⪡ 1يَا أَرْضَ حَفِيفِ الأَجْنِحَةِ الَّتِي فِي عَبْرِ أَنْهَارِ كُوشَ، هذا الإصحاح هو نبوة بخراب أرض أو بلد، وُصفت بـ "الأجنحة" التي تظللها، وبالأنهار التي تقع عليها (العدد 1)، ومن خلال رسلها ورسالتها إلى أمة أخرى موصوفة أيضاً (العدد 2). وتُدعى كل أمم العالم لملاحظة الدينونة التي أوشكت أن تحل بها (العدد 3). ويُعطى وعد بأنه في نفس الوقت سيستقر الله ويسكن بين شعبه وينعشهم ويحميهم (العدد 4). كما يُعبَّر مجازياً عن وقت وطريقة وطبيعة دمار الشعب المهدد سابقاً (العدد 5). وستكون عاقبة كل ذلك مجد الله، حيث سيُؤتى بهؤلاء الناس في أزمنة لاحقة كتقدمة له في جبل صهيون (العدد 7).
يَا أَرْضَ حَفِيفِ الأَجْنِحَةِ
(أو المظللة بالأجنحة)،..."؛ أو "يا أرضُ"، كمن يناديها؛ كما يرى "ابن عزرا" وكيمحي. ومن الصعب جداً تحديد أي أرض هي المقصودة هنا؛ فالبعض يظن أنها أرض آشور، وهو استمرار للنبوة المتعلقة بدمار الآشوريين في الأعداد الثلاثة الأخيرة من الإصحاح السابق؛ حيث ذُكر بسط أجنحتها في (إشعياء 8: 8) ويُظن أنه يُشار إليه هنا. ويرى آخرون أن المقصود أرض يهوذا، التي اتكلت تحت ظل أجنحة مصر وكوش. لكن المعنى الأكثر قبولاً هو أن المقصود إما مصر أو كوش (إثيوبيا) أنفسهما، واللتان وُصفتا بـ "المظللة بالأجنحة"؛ ليس بأجنحة الطيور كما يفسر راشي، بل بالأحرى بالجبال التي تحيط بكوش وتظللها؛ أو بالسفن التي تشبه أشرعتها الأجنحة، والتي تتردد عليها في أساطيل عديدة وتحوم حول سواحلها وموانئها فتبدو كأنها تظللها؛ ويتفق مع هذا إصدار النسخة السبعينية: "ويل للأرض، أجنحة السفن!"، وكذلك (الترجوم):
"ويل للأرض التي يأتون إليها في سفن من بلد بعيد، وأشرعتها ممدودة كنسر يطير بجناحيه؛"
وهكذا ترجمها "منسى بن إسرائيل" : "ويل للأرض التي تقع تحت ظل البراقع (الأشرعة) وراء أنهار كوش."
والكلمة المترجمة "مظللة" تُستخدم أيضاً للتعبير عن "الصنج" (كما في 2 صموئيل 6: 5، مزمور 150: 5)، وهكذا تُرجمت هنا في نسخة "الفولجاتا" اللاتينية: "ويل للأرض التي بظلال الأجنحة"؛ ويظن البعض أن المقصود هو "الشخشيخة" (sistrum)، وهي آلة موسيقية استخدمها المصريون في عبادتهم لـ "إيزيس"؛ وكان لها ما يشبه الأجنحة أو قضبان مستعرضة في وسطها تبدو كالأجنحة؛ ولذلك تصف الآية أرض مصر المشهورة بصنوجها المجنحة. أحدها يمكن رؤيته في كتاب بينوريوس ؛ حيث يصف أرض مصر، المشهورة بصنوجها المجنحة. ويذكر مينوسيوس فيليكس السنونو مع الصنج، الذي كان طائرًا خاصًا بإيزيس؛ ويُقال إنه كان يوضع فوق تمثال إيزيس، وأجنحته ممدودة.
الَّتِي فِي عَبْرِ أَنْهَارِ كُوشَ،
وأهمها "أستابوراس" و"أستابوس" ، وكذلك النيل نفسه الذي يأتي من كوش إلى مصر؛ أو "التي على هذا الجانب من أنهار كوش"، وبذلك قد تعني مصر التي تجاورها من هذا الجانب باتجاه يهوذا؛ أو "التي بجانب أنهار كوش"، وبذلك تشير إلى كوش نفسها الواقعة عند هذه الأنهار. ويترجمها (الترجوم): "أنهار يهوذا". ويرى البعض أن المقصود أنهار "العربية الكوشية" التي تقع بين يهوذا ومصر؛ ويبدو أن بلاد العرب هي المقصودة بكلمة "كوش" هنا أكثر من إثيوبيا الأفريقية، لكون مصر تقع "عبر أنهار كوش" بهذا المعنى.
2الْمُرْسِلَةَ رُسُلاً فِي الْبَحْرِ وَفِي قَوَارِبَ مِنَ الْبَرْدِيِّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ. اذْهَبُوا أَيُّهَا الرُّسُلُ السَّرِيعُونَ إِلَى أُمَّةٍ طَوِيلَةٍ وَجَرْدَاءَ، إِلَى شَعْبٍ مَخُوفٍ مُنْذُ كَانَ فَصَاعِدًا، أُمَّةِ قُوَّةٍ وَشِدَّةٍ وَدَوْسٍ، قَدْ خَرَقَتِ الأَنْهَارُ أَرْضَهَا. الْمُرْسِلَةَ رُسُلاً فِي الْبَحْرِ
أي البحر الأحمر الذي يغسل سواحل مصر وكوش، واللتان اتحدتا في مملكة واحدة تحت حكم "سباكو" أو "سوا" الكوشي الملقب بملك مصر (2 ملوك 17: 4). وتوصف هذه المملكة، أو بالأحرى ملكها، هنا بأنه يرسل سفراء بحراً إلى البلاطات الأجنبية لعقد معاهدات وتحالفات لتقوية نفسه؛ وإن كان البعض يفهمها عن إرسال جزء من كوش سفراء إلى جزء آخر عبر البحر الأحمر؛ أو إرسال "ترهاقة" الكوشي رسلاً إلى ملك آشور لتحديه؛ وفي نفس الوقت أرسل لليهود ليعتمدوا على حمايته وعونه (إشعياء 37: 9). وبما أن كلمة "رسل" قد تعني "تماثيل"، فقد ظن البعض أنها تشير إلى حمل رأس "أوزوريس" وتمثال "إيزيس" من مكان لآخر في أوعية خاصة.
وَفِي قَوَارِبَ مِنَ الْبَرْدِيِّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ.
حيث كانت هذه القوارب الخفيفة تطفو دون أن تغرق، ولا تغوص في الماء كالأوعية الخشبية. وكان لكل من المصريين والكوشيين سفن مصنوعة من "البردي" (papyrus) أو (biblus) ، وهو نوع من الأسل (الخوص) ينمو على ضفاف النيل، وكانت خفيفة وتتحرك بسرعة، وهي الأكثر أماناً أيضاً؛ إذ لا خطر من تحطمها كالأوعية الأخرى على الرفوف الصخرية أو الشلالات؛ بل يقول "بليني" إن سفن الكوشيين كانت تُصنع بحيث يمكن طيها وحملها على الأكتاف عند الوصول إلى المساقط المائية.
اذْهَبُوا أَيُّهَا الرُّسُلُ السَّرِيعُونَ
كلمة "قائلاً" ليست في النص، ولا ينبغي إضافتها؛ فهذه ليست كلمات الأمة الموصوفة سابقاً وهي ترسل رسلها لأمة أخرى، بل هي كلمات الله لرسله، ملائكة أو بشراً، السريعين في تنفيذ مشيئته، والذين يرسلهم ليعلنوا أو يوقعوا الدينونة على الأمة المذكورة آنفاً (وهو ما يتفق مع حزقيال 30: 9).
إِلَى أُمَّةٍ طَوِيلَةٍ
كانت تسكن في مدن وقرى وبيوت متفرقة هنا وهناك؛ أو التي سيشتتها أعداؤها؛ أو "الممتدة" فوق مساحة واسعة من الأرض كما كانت كوش.
وَجَرْدَاءَ،
(أو مجردة من الشعر)؛"؛ حيث كان الكوشيون، لعيشهم في بلد حار، يملكون شعراً قليلاً جداً على أجسادهم. ويترجمها "شولتنز" من اللغة العربية: "أمة قوية لا يمكن الوصول إليها".
إِلَى شَعْبٍ مَخُوفٍ مُنْذُ كَانَ فَصَاعِدًا،
بسبب لونهم الأسود وملامحهم العبوسة في بعض أجزائهم؛ وللجيوش الضخمة التي كانوا يحشدونها في الميدان؛ انظر (2 أخبار 12: 3)؛ وقد قيل عنهم ذلك "منذ البداية" لأن "نمرود" الصياد الجبار كان ابن "كوش"، ومنه اشتق الكوشيون اسمهم.
أُمَّةِ قُوَّةٍ وَشِدَّةٍ وَدَوْسٍ،
التي قِيس لها العقاب "بالمِطمار" (خيط القياس) بما يتناسب مع خطاياها، والتي ستُداس قريباً تحت أقدام أعدائها.
قَدْ خَرَقَتِ الأَنْهَارُ أَرْضَهَا.
ولا يجب فهم هذا حرفياً عن أنهار النيجر والنيل، التي كانت تزيد الأرض خصوبة، بل مجازياً عن الأمراء والجيوش القوية التي ستدخلها وتنهبها؛ انظر إشعياء 8: 7. ويفسرها راشي وكيمحي عن ملوك أمم العالم؛ وهكذا (الترجوم): "التي نهبت الشعوب أرضها".
هيبوليتوس: قول إشعياء: "يا أرض حفيف الأجنحة (أجنحة السفن) التي في عبر أنهار كوش: (ويل له) المرسل رسلاً في البحر، وفي قوارب من البردي [على وجه المياه؛ اذهبوا أيها الرسل السريعون] إلى أمة قلقة ومنتظرة، وشعب غريب ومر ضدها؛ أمة بلا رجاء ومدوسة". ولكن نحن الذين نرجو ابن الله، مُضطهدون ومدوسون من قِبل أولئك غير المؤمنين. لأن "أجنحة السفن" هي الكنائس؛ والبحر هو العالم، الذي وُضعت فيه الكنيسة كسفينة تتقاذفها الأعماق ولكنها لا تهلك. لأن معها القبطان الماهر، المسيح. وهي تحمل في وسطها أيضاً النصر على الموت، لأنها تحمل معها صليب الرب. فمقدمتها هي الشرق، ومؤخرتها هي الغرب، وجوفها هو الجنوب، ودفاتها هي العهدان. والحبال التي تمتد حولها هي محبة المسيح التي تربط الكنيسة. والشبكة التي تحملها معها هي جرن التجديد (الميلاد الثاني) الذي يجدد المؤمنين ومنه تأتي هذه الأمجاد. وكالريح، يحضر الروح من السماء الذي به يُختم المؤمنون. ولها أيضاً مراسٍ من حديد ترافقها، أي وصايا المسيح المقدسة، التي هي قوية كالحديد. ولها أيضاً ملاحون عن اليمين وعن اليسار، معاونون مثل الملائكة القديسين الذين بهم تُحكم الكنيسة وتُحفظ دائماً. والسلم فيها المؤدي إلى شراعها هو رمز لآلام المسيح، التي ترفع المؤمنين إلى الصعود للسماء. والأشرعة العلوية المرتفعة هي جماعة الأنبياء والشهداء والرسل، الذين دخلوا إلى راحتهم في ملكوت المسيح.
3يَا جَمِيعَ سُكَّانِ الْمَسْكُونَةِ وَقَاطِنِي الأَرْضِ، عِنْدَمَا تَرْتَفِعُ الرَّايَةُ عَلَى الْجِبَالِ تَنْظُرُونَ، وَعِنْدَمَا يُضْرَبُ بِالْبُوقِ تَسْمَعُونَ. يَا جَمِيعَ سُكَّانِ الْمَسْكُونَةِ وَقَاطِنِي الأَرْضِ،
يُنادى هنا جميع رجال العالم، إما من قِبل الرب، أو بالأحرى من قِبل النبي، ليكونوا شهود عيان وسمع على الدينونة التي ستحل بالأمة المذكورة آنفاً، وعلى خلاص شعبه؛ الأمر الذي سيكون ظاهراً جداً، حتى يراه الجميع بسهولة كراية نُصبت على جبل؛ وسترنّ أخبار ذلك في كل الأرض، وتُسمع بوضوح كصوت بوق يُنفخ فيه: إلا إذا اعتُبرت هذه كلمات الرسل المُرسلين إلى تلك الأمة، يخاطبونهم بهذه العبارات، مؤكدين لهم أنه مهما بلغوا الآن من الغباء والأمان، فإنهم سرعان ما سيرون علامة الحرب ويسمعون إنذارها؛ إذ جرت العادة بتسمية أي مملكة كبيرة بـ "المسكونة" و"الأرض".
عِنْدَمَا تَرْتَفِعُ الرَّايَةُ عَلَى الْجِبَالِ تَنْظُرُونَ،
أو "ستنظرون إلى هذا بوضوح كما لو نُصبت راية على جبل"؛ أو ستشعرون بهذه الدينونة الآتية عندما تُنصب الراية على الجبال لجمع الشعب للحرب. ويفسر البعض هذا عن جبال يهوذا، حيث سينصب الآشوريون راياتهم وينفخون أبواقهم، كما يتبع:
وَعِنْدَمَا يُضْرَبُ بِالْبُوقِ تَسْمَعُونَ.
أو "ستسمعون"؛ صوت البوق بصفته إنذاراً بالحرب، وبه يُستدعى الشعب ويأتون لتنفيذ الدينونة المهدد بها. وجاء في (الترجوم):
"ستسمعون الفداء؛"
أي فداء إسرائيل، في زمن المسيا، وفي حرب يأجوج ومأجوج؛ وهي الأزمنة التي يفسر فيها راشي وكيمحي هذه النبوة بأكملها.
4لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ لِيَ الرَّبُّ: «إِنِّي أَهْدَأُ وَأَنْظُرُ فِي مَسْكَنِي كَالْحَرِّ الصَّافِي عَلَى الْبَقْلِ، كَغَيْمِ النَّدَى فِي حَرِّ الْحَصَادِ». لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ لِيَ الرَّبُّ:
أي للنبي إشعياء، سواء فيما سبق أو فيما يلحق.
«إِنِّي أَهْدَأُ
ليست هذه كلمات النبي كما يظن البعض (مثل كلمات حبقوق 2: 1)، بل هي كلمات الرب نفسه، مبيناً أنه -كما هو دائماً- سيظل هادئاً في ذاته وسط كل الاضطرابات التي في العالم؛ أو أنه سيستقر في وسط شعبه في صهيون، التي قال عنها: "هذا هو مقري إلى الأبد" (مزمور 132: 14)؛ أو بالأحرى أنه سيظل ساكناً وهادئاً، وكأنه نائم ومستريح، لا يلاحظ ما يجري، ولا يتدخل بين الأطراف التي تستعد للحرب وتضع الخطط لخراب بعضها البعض؛ فلا يساعد هذا ولا يمنع ذاك، بل يتركهم يمضون لبرهة في تصاميمهم.
وَأَنْظُرُ فِي مَسْكَنِي
أي في السماء، فيما يجب فعله؛ فمع أن الرب قد يبدو أحياناً غير مكترث بما يُفعل على الأرض، إلا أنه يرى ويعلم كل شيء، ويتفكر في ذاته فيما هو لائق ومناسب ليفعله، فهو الذي يعمل كل شيء حسب مشورة إرادته: أو "سأنظر إلى مسكني"؛ أي أورشليم، جبل صهيون، الهيكل، والمقدس، حيث حلت شكينته (مجده)؛ هنا يعد بأن ينظر بنوع من النعمة والرضا، ببهجة وسرور، ليعزي وينعش شعبه؛ وهكذا يفسر (الترجوم) هذه العبارة وما قبلها:
"سأجعل شعبي يستريح، سأريحهم، وسأبتهج في مسكني المقدس لأصنع بهم خيراً:"
كَالْحَرِّ الصَّافِي عَلَى الْبَقْلِ،
أو "بعد المطر"، كما يرى "ابن عزرا" وكيمحي (انظر 2 صموئيل 23: 4) عندما تشرق الشمس بوضوح بعد وابل من المطر، مما يحيي النباتات والبقول ويجعلها تنمو.
كَغَيْمِ النَّدَى فِي حَرِّ الْحَصَادِ».
وهو أمر مرغوب فيه جداً ومرحب به، إذ يبرد الهواء، وينعش الأرض، ويجعل القمح ممتلئاً، ويكون ساراً جداً للحصاد؛ وكلا التشبيهين يشيران إلى مدى سرور ظهور الله لشعبه ولأجلهم، وحضوره معهم، ونور وجهه عليهم، وحمايته لهم؛ انظر إشعياء 4: 5؛ وهكذا (الترجوم):
"بركات وتعزيات سآتي بها إليهم سريعاً، كحر يحرق بفعل الشمس، وكغيمة ندى في حر الحصاد:"
وإن كان يمكن فهم المقطع كله بمعنى مختلف تماماً، كما فعل البعض؛ وهو أنه رغم أن الرب قد يبدو لبرهة غير مكترث بما يجري في الأسفل، إلا أنه في السماء يعاين ما يُفعل، وينظر بنوع من السخط والغضب إلى أعدائه، كما تنظر الشمس بحرها المحرق إلى البقول فتجففها؛ وكغيمة تأتي بنوى عظيمة أو مطر يكون ضاراً جداً في وقت الحصاد؛ وهذا المعنى يبدو أكثر اتفاقاً مع السياق.
5فَإِنَّهُ قَبْلَ الْحَصَادِ، عِنْدَ تَمَامِ الزَّهْرِ، وَعِنْدَمَا يَصِيرُ الزَّهْرُ حِصْرِمًا نَضِيجًا، يَقْطَعُ الْقُضْبَانَ بِالْمَنَاجِلِ، وَيَنْزِعُ الأَفْنَانَ وَيَطْرَحُهَا. فَإِنَّهُ قَبْلَ الْحَصَادِ،
أو القطاف: حيث يستمر التشبيه السابق؛ أي قبل أن تنضج خطط وتصاميم الشعوب الموصوفة أعلاه للتنفيذ، والذين وعدوا أنفسهم بحصاد كبير من جيرانهم.
عِنْدَ تَمَامِ الزَّهْرِ،
عندما يصير برعم الكرمة عنباً تاماً وإن كان فجاً؛ أي عندما تُوضع الخطة بالكامل، وبحكمة بارعة ومتقنة كما تخيلوا، رغم أنها لم تدخل حيز التنفيذ بعد.
وَعِنْدَمَا يَصِيرُ الزَّهْرُ حِصْرِمًا نَضِيجًا،
أي تسير الأمور بوعود طيبة، كما لو أن النتيجة ستكون وفق التوقعات، وسيكون هناك قطاف جيد. وقد يشير "الحِصرم" (العنب الحامض) إلى طبع وتصرف هؤلاء القوم تجاه أعدائهم، وسوء نيتهم وعداوتهم لهم؛ أو إلى الخطايا والآثام التي من أجلها حلت بهم الدينونة المعلنة.
يَقْطَعُ الْقُضْبَانَ بِالْمَنَاجِلِ، وَيَنْزِعُ الأَفْنَانَ وَيَطْرَحُهَا.
كما يفعل الكرّام؛ أو بالأحرى كمن ليس لديه نية طيبة تجاه الكرمة، فيقطعها بالمناجل، لا ليجعلها أفضل بل أسوأ، ويقطع ليس الأجزاء الميتة الذابلة وعديمة الفائدة، بل القضبان التي تحمل براعم وأزهاراً، أو عنباً فجاً، وحتى فروعاً كاملة عليها عناقيد، ويأخذها ويطرحها لتُداس بالأقدام أو تُلقى في النار؛ هكذا فإن الرب، أو ملك آشور (الأداة في يد الله)، سيقطع الكوشيين أو المصريين بالسيف، صغاراً وكباراً، عندما يفشل مشروعهم ونجاحهم الموعود: أو يُفهم هذا على دمار جيش سنحاريب بواسطة الملاك، عندما كان ممتلئاً بالتوقعات لأخذ أورشليم ونهب تلك المدينة الغنية. ويفسر راشي وكيمحي ذلك بدمار جيوش يأجوج ومأجوج. وجاء في (الترجوم):
"ويقتل أمراء الشعب بالسيف، وعظماءهم يزيلهم ويجعلهم يعبرون".
التلمود البابلي (سنهدرين – 98)
[ذكر الرابي حما بن حنينا: لن يأتي ابن داود (المسيح) حتى ينتهي سُلطان الحكم الهزيل والضعيف من إسرائيل، ومصداق ذلك قوله: "ويقطع القضبان بالمناجل" (إش 18: 5)، حيث يتبعها في السياق قوله: "في ذلك الوقت تُقدم هدية لرب الجنود من شعب طويل وأجرد" (إش 18: 7)].
6تُتْرَكُ مَعًا لِجَوَارِحِ الْجِبَالِ وَلِوُحُوشِ الأَرْضِ، فَتُصَيِّفُ عَلَيْهَا الْجَوَارِحُ، وَتُشَتِّي عَلَيْهَا جَمِيعُ وُحُوشِ الأَرْضِ. تُتْرَكُ مَعًا لِجَوَارِحِ الْجِبَالِ وَلِوُحُوشِ الأَرْضِ،
أي تُترك القضبان والأفنان معاً؛ وثمارها التي لكونها فجة (غير ناضجة)، يزهد فيها البشر، لكن تتغذى عليها الطيور والوحوش؛ الطيور تقتات على الثمار، والوحوش على القضبان الطرية والأفنان الخضراء؛ وهذا يرمز إلى دمار الكوشيين أو المصريين، وأن الأمراء والشعب سيسقطون معاً، ويُتركون بلا دفن، ليصبحوا فريسة لطيور السماء ووحوش الأرض؛ أو يرمز لدمار الجيش الآشوري الذي قتله الملاك، كما يرى "ابن عزرا" وغيرهم؛ وإن كان البعض يفسرها عن جيش يأجوج ومأجوج كما ذُكر سابقاً؛ انظر (حزقيال 39: 17).
فَتُصَيِّفُ عَلَيْهَا الْجَوَارِحُ، وَتُشَتِّي عَلَيْهَا جَمِيعُ وُحُوشِ الأَرْضِ.
ليس المعنى أن أحدهما يتغذى عليها صيفاً والآخر شتاءً؛ أي الجوارح صيفاً حين تطير في أسراب كبيرة، والوحوش شتاءً حين تجتمع بأعداد ضخمة كما يرى كيمحي؛ بل المعنى أن المذبحة ستكون عظيمة جداً، بحيث تكفي كلاهما طوال العام.
7فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تُقَدَّمُ هَدِيَّةٌ لِرَبِّ الْجُنُودِ مِنْ شَعْبٍ طَوِيل وَأَجْرَدَ، وَمِنْ شَعْبٍ مَخُوفٍ مُنْذُ كَانَ فَصَاعِدًا، مِنْ أُمَّةٍ ذَاتِ قُوَّةٍ وَشِدَّةٍ وَدَوْسٍ، قَدْ خَرَقَتِ الأَنْهَارُ أَرْضَهَا، إِلَى مَوْضِعِ اسْمِ رَبِّ الْجُنُودِ، جَبَلِ صِهْيَوْنَ. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تُقَدَّمُ هَدِيَّةٌ لِرَبِّ الْجُنُودِ
ليس في نفس وقت حدوث هذا الدمار تماماً، بل بعده بمدة، وتحديداً في زمن الإنجيل؛ فإليه يشير هذا الجزء من النبوة.
مِنْ شَعْبٍ طَوِيل وَأَجْرَدَ،
وهذا يوضح ما هي "الهدية" التي ستُقدم للرب؛ إنها "شعب"، ولذلك ليست هي غنائم جيش سنحاريب كما يفسرها البعض؛ ولا هي شعب اليهود الذين سيأتي بهم الأمم من كل الشعوب في الأيام الأخيرة كتقدمة للرب كما يرى "ابن عزرا" وكيمحي (انظر إشعياء 11: 11 )؛ بل هم الكوشيون أو المصريون الموصوفون في (إشعياء 18: 2) وهنا أيضاً، الذين حين يهتدون، سيبسطون أيديهم إلى الله، ويخضعون له، ويقدمون أنفسهم روحاً وجسداً كذبيحة مقبولة لديه؛ حينها تتحقق هذه النبوات في (مزمور 68: 31)، والتي بدأت بهداية الخصي الحبشي (أعمال 8: 27)، وتلتها نماذج أخرى في زمن الرسل والعصور اللاحقة.
وَمِنْ شَعْبٍ مَخُوفٍ مُنْذُ كَانَ فَصَاعِدًا،
أي "من" (بعض) هذا الشعب، لا كلهم؛ والمقصود هم نفس الشعب المذكور آنفاً، واستُخدم هذا الأسلوب العبري لبيان التمييز بينهم.
مِنْ أُمَّةٍ ذَاتِ قُوَّةٍ وَشِدَّةٍ وَدَوْسٍ، قَدْ خَرَقَتِ الأَنْهَارُ أَرْضَهَا،
استُبقت هذه الصفات المذكورة في الفقرات السابقة لبيان أن المقصود هم نفس الشعب المذكور في (إشعياء 18: 2)، ولتعظيم غنى نعمة الله في هداية شعب يحمل مثل هذه الصفات؛ مما يظهر أن الأمر لم يكن بسببهم أو استحقاق منهم، بل بفضل الله وإرادته الحرة.
إِلَى مَوْضِعِ اسْمِ رَبِّ الْجُنُودِ، جَبَلِ صِهْيَوْنَ.
إلى هنا تُجلب الهدية، وهنا يقدم الأشخاص أنفسهم للرب، أي في جبل صهيون "كنيسة الله"؛ حيث يُنادى باسم الرب ويُدعى به، ويُكرز بكلمته، وتُقام وصاياه، وحيث يسكن ويمنح حضوره.
⪢