⪡ 1أَرْسِلُوا خِرْفَانَ حَاكِمِ الأَرْضِ مِنْ سَالِعَ نَحْوَ الْبَرِّيَّةِ إِلَى جَبَلِ ابْنَةِ صِهْيَوْنَ. هذا الإصحاح هو استمرار للنبوة ضد موآب؛ وفيه يقدم النبي نصيحة جيدة، ولكنه في حال إهمالها تكبُّراً -وهو ما توقعه- يهدد بالخراب، ويحدد وقتاً له. فهو ينصح الموآبيين بدفع جزيتهم لملك يهوذا، وإلا فسيُطردون من أرضهم كطائر طُرد من عشه (العدد 1). وينصحهم بحماية شعب اليهود الذين سيهربون إليهم بسبب الجيش الآشوري وعدم خيانتهم (العدد 3)، ولأجل هذه الغاية يصف ملك يهوذا بصفات عظيمة ويؤكد لهم استقرار مملكته (العدد 5). ولكن بسبب كبريائهم وسخطهم وكذبهم، يُهددون بالدمار، ويُصورون وهم يولولون تحته (العدد 6) بسبب سلب مدنهم وكرومهم وحقولهم، حتى لا يبقى لهم حصاد ولا قطاف عنب ولا جمع لثمار الصيف ولا فرح بهذه الأمور (العدد 8)، الأمر الذي أعرب النبي نفسه عن تأثره به (العدد 11). وبعد ملاحظة لجوء الموآبيين إلى آلهتهم دون جدوى (العدد 12)، يُختم الإصحاح بالتأكيد على خراب موآب المحتم، وتحديد الوقت الذي سيكون فيه ذلك (العدد 13).
أَرْسِلُوا خِرْفَانَ حَاكِمِ الأَرْضِ
أو الجزية، كما يفسرها (الترجوم) بحق. فالموآبيون، بعد أن هزمهم داود، دفعوا له الجزية (2 صموئيل 8: 2)، وعندما انقسمت المملكة في زمن رحبعام، كانت الجزية تُدفع لملوك إسرائيل، واستمر ذلك حتى زمن أخاب، عندما تمرد الموآبيون ورفضوا دفعها (2 ملوك 3: 4). وهذه الجزية، كما يظهر من المقطع المشار إليه، كانت تُدفع خرفاناً وكباشاً؛ والتي يُؤمرون الآن بدفعها لملك يهوذا، وارث داود الشرعي وخليفته في مملكته؛ ويُفترض أن المقصود بـ "حاكم الأرض" هو حاكم أرض يهوذا، وكان الملك الحاكم وقتها هو "حزقيا"؛ ولكن بالأحرى يُقصد بـ "حاكم الأرض" ملك موآب، إذ يمكن ترجمة الكلمات بما يتوافق أكثر مع اللغة والنبرات: "أرسلوا الخروف (أو الخرفان)، يا حاكم الأرض"؛ وإن كان آخرون يترجمونها: "أرسلوا خروف حاكم الأرض"؛ والمعنى إما: يا ملك موآب أرسل الجزية المستحقة؛ أو يا شعب الأرض أرسلوا الجزية التي يدين بها حاكمكم لملك يهوذا؛ وهكذا يفهمها راشي عن ملك موآب. والبعض يفسر "حاكم الأرض" عن الله نفسه، مدبر العالم؛ ويأخذون المعنى على أن الموآبيين مأمورون بإرسال خروف أو خرفان للذبيحة لإله الأرض كلها لاسترضائه والتكفير عن خطاياهم؛ وقيل هذا إما بجدية، أو بتهكم لكون الأوان قد فات؛ لكن المعنى الأول هو الأفضل. وفي التلمود طُبقت على نبوخذ نصر، حاكم الأرض، الذي جاء إلى جبل ابنة صهيون عن طريق الصخور والجبال. ويطبقها (الترجوم) على المسيح، مفسراً إياها هكذا.
"سيأتون بجزية لمسيح إسرائيل، القوي عليهم".
ويفسرها جيروم عن المسيح، حمل الله، حاكم العالم؛ الذي انحدر من "راعوث" الموآبية، التي يفترض أنها المقصودة بكلمة "صخرة القفر" (Sela) كما ترجم العبارة التالية:
مِنْ سَالِعَ نَحْوَ الْبَرِّيَّةِ إِلَى جَبَلِ ابْنَةِ صِهْيَوْنَ.
وفقاً لكيمحي وغيره، كانت "سالع" المدينة الرئيسية في مملكة موآب. والكلمة تعني "صخرة"؛ وهي نفسها "بترا" (Petra)، المدينة الرئيسية في بلاد العرب، والتي منها اشتق اسم "بلاد العرب البترائية" (المنحوتة في الصخر). ويأخذها البعض على أنها "سالع" المدينة الرئيسية في أدوم، التي سُميت لاحقاً "يقطئيل" (2 ملوك 14: 7)، وكانت مدينة حدودية تقع على تخوم موآب وأدوم من جهة الجنوب؛ وكما كانت برية الأردن على حدود موآب من الشمال، ويُظن أنها المقصودة هنا؛ أو وفقاً للبعض، هي سهول أريحا، وهي نفسها برية يهوذا حيث جاء يوحنا المعمدان كارزاً؛ والتي تقع في الطريق من سالع أو بترا (مدينة موآب الرئيسية) إلى أورشليم. ويقول "سترابو" عن بترا، عاصمة الأنباط، إنها تقع في سهل محاط بالصخور والمنحدرات، وبداخلها ينابيع وحدائق، وخارجها بلاد شاسعة معظمها قفر، خاصة باتجاه يهوذا، ومن هنا تستغرق الرحلة ثلاثة أو أربعة أيام إلى أريحا؛ وبذلك يكون المعنى: أرسلوا الخرفان، أو الجزية، من سالع أو بترا، مدينة موآب الرئيسية؛ أرسلوها، أقول، إلى برية يهوذا، أو عن طريقها، إلى جبل صهيون أو أورشليم، عاصمة يهوذا ومقر ملكها.
ترجوم يوناثان لإشعياء
[سوف يبعثون بالجزية إلى مسيح إسرائيل -ذاك الذي يستمد قوته وظفره على الذين في البرية- مرسلةً إلى جبل كنيسة صهيون. وستكون بنت موآب كطائرٍ ذُعر فطُرد من وكره وتاه في الفلاء، إذ تُسبى وتُساق إلى معابر أرنون. يا مملكة موآب، التمسي النصيحة وأعملي المشورة، واجعلي حمايتكِ (ظلكِ) للأبرار كستار الليل في رابعة النهار؛ أخفي المطرودين ولا تسلمي المشردين. ليجد المطرودون فيكِ مأمناً، وكوني لهم حرزاً من وجه المخربين؛ فقد أوشك الظالم على الفناء، وباد المُخرِب، وانتهى عهد الذين يدوسون الأرض بغيهم. وحينئذٍ يُثبِّت مسيح إسرائيل بالصلاح كرسيه، ويتربع عليه بالأمانة في مدينة داود، يقضي بين الناس ويطالب بالعدل ويحقق الحق].
2وَيَحْدُثُ أَنَّهُ كَطَائِرٍ تَائِهٍ، كَفِرَاخٍ مُنَفَّرَةٍ تَكُونُ بَنَاتُ مُوآبَ فِي مَعَابِرِ أَرْنُونَ. وَيَحْدُثُ
أو "وإلا فسيكون"؛ أي إذا لم تدفعوا هذه الجزية.
أَنَّهُ كَطَائِرٍ تَائِهٍ، كَفِرَاخٍ مُنَفَّرَةٍ
أي كطائر هجر عشه، ويتيه في الأنحاء، وفراخه قد طُردت من العش وهي بالكاد مكسوة بالريش وعاجزة عن تدبير أمرها، فتضطرب هنا وهناك مرتعدة وخائفة، انظر أمثال 26: 2.
تَكُونُ بَنَاتُ مُوآبَ فِي مَعَابِرِ أَرْنُونَ.
أي يُطردن من بيوتهن، تائهات صعوداً وهبوطاً، لا يعرفن أين يذهبن؛ عاجزات عن مساعدة أنفسهن، وفي أقصى حالات الذعر والرعب، يهربن إلى تخوم أرضهن، كما كانت معابر أرنون؛ انظر عدد 21: 13.
جيروم (هيرونيموس): "أرسلوا خروف (حمل) متسلط الأرض، من صخرة البرية إلى جبل ابنة صهيون". إن التفسير الذي نقدمه ليس تاريخياً بل هو نبوة. فكل نبوة مغلفة بألغاز وعبارات دقيقة؛ فبينما تتحدث عن شيء، تنتقل إلى آخر، لأنه لو حافظت على الترتيب المكتوب لكانت رواية لا نبوة. هذا إذن هو المعنى: يا موآب، الذي سيهيج فيه الأسد والذي لا ينجو منه أحد ممن تبقى، تعزَّ بهذا: إن الحمل الطاهر الذي سيرفع خطايا العالم، ذاك الذي سيتسلط على العالم، سيخرج منك. من صخرة البرية—أي من راعوث التي ترملت بموت زوجها—وُلد عوبيد من بوعز، ويسى من عوبيد، وداود من يسى، والمسيح من داود. وسوف نفسر "جبل ابنة صهيون" بأنه إما مدينة أورشليم نفسها، أو وفقاً للفهم المقدس، الكنيسة التي يجب أن تتأسس عند قمة الفضائل.
3هَاتِي مَشُورَةً، اصْنَعِي إِنْصَافًا، اجْعَلِي ظِلَّكِ كَاللَّيْلِ فِي وَسَطِ الظَّهِيرَةِ، اسْتُرِي الْمَطْرُودِينَ، لاَ تُظْهِرِي الْهَارِبِينَ. هَاتِي مَشُورَةً، اصْنَعِي إِنْصَافًا،
يشير هذا إما إلى ما سبق، أي أنهم سيأخذون بالنصيحة المقدمة لهم ويفعلون ما هو عادل وصحيح بدفع الجزية لملك يهوذا؛ أو يشير إلى ما سيتبع، أي أنهم سيدخلون في تشاور (ملك موآب مع عظمائه) ويقررون فعل الصواب بحماية وإيواء اليهود المنكوبين الذين سيهربون إليهم من العدو.
اجْعَلِي ظِلَّكِ كَاللَّيْلِ فِي وَسَطِ الظَّهِيرَةِ،
وقت الحرارة الشديدة، والتي يُشبه بها الجيش الآشوري في قوته وضراوته والأذى الذي يلحقه؛ والموآبيون هنا يُنصحون بأن يجعلوا لهم ظلاً واسعاً وقوياً كالليل المظلم، أي أن يحموا اليهود في ضيقهم وينعشوهم ويعزوهم فيه؛ انظر إشعياء 4: 6.
اسْتُرِي الْمَطْرُودِينَ،
أولئك الذين طُردوا من أرضهم بسبب ضراوة واضطهاد العدو، استقبلوهم وأخفوهم كما فعلت راحاب بالجاسوسين.
لاَ تُظْهِرِي الْهَارِبِينَ.
أي الهارب من مسقط رأسه كطائر من عشه مضطراً؛ مثل هذا الشخص، أو كل من يكون في مثل هذه الحالة، لا تكشفوا عن مكان وجودهم، ولا تخونوهم أو تسلموهم ليد عدوهم.
4لِيَتَغَرَّبْ عِنْدَكِ مَطْرُودُو مُوآبَ. كُونِي سِتْرًا لَهُمْ مِنْ وَجْهِ الْمُخَرِّبِ، لأَنَّ الظَّالِمَ يَبِيدُ، وَيَنْتَهِي الْخَرَابُ، وَيَفْنَى عَنِ الأَرْضِ الدَّائِسُونَ. لِيَتَغَرَّبْ عِنْدَكِ
ليس أولئك الذين طردهم الله، بل الذين هم شعب الرب ويقرُّ ببنوتهم له رغم أن العدو طردهم أو اضطروا للهرب وترك بلادهم؛ ليكونوا نزلاء في أرضك، وليبقوا هناك لفترة، وليقيموا في خصوصية وسلام.
مَطْرُودُو مُوآبَ. كُونِي سِتْرًا لَهُمْ مِنْ وَجْهِ الْمُخَرِّبِ،
أي يا ملك موآب، أو مملكة موآب كما في (الترجوم)، اخفِ واحْمِ اليهود الذين سيهربون إليك طلباً للملجأ من وجه مخرب أرضهم وممتلكاتهم (سنحاريب ملك آشور)؛ ولتشجيعهم على فعل ذلك، يُلمح النص إلى أنهم لن يظلوا عبئاً عليهم طويلاً، وسيكونون قريباً في وضع يسمح لهم بمكافأتهم ومساعدتهم في ضيق مماثل.
لأَنَّ الظَّالِمَ يَبِيدُ،
أو "العاصر" أو "الضاغط"؛ الذي ظلمهم وعصر ممتلكاتهم من أيديهم، وحلب ثرواتهم بل وامتص دماءهم؛ والمقصود العاهل الآشوري الذي كان وقته قصيراً، وسرعان ما وُضعت نهاية لكل مخططاته واضطهاداته.
وَيَنْتَهِي الْخَرَابُ،
من الأرض، حيث اضطر للرحيل عنها.
وَيَفْنَى عَنِ الأَرْضِ الدَّائِسُونَ.
أي الجيش الآشوري وضباطه الذين أُبيدوا جميعاً في ليلة واحدة بواسطة ملاك، 2 ملوك 19: 35.
5فَيُثَبَّتُ الْكُرْسِيُّ بِالرَّحْمَةِ، وَيَجْلِسُ عَلَيْهِ بِالأَمَانَةِ فِي خَيْمَةِ دَاوُدَ قَاضٍ، وَيَطْلُبُ الْحَقَّ وَيُبَادِرُ بِالْعَدْلِ. فَيُثَبَّتُ الْكُرْسِيُّ بِالرَّحْمَةِ،
أي عرش حزقيا وحكمه على يهوذا، الذي صار أكثر رسوخاً وثباتاً بعد هزيمة الجيش الآشوري، بفضل رحمة الله الممنوحة له، وبسبب الرحمة التي مارسها هو بين رعاياه؛ انظر أمثال 20: 28. كان حزقيا رمزاً للمسيح، وعرشه رمزاً لعرش المسيح، والهدف النهائي للنبؤة قد يكون ثبات مملكة المسيح؛ وهكذا جاء في (الترجوم):
"حينئذ يُثبت عرش مسيح إسرائيل بالصلاح:"
وَيَجْلِسُ عَلَيْهِ بِالأَمَانَةِ
وهو ما لا يقصد به حقيقة جلوسه هناك بقدر ما يقصد استمراره (المعبر عنه بالجلوس) وثبات واستقرار حكمه، أو حكمه بأمانة وحق؛
فِي خَيْمَةِ دَاوُدَ قَاضٍ،
والمقصود قصره أو بيته في أورشليم، تلميحاً لكونه كان راعياً قبل أن يصبح ملكاً، أو إشارة إلى الحالة غير المستقرة لبيت داود؛ وكان هذا رمزاً لكنيسة الله حيث يجلس المسيح ويملك كملك؛ انظر عاموس 9: 11. وجاء في (الترجوم):
"في مدينة داود؛" أي أورشليم كما يرى "ابن عزرا".
وَيَطْلُبُ الْحَقَّ
مؤدياً دور القاضي العادل والأمين والمجتهد؛ ساعياً لإنصاف الفقراء والمحتاجين، وباحثاً في القضايا التي تُعرض أمامه ليجد الحق وينتصر له.
وَيُبَادِرُ بِالْعَدْلِ.
فلا يؤخر القضاء أو يماطل في القضية أو يؤجل الحكم وتنفيذه، بل ينجز الأمر كله بأسرع ما يمكن؛ وكل هذه الصفات، رغم أنها وُجدت في حزقيا، إلا أنها توجد بشكل أسمى وأعظم في المسيح.
جيروم (هيرونيموس): "فيُثبت الكرسي بالرحمة، ويجلس عليه بالحق في خيمة داود قاضٍ يطلب الحق ويُسرع بالعدل". يفسر العبرانيون هذا بأنه يعني حزقيا، وهو رجل بار، بعد أن طرد الآشوريين، سيحتفظ بعرش داود ويحكم يهوذا، ويحكم لشعب الله بأن يكون خاضعاً له بالحق. ويفهم آخرون أن النص عن المسيح؛ فبتحول ضد المسيح إلى تراب وبزوال الظالم الذي داس كل الأرض، سيأتي المسيح الملك ويجلس في خيمة داود ويجازي كل إنسان حسب أعماله في يوم الدينونة. ولا يوجد أدنى شك في أن هذا الأصحاح يتنبأ عن المسيح. ولكننا قادرون أيضاً على فهم الشيء نفسه في المجيء الأول، وأن نبرهن في "خيمة الكنيسة" أن الانتصارات المتلاحقة لكنائس موآب في كل الأرض تشهد لسيادة المسيح.
6قَدْ سَمِعْنَا بِكِبْرِيَاءِ مُوآبَ الْمُتَكَبِّرَةِ جِدًّا عَظَمَتِهَا وَكِبْرِيَائِهَا وَصَلَفِهَا بُطْلِ افْتِخَارِهَا. قَدْ سَمِعْنَا بِكِبْرِيَاءِ مُوآبَ
هذه كلمات النبي، إما باسم الرب، أو بلسان اليهود، أو غيرهم من الأمم الذين سمعوا تكراراً ومن أطراف عدة عن الكبرياء المفرط لهذا الشعب، وتناهت إليهم قصص كثيرة عنه كانت تنبئ بخرابهم؛ فالكبرياء يسبق السقوط.
الْمُتَكَبِّرَةِ جِدًّا
رغم أن أصله كان دنيئاً وفاضحاً؛ ولذلك لا يوجد سبب وجيه للأمل أو التوقع بأنه سيأخذ بالنصيحة المذكورة أعلاه أو يقدم الخدمات الجليلة لليهود التي حُث عليها؛ فقد كان كبرياؤه لدرجة أنه سيحتقر مشورة الله ولن ينحني أبداً ليفعل أي معروف لشعبه.
عَظَمَتِهَا وَكِبْرِيَائِهَا وَصَلَفِهَا
أي احتقاره لشعب الله وغضبه عليهم.
بُطْلِ افْتِخَارِهَا.
أو "قوته لن تكون هكذا"؛ أي كما هو سخطه: لن يكون قادراً على فعل ما قاله في كبريائه وسخطه؛ فكل أفكاره وتدابيره الشريرة، وكل تعبيراته المتغطرسة والساخطة، لن تعني شيئاً ولن يكون لها أي تأثير، لأن الله يقاوم المستكبرين؛ انظر إرميا 48: 30. ويمكن ترجمتها: "ليس حقاً، ذلك الذي لعرافيه"؛ أي كلماتهم وأعمالهم، وما يقولون أو يفعلون؛ كما استُخدمت الكلمة في إشعياء 44: 25.
7لِذلِكَ تُوَلْوِلُ مُوآبُ. عَلَى مُوآبَ كُلُّهَا يُوَلْوِلُ. تَئِنُّونَ عَلَى أُسُسِ قِيرَ حَارِسَةَ، إِنَّمَا هِيَ مَضْرُوبَةٌ. لِذلِكَ تُوَلْوِلُ مُوآبُ. عَلَى مُوآبَ
موآبي ينوح على موآبي آخر؛ الحي على الميت؛ أو جزء من البلاد على جزء آخر؛ أو يولولون لبعضهم البعض بالتناوب مجيبين بعضهم بعضاً.
كُلُّهَا يُوَلْوِلُ.
كل موآبي، أو كل بلاد موآب تولول لكونها خربة في كل مكان.
تَئِنُّونَ عَلَى أُسُسِ قِيرَ حَارِسَةَ، إِنَّمَا هِيَ مَضْرُوبَةٌ.
كانت هذه مدينة رئيسية جداً في أرض موآب، ومدينة قوية للغاية؛ انظر 2 ملوك 3: 25. وتعني، وفقاً للبعض، "مدينة الشمس"، لربما لأن الشمس كانت تُعبد هناك؛ أو وفقاً لآخرين، "مدينة الفخار" أو "مدينة الطوب" لأن بيوتها وأسوارها بُنيت من الطوب؛ وهكذا ترجمتها "الفولجاتا" اللاتينية: "أسوار الطوب المحروق". والآن كان لزاماً أن تُهدم هذه المدينة القوية حتى الأسس، بحيث تنكشف، مما يسبب الحزن لسكانها وسكان الأماكن الأخرى. ويفسر كيمحي "الأسس" بالعظماء والأمراء في موآب؛ انظر إرميا 48: 31؛ وهكذا جاء في (الترجوم):
"ويولولون على رجال مدينة قوتهم؛"
ويرى "ر. يونان" أنها تعني رجال الجيش، أساس المملكة؛ وهكذا يرى "بن ملك". والكلمة المترجمة "أسس" تعني أيضاً "قناني" أو "زقاق"، وهكذا فهمها "ابن عزرا" و"أبيندانا" هنا؛ وبناءً عليه يمكن ترجمة الكلمات هكذا: "تئنون على زقاق قير حارسة، إنها حقاً مكسورة"؛ وهذا يتفق مع معنى الكلمة في هوشع 3: 1 ومع ما يتبع بخصوص كرم "شبمة"؛ ويبدو أن سبب المناحة هو أنه لن يكون هناك خمر، وستبقى الزقاق بلا فائدة ومكسورة.
8لأَنَّ حُقُولَ حَشْبُونَ ذَبُلَتْ. كَرْمَةُ سِبْمَةَ كَسَّرَ أُمَرَاءُ الأُمَمِ أَفْضَلَهَا. وَصَلَتْ إِلَى يَعْزِيرَ. تَاهَتْ فِي الْبَرِّيَّةِ، امْتَدَّتْ أَغْصَانُهَا، عَبَرَتِ الْبَحْرَ. لأَنَّ حُقُولَ حَشْبُونَ ذَبُلَتْ.
بسبب القحط؛ أو بسبب علف جيش العدو ودوسهم عليها؛ أو لأنه لم يبقَ رجال لفلاحتها وتسميدها. وعن "حشبون" انظر تعليق جيل على "إشعياء 15: 4". ويبدو أنها كانت مكاناً مشهوراً بالحقول والمراعي، وكانت مكاناً مثمراً جداً وجيد الري؛ ومن هنا نقرأ عن "برك السمك في حشبون" في نشيد الأنشاد 7: 4؛ وإن كان "ابن عزرا" و"كيمحي" يريان أن الكلمة تعني "كروم"، كما يفرضان معناها في تثنية 32: 32.
كَرْمَةُ سِبْمَةَ كَسَّرَ
وتُسمى "شبام" و"شبمة" في عدد 32: 3 ويُعتقد أنها "سبأ" (Seba) عند بطليموس ؛ ويبدو أنها كانت مشهورة بالكروم وكروم العنب.
أُمَرَاءُ الأُمَمِ أَفْضَلَهَا.
أي الكلدانيون وجيشهم، وقادتهم وكبار ضباطهم، الذين تعاملوا معها كما يفعل الأتراك بالكروم أينما وجدوها، إذ يدمّرونها؛ رغم أن راشي وكيمحي يفسران كل هذا مجازياً، هنا وفي العبارات السابقة، عن سكان هذه الأماكن، وجمهور عامة الشعب وأمرائهم، حيث قُتل بعضهم وسُبي آخرون؛ وإلى هذا المعنى ذهب (الترجوم):
"لأن جيوش حشبون قد نُهبت، وجمهور شبمة قد قُتلوا، وملوك الأمم قد قتلوا حكامهم:"
وَصَلَتْ إِلَى يَعْزِيرَ.
والمقصود إما الجيش الكلداني، أو الموآبيون الذين هربوا إلى هنا؛ أو بالأحرى يُفهم هذا عن كرمة "شبمة"، تعبيراً عن جودتها وانتشارها الواسع الذي وصل حتى "يعزير"؛ والتي كانت -كما يقول جيروم - على بُعد خمسة عشر ميلاً من حشبون، وتُسمى "يعزير" في عدد 21: 32:
تَاهَتْ فِي الْبَرِّيَّةِ،
أي برية موآب، تثنية 2: 8؛ ليس أمراء الأمم ولا الموآبيون هم الذين تاهوا، بل الكروم وأغصانها التي زحفت والتفت يميناً ويساراً كما يتيه البشر.
امْتَدَّتْ أَغْصَانُهَا،
أي أغصان كرمة شبمة.
عَبَرَتِ الْبَحْرَ.
أي البحر الميت، المسمى "بحر يعزير" في إرميا 48: 32؛ أو بالأحرى بحيرة بالقرب من تلك المدينة.
9لِذلِكَ أَبْكِي بُكَاءَ يَعْزِيرَ عَلَى كَرْمَةِ سِبْمَةَ. أُرْوِيكُمَا بِدُمُوعِي يَا حَشْبُونُ وَأَلْعَالَةُ، لأَنَّهُ عَلَى قِطَافِكِ وَعَلَى حَصَادِكِ قَدْ وَقَعَتْ جَلَبَةٌ. لِذلِكَ أَبْكِي بُكَاءَ يَعْزِيرَ عَلَى كَرْمَةِ سِبْمَةَ.
أي أبكي على الواحدة كما فعلتُ مع الأخرى، لكون كلا المكانين مع ثمار ما حولهما قد دُمروا بيد العدو؛ أو "لذلك ببكاء سأبكي" (نواح شديد جداً، وهو أسلوب عبري معتاد) على "يعزير" و"جفنة شبمة": يصور النبي هنا الموآبيين وهم يبكون على كرومهم بصفة خاصة، لكونهم شعباً مدمناً على السكر، وهو الوضع الذي وُلد فيه أبوهم؛ ومن هنا قيل إن "باخوس" (إله الخمر) هو مؤسس العديد من مدنهم، انظر إرميا 48: 32. وجاء في (الترجوم):
"كما جلبتُ جيوشاً ضد يعزير، هكذا سآتي بقاتلين ضد شبمة؛"
أُرْوِيكُمَا بِدُمُوعِي
أي أذرف دموعاً غزيرة، انظر مزمور 6: 6:
يَا حَشْبُونُ وَأَلْعَالَةُ،
لربما تلميحاً إلى برك السمك في الأولى (نشيد 7: 4)؛ وعن هذه الأماكن، انظر التعليق على "إشعياء 15: 4".
لأَنَّهُ عَلَى قِطَافِكِ وَعَلَى حَصَادِكِ قَدْ وَقَعَتْ جَلَبَةٌ.
أي توقف، بحيث لم يعد يُسمع؛ والمقصود الغناء والهتاف الذي اعتاد العمال ترديده أثناء جمع ثمار الصيف أو حصد المحصول، وهو ما كانوا يتسلون به ويسلون رفاقهم فتمضي أوقاتهم وأعمالهم بمتعة أكبر؛ أو يقصد ذلك الفرح العظيم والهتاف الذي يعبرون عنه عند انتهاء كل شيء، وهو أمر لا يزال موجوداً بيننا إلى اليوم؛ ولكنه في موآب قد انتهى الآن، لأن العدو دمر ثمار صيفهم وحصادهم؛ وإن كان راشي وكيمحي يفسران هذا "الهتاف" عن صرخة العدو والمخربين والناهبين عند هجومهم على ثمار الصيف والحصاد وقت تدميرها؛ وهكذا جاء في (الترجوم):
"على حصادكِ وعلى قطافكِ، قد سقط المخربون؛"
وهكذا يترجم "نولديوس" الكلمات: "لأن على ثمار صيفكِ وعلى حصادكِ سيسقط الهتاف"؛ أي هتاف العدو المخرب لثمارهم وحصادهم؛ ويبدو أن هذا هو المعنى الصحيح، لكونه يتفق مع إرميا 48: 32، بينما يُلاحظ توقف النوع الآخر من الهتاف في العدد التالي (إشعياء 16: 10).
10وَانْتُزِعَ الْفَرَحُ وَالابْتِهَاجُ مِنَ الْبُسْتَانِ، وَلاَ يُغَنَّى فِي الْكُرُومِ وَلاَ يُتَرَنَّمُ، وَلاَ يَدُوسُ دَائِسٌ خَمْرًا فِي الْمَعَاصِرِ. أَبْطَلْتُ الْهُتَافَ. وَانْتُزِعَ الْفَرَحُ وَالابْتِهَاجُ مِنَ الْبُسْتَانِ،
أو "جُمِع"، رغم أن حصادهم لم يُجمع؛ فقد أُزيل كل سبب للفرح والابتهاج؛ إذ إن الحقل الوفير قد نُهب ودُس بالأقدام ودُمر بواسطة العدو، وتُرك خرباً بلا من يفلحه.
وَلاَ يُغَنَّى فِي الْكُرُومِ
كما كان معتاداً من قِبل الرجال الذين يجمعون العنب ويدوسون المعاصر؛ أما الآن فلن يوجد رجال في الكروم، لعدم وجود عنب ليُجمع أو يُداس، كما يتبع.
وَلاَ يُتَرَنَّمُ، وَلاَ يَدُوسُ دَائِسٌ خَمْرًا فِي الْمَعَاصِرِ.
حيث كانت الطريقة في تلك الأزمنة والبلاد هي أن يدوس الرجال العنب ويستخرجون الخمر منه بأقدامهم في أحواض أو أوعية، وليس في معاصر ببراغي وأثقال كما هو الحال الآن.
أَبْطَلْتُ الْهُتَافَ.
أي هتاف القطاف، بالسماح للعدو بالدخول بينهم، مما دمر قطافهم ومنع هتافهم وأفسد أغنيتهم.
11لِذلِكَ تَرِنُّ أَحْشَائِي كَعُودٍ مِنْ أَجْلِ مُوآبَ وَبَطْنِي مِنْ أَجْلِ قِيرَ حَارِسَ. لِذلِكَ تَرِنُّ أَحْشَائِي كَعُودٍ مِنْ أَجْلِ مُوآبَ
أي تُصدر صوتاً كما يفعل العود، وصوتاً حزيناً كتلك التي تُعزف في الجنازات؛ وهو الصوت الذي يصدر عندما يُضرب عليه أو يُعزف باليد، كما كانت هذه الأحشاء تئن تحت يد الله المؤدبة والمعاقبة؛ وحين يُضرب وتر العود، فإنه يسبب ارتعاشاً للأوتار، وهو ما يُشبه به الارتجاف الداخلي للأحشاء، وهو تعبير بليغ عن تعاطف النبي، أو من يمثّلهم؛ لأنه عندما يُلمس وتر واحد في العود، ترن بقية الأوتار. وهذه الكلمات -كما يقول كيمحي- قيلت بلسان الموآبيين؛ أي أولئك الذين نجوا وهم يندبون حالة بلادهم الخربة، والتي لابد أنها كانت عظيمة ومؤثرة؛ وقصدُ النبي من التعبير عن نفسه بهذا الأسلوب هو إظهار مدى فظاعة الأمر؛ فإذا كان الأمر مؤلماً له، فلا بد أنه أكثر إيلاماً لهم؛ وهكذا جاء في (الترجوم):
"لذلك ترن أحشاء الموآبيين كعود؛"
وعن رنين الأحشاء، انظر إشعياء 63: 15:
وَبَطْنِي مِنْ أَجْلِ قِيرَ حَارِسَ.
وهي نفسها "قير حارسة" المذكورة في (إشعياء 16: 7)، وبما أنها كانت مدينة رئيسية، فقد كان دمارها محزناً جداً للقلب. وجاء في (الترجوم):
"وتحزن قلوبهم على رجال مدينة قوتهم؛"
لكونها كانت مدينة حصينة وضعوا فيها ثقتهم؛ ولكن بدمارها ودمار سكانها، صار الأمر مؤثراً للغاية، وهو ما يتفق مع إرميا 48: 31.
12وَيَكُونُ إِذَا ظَهَرَتْ، إِذَا تَعِبَتْ مُوآبُ عَلَى الْمُرْتَفَعَةِ وَدَخَلَتْ إِلَى مَقْدِسِهَا تُصَلِّي، أَنَّهَا لاَ تَفُوزُ. وَيَكُونُ إِذَا ظَهَرَتْ، إِذَا تَعِبَتْ مُوآبُ عَلَى الْمُرْتَفَعَةِ
من البكاء هناك (إشعياء 15: 2)، أو من كثرة الذبائح والتردد من مرتفعة إلى أخرى، كما فعل "بالاق" ملك موآب؛ وبمقارنة المواضع معاً، يبدو أن هذه كانت عادة الموآبيين في ضيقهم، أن يقدموا فيضاً من الذبائح في أماكن مختلفة؛ والآن، عندما يرى الآخرون ويظهر لهم أنهم أتعبوا أنفسهم باطلاً، وأن كل صراخهم وذبائحهم ذهبت سدى، حينها سيخجلون منها ويكفون عنها ويلجأون إلى وسيلة أخرى؛ وإن كان راشي يفسرها بأنهم سئموا القتال على مرتفعات أبراجهم، وعندما يُلاحظ ذلك، سيتخذون مساراً آخر ويلجأون إلى العبادة.
وَدَخَلَتْ إِلَى مَقْدِسِهَا تُصَلِّي،
أي إلى معبد "كموش" ليصلي لذلك الصنم كي يساعده (1 ملوك 11: 7).
أَنَّهَا لاَ تَفُوزُ.
أي أن صلواته ستكون بلا أثر؛ ودعواه ستكون بلا ثمرة وبلا نجاح؛ أو "لا يستطيع"، أي أن صنمه لا يستطيع مساعدته. وهكذا يفسر كيمحي "مقْدِسه" ببيت إلهه؛ و(الترجوم) ببيت وثنيته؛ ومع ذلك، بما أن بيت أو معبد الصنم لا يُسمى أبداً "مقدساً" (Sanctuary)، فقد يُفهم على أنه مقدس الله، أي الهيكل في أورشليم؛ والمعنى أنه عندما يرى موآب أن صلاته وذبائحه للأوثان كانت باطلة، وأنه قد أرهق نفسه بخرافاته ووثنيته دون نيل أي فرج، سيفكر ويعبر عن رغبته في الصعود إلى هيكل أورشليم والصلاة لإله إسرائيل؛ لكنه لن يتمكن من ذلك بسبب العدو؛ وحتى لو تمكن من الوصول إلى هناك، فلن يفلح مع الله، لأن المرسوم قد خرج ولا يمكن إحباطه، كما يتبع. ويفسر "بن ملك" الكلمة بأنها قصر الملك.
13هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ مُوآبَ مُنْذُ زَمَانٍ. هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ مُوآبَ
أي أن هذه النبوة التي سُلمت الآن هي ما يأتي من الرب؛ هي كلمة الرب لا الإنسان، ولذلك ستتحقق بالتأكيد؛ أما متى قيلت هذه الكلمة فيتبع:
مُنْذُ زَمَانٍ.
أي منذ الأزل كما يرى البعض، فيشيرون بها إلى مرسوم الله في ذاته؛ أو منذ الوقت الذي وُجد فيه موآب أو صار أمة كما يرى آخرون؛ أو منذ الوقت الذي استأجر فيه بالاق بلعام ليلعن إسرائيل كما يرى راشي؛ أو بالأحرى منذ الوقت الذي أعلن فيه الرب فكره ومشيئته بخصوص هذا الأمر للنبي إشعياء: لأنه يجب أن تترجم: "هذه هي الكلمة التي تكلم بها الرب عن موآب حينذاك" ؛ أي في الوقت أو السنة التي مات فيها آحاز (إشعياء 14: 28)، ولوحظ ذلك لتمييزه عما تكلم به النبي، أو كان بصدد التكلم به الآن أو من هذا الوقت فصاعداً بخصوصه، كما في العدد التالي (إشعياء 16: 14).
14وَالآنَ تَكَلَّمَ الرَّبُّ قَائِلاً: «فِي ثَلاَثِ سِينِينٍَ كَسِنِي الأَجِيرِ يُهَانُ مَجْدُ مُوآبَ بِكُلِّ الْجُمْهُورِ الْعَظِيمِ، وَتَكُونُ الْبَقِيَّةُ قَلِيلَةً صَغِيرَةً لاَ كَبِيرَةً». وَالآنَ تَكَلَّمَ الرَّبُّ قَائِلاً:
أي تكلم بشيء آخر. فما يتبع هو نبوة متميزة عن السابقة، ولها تاريخ محدد لتحققها: النبوة السابقة تتعلق بالدمار التام للموآبيين على يد البابليين في زمن نبوخذ نصر، والتي تنبأ عنها إرميا (إرميا 48: 1) بلغة مشابهة جداً لإشعياء؛ وهكذا يلاحظ "راشي" أن الدمار النهائي لموآب كان على يد نبوخذ نصر؛ أما هذه النبوة فكانت ذات طبيعة أقل شأناً، وكان من المقرر إنجازها في وقت قصير، إما على يد شلمنأسر، أو سنحاريب ملك آشور، أو "أسرحدون" ابنه:
«فِي ثَلاَثِ سِينِينَ كَسِنِي الأَجِيرِ
أي في غضون ثلاث سنوات بالضبط وبدقة، لا تزيد ولا تنقص، ولا تتقدم ولا تتأخر؛ فكما أن الأجير يتفق على وقت محدد، وبمجرد انقضائه -وهو الوقت الذي غالباً ما يفكر فيه ويحصيه بدقة- يطالب بأجره وحريته. ويرى البعض أن تاريخ هذه النبوة يعود إلى تاريخ النبوة السابقة المتعلقة بالفلسطينيين، وهي السنة التي مات فيها الملك آحاز (إشعياء 14: 28)، وبذلك يكون تحققها في السنة الرابعة لحزقيا، عندما صعد شلمنأسر ضد السامرة واتخذ موآب في طريقه (2 ملوك 18: 9). ويرى آخرون أنها أُعلنت في السنة الرابعة لحزقيا عندما حاصر الآشوريون السامرة وأخذوها بعد ثلاث سنوات، ثم عادوا وانقضوا على الموآبيين؛ وآخرون يضعونها في السنة الحادية عشرة لحزقيا ويفترضون تحققها في السنة الرابعة عشرة على يد سنحاريب، في نفس الوقت تقريباً الذي صعد فيه وأخذ مدن يهوذا المحصنة وحاصر أورشليم (2 ملوك 18: 13)؛ ويتفق الكتاب اليهود مع هذا الرأي، حيث قالوا:
"بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ وَهذِهِ الأَمَانَةِ، جَاءَ سَنْحَارِيبُ مَلِكُ أَشُّورَ إِلَى يَهُوذَا (2 أخبار 32: 1)، وفي نفس الوقت أرسل تَرْتَانَ إِلَى أَشْدُودَ (إشعياء 20: 1) الذي اجتاح العمونيين والموآبيين الذين ساعدوه عندما حاصر السامرة ثلاث سنوات، لكي يتحقق ما قيل في (إشعياء 16: 14)؛ وفي نفس الوقت أرسل ملك آشور رَبْشَاقَى مِنْ لَخِيشَ إِلَى أُورُشَلِيمَ".
وعلى ذلك يلاحظ "كيمحي" في تفسير عبارة "كسني الأجير":
"كأنه يقول: لكونهم ساعدوا ملك آشور ثلاث سنوات ضد السامرة، فكان الأمر كما لو كانوا مأجورين؛ ولذلك سقطوا بيده، وصار مجد موآب خفيفاً (مُهاناً) في يد ملك آشور".
لكن آخرين يجعلونها بعد ثلاث سنوات من ذلك الوقت؛ ومن المرجح جداً أن تكون لاحقاً، حوالي السنة الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة لحزقيا، كما يرى "جاتاكر"؛ وهكذا كان تحققها في إحدى حملات "أسرحدون" الذي أضعف بلاد موآب وأفقرها جداً، وإن لم يدمرها، وكان ذلك عربوناً وضماناً للدمار الشامل الذي تم التنبؤ به سابقاً. ويترجمها "نولديوس" بـ "بعد ثلاث سنوات"؛ وكذلك "غروتيوس"؛ حيث لوحظ أن هذا قيل في السنة الأولى لحزقيا، وفي السنة الرابعة من ملكه صعد شلمنأسر ضد السامرة، وكان في طريقه بداية هذا الدمار، ولكنه كان مجرد بداية، كما يلاحظ، بل كان عربوناً للإتمام النهائي على يد نبوخذ نصر، الذي جاء بعد فترة طويلة من سنوات إشعياء الثلاث هذه.
يُهَانُ مَجْدُ مُوآبَ بِكُلِّ الْجُمْهُورِ الْعَظِيمِ،
أي بكل المدن والبلدات، وسكانها، والثروات والغنى، وهي الأمور التي افتخرت بها موآب وكانت تُعتبر أموراً ثقيلة وذات وزن؛ فهذه اعتبرها ملك آشور خفيفة وتافهة، فنهبها أو على الأقل قللها كثيراً.
وَتَكُونُ الْبَقِيَّةُ قَلِيلَةً صَغِيرَةً لاَ كَبِيرَةً».
فأولئك الذين لم يهلكوا بجيش آشور سيكونون قلائل جداً وضعفاء وبلا قوة، لكونهم قد جُرّدوا من مدنهم وثرواتهم؛ وإن كانوا بمرور الوقت، بين هذا الحين وتحقق النبوة السابقة ونبوة إرميا، قد استعادوا قوتهم وأصبحوا عديدين ومزدهرين جداً.
⪢