا بَكَّرُوا صَبَاحًا إِذَا هُمْ جَمِيعًا جُثَثٌ مَيِّتَةٌ. فَخَرَجَ مَلاَكُ الرَّبِّ
من السماء، بأمر من الرب، كونه أحد أرواحه الخادمة التي تُرسل من قِبله لحماية شعبه وإهلاك أعدائهم؛ وكان ذلك في نفس الليلة التي نزل فيها الجيش الآشوري أمام أورشليم كما يقول اليهود ؛ أو على الأقل في نفس الليلة التي أُرسلت فيها الرسالة إلى حزقيا (2 ملوك 19: 35).
وَضَرَبَ مِنْ جَيْشِ أَشُّورَ مِئَةً وَخَمْسَةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا.
يا لها من مجزرة هائلة حقاً! وهي تظهر قوة الملاك وجبروته. يقول يوسيفوس إنهم ضُربوا بمرض وبائي؛ لكن كتاباً يهوداً آخرين يقولون إن ذلك تم بنار من السماء أزهقت أرواحهم ولكن لم تفنِ أجسادهم ولم تحرق ثيابهم؛ ومهما يكن الأمر، فقد هلكوا.
فَلَمَّا بَكَّرُوا صَبَاحًا
أي من بقي حياً من الجيش؛ سنحاريب وعبيده المحيطون به؛ أو حزقيا وسكان أورشليم المحاصرون.
إِذَا هُمْ جَمِيعًا جُثَثٌ مَيِّتَةٌ.
الجيش كله إلا القليل؛ وقد عُبر عن هذا بلفظ التعجب "إذ"، لأنه كان أمراً عجيباً للغاية.
37فَانْصَرَفَ سَنْحَارِيبُ مَلِكُ أَشُّورَ وَذَهَبَ رَاجِعًا وَأَقَامَ فِي نِينَوَى. فَانْصَرَفَ سَنْحَارِيبُ مَلِكُ أَشُّورَ وَذَهَبَ رَاجِعًا
بعد إبلاغه بدمار جيشه بهذه الطريقة المعجزية، انصرف من المكان الذي كان فيه بكل عجلة، خوفاً من أن يُهلك هو نفسه بنفس الطريقة؛ وبما أنه لم تعد لديه قوات لمتابعة أهدافه أو للقيام بمحاولة في مكان آخر، فقد سلك أقصر الطرق فوراً إلى بلاده، حيث عاد بخزي وارتباك عظيمين.
وَأَقَامَ فِي نِينَوَى.
عاصمة مملكته؛ انظر (تكوين 10: 11).
38وَفِيمَا هُوَ سَاجِدٌ فِي بَيْتِ نِسْرُوخَ إِلهِهِ ضَرَبَهُ أَدْرَمَّلَكُ وَشَرْآصَرُ ابْنَاهُ بِالسَّيْفِ، وَنَجَوَا إِلَى أَرْضِ أَرَارَاطَ. وَمَلَكَ أَسَرْحَدُّونَ ابْنُهُ عِوَضًا عَنْهُ. وَفِيمَا هُوَ سَاجِدٌ فِي بَيْتِ نِسْرُوخَ إِلهِهِ
يقول يوسيفوس في معبده الذي يُدعى "أراسكي"؛ أما "نسروخ" فهو اسم الإله الذي كان يعبده، وإن كانت هويته غير مؤكدة. ويذكر "راشي" في أحد التفاسير أنه يُدعى "نِسر"، وهو لوح من فلك نوح؛ وفي طوبيا (1: 24) يُدعى صنمه "داجون"؛ ووفقاً لـ "هيليروس" فإن الكلمة تعني "أميراً"؛ وعند البعض تعني "ملكاً مرتفعاً" أو "مجيداً"، ويرى أنه هو "بيلوس" الآشوري الذي يُعبد في صورة وهيئة "مارس" (إله الحرب).
ضَرَبَهُ أَدْرَمَّلَكُ وَشَرْآصَرُ ابْنَاهُ بِالسَّيْفِ،
الأول سُمي على اسم صنم بهذا الاسم (2 ملوك 17: 31) ومعناه "ملك مجيد"، والآخر قد يعني "أمير الكنز". يقول يوسيفوس إنهما كانا أكبر أبنائه؛ ولا يُعرف الدافع الذي دفعهما لارتكاب جريمة قتل الأب هذه. ويذكر "راشي" أن سنحاريب صلى لإلهه ونذر أنه إذا نجاه من القتل فسيقدم ابنيه ذبيحة له، فلما سمعا ذلك قتلاه؛ أما السبب المذكور في الأسفار القانونية الثانية:
"ولم يمضِ خمسة وخمسون يوماً حتى قتله اثنان من أبنائه، وهربا إلى جبال أراراط؛ وملك أسرحدون ابنه مكانه؛ الذي أقام أخي أحيقور بن عنائيل على حسابات والده وعلى كل شؤونه". (طوبيا 1: 21)
ووفقاً لنسخة أخرى، فإن سنحاريب سأل مستشاريه وحكماءه: "لماذا يغار الله القدوس المبارك لإسرائيل وأورشليم حتى أن ملاكاً أهلك جيش فرعون وكل أبكار مصر، بينما الشباب الذين أعطاهم الرب نالوا الخلاص دائماً على أيديهم؟" فأجابه حكماؤه ومستشاروه: "إن إبراهيم أب إسرائيل قدم ابنه ليذبحه لكي يرضى الرب إلهه عنه، ومن هنا صار يغار لأبنائه ونفذ نقمته في عبيدك"؛ فقال الملك: "إذاً سأذبح أنا ابنيّ، فلعل الرب يرضى عني ويساعدني"؛ وعندما وصل الخبر إلى أدرملك وشرآصر كَمنا له وقتلاه بالسيف وهو يصلي أمام "داجون" إلهه.
وَنَجَوَا إِلَى أَرْضِ أَرَارَاطَ.
وهي الجبال التي استقر عليها الفلك (تكوين 8: 4). وتذكر النسخة السبعينية ويوسيفوس أنها "أرمينيا"؛ ويلاحظ "جيروم" أن أراراط هي منطقة سهلية في أرمينيا يجري فيها نهر أراكسيس عند سفح جبال طوروس. ويسميها الترجوم "أرض كردو"؛ والنسخة السريانية "أرض الكريديين" التابعة لأرمينيا؛ وفي هذه الأماكن الجبلية ظنا أنهما أكثر أماناً.
وَمَلَكَ أَسَرْحَدُّونَ ابْنُهُ عِوَضًا عَنْهُ.
ويسميه يوسيفوس "أساراشوداس"؛ وفي قانون بطليموس يُسمى "أسارادينوس"؛ وهو ذاته، كما يرى البعض، من يسميه اليونانيون "سردنابالوس"؛ وفي سفر طوبيا يُسمى "ساركيدون"، ويرى البعض أنه هو نفسه "سارجون" المذكور في (إشعياء 20: 1).
⪢