↰🏠 
🔝

إشعياء

فهرس الاصحاحات 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66

الاصحاح 14

فهرس الاعداد1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32
📖 - + 🔊 📚
⪡ 1 لأَنَّ الرَّبَّ سَيَرْحَمُ يَعْقُوبَ وَيَخْتَارُ أَيْضًا إِسْرَائِيلَ، وَيُرِيحُهُمْ فِي أَرْضِهِمْ، فَتَقْتَرِنُ بِهِمِ الْغُرَبَاءُ وَيَنْضَمُّونَ إِلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ. يحتوي هذا الإصحاح على نبوات عن استرداد اليهود، وسقوط ملك بابل، ودمار الإمبراطورية الأشورية، وخراب فلسطين. سبب الاسترداد (آية 1): المحرك هو رحمة الله المتميزة تجاههم؛ حيث ينضم إليهم الدخلاء (المهتدون)، ويقودهم أناس من أمم أخرى إلى أرضهم، والنتيجة هي الراحة من الحزن والخوف والعبودية القاسية. نشيد النصر (آية 4-8): يبدأ الشعب بإنشاد "مَثَل" أو نشيد ظفر بخصوص ملك بابل، متعجبين من سقوطه وناسبين الفضل للرب، مع تصوير الأرض وهي تستريح وتبتهج بعد أن كانت تُضرب منه. استقبال الهاوية للملك (آية 9-15): تصوير الموتى وسكان الهاوية وهم يستقبلونه بتهكم وسخرية، معيرين إياه بضعفه وخزيه، ومذكرين إياه بأبهته السابقة وكبريائه وعنجهيته. نهاية بلا كرامة (آية 16-23): يندهش المشاهدون من حالته المزرية، ويُحرم من الدفن الإكرامي، وتُباد عائلته الملكية وتتحول بابل إلى دمار تام بموجب قضاء الله الثابت. دينونة فلسطين (آية 28-32): تنتهي النبوة بإنذار فلسطين (بلاد الفلسطينيين) ألا تفرح بموت ملك يهوذا، لأن من سيخلفه سيكون وبالاً عليهم، بينما ينعم شعب الله بالأمان في صهيون التي أسسها الرب. لأَنَّ الرَّبَّ سَيَرْحَمُ يَعْقُوبَ وَيَخْتَارُ أَيْضًا إِسْرَائِيلَ، بينما كان اليهود في السبي، بدا وكأن الرب لا يشفق عليهم أو كأنه رفضهم تماماً؛ لكن بتخليصهم أظهر رحمته وأبان أنهم شعبه المختار ومحبوبوه. وهذا هو سبب تدمير بابل وعدم تأجيل خرابها، لأن قلب الرب تحرك بالشفقة نحو شعبه، فرحمته لهم جلبت الخراب على غيرهم. ويمكن ترجمة العبارة: "وسوف يختار أيضاً في إسرائيل"، أي يستبقي البعض منهم ويدعوهم بنعمته ليظهروا كبقية بحسب اختيار النعمة؛ وهو ما تحقق في زمن المسيح ورسله. وَيُرِيحُهُمْ فِي أَرْضِهِمْ، أو "يجعلهم يستريحون على أرضهم"؛ فالكلمة لا تعني الاستقرار فحسب بل "الراحة" التي افتقدوها في بابل. ولا شك أن هناك إشارة للوصف الأصلي لأرض كنعان بكونها "أرض راحة"؛ وإلى هنا سيُعاد اليهود ويستقرون عندما تُدمر بابل الروحية. فَتَقْتَرِنُ بِهِمِ الْغُرَبَاءُ وَيَنْضَمُّونَ إِلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ. والمقصود أن "دخلاء" (مهتدين) سينضمون للدين اليهودي ويُقبلون في الكنيسة والدولة ويثبتون في إيمانهم؛ وقد تحقق هذا جزئياً عند العودة من سبي بابل، وبشكل أعظم في أزمنة الإنجيل حين اتحد الأمم مع اليهود المؤمنين وصاروا ورثة معهم في ذات الجسد. ويطبق "كيمحي" و"بن ملك" هذا على زمن المسيا، و"راشي" على الزمن الآتي. وبسبب الكلمة المترجمة "يلتصقون" المشتقة من أصل يعني "الجرب/القشرة"، لدى اليهود مقولة: "الدُّخَلاءُ ثَقِيلُونَ عَلَى إِسْرَائِيلَ كَالْجَرَبِ". يوستينوس الشهيد: ليس الدخلاء [اليهود] بحاجة إلى عهد جديد، إذ بما أن شريعة واحدة وعينها تربط جميع المختونين، فإن الكتاب المقدس يتحدث عنهم كما يلي: "وينضم إليهم الغريب ويلتصق ببيت يعقوب".
2 وَيَأْخُذُهُمْ شُعُوبٌ وَيَأْتُونَ بِهِمْ إِلَى مَوْضِعِهِمْ، وَيَمْتَلِكُهُمْ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ فِي أَرْضِ الرَّبِّ عَبِيدًا وَإِمَاءً، وَيَسْبُونَ الَّذِينَ سَبَوْهُمْ وَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى ظَالِمِيهِمْ. وَيَأْخُذُهُمْ شُعُوبٌ وَيَأْتُونَ بِهِمْ إِلَى مَوْضِعِهِمْ، أي الشعوب التي عاش بينها اليهود في بابل، والذين أظهروا لهم عطفاً، ولا سيما الدخلاء الذين اعتنقوا دينهم؛ فهؤلاء سيرافقونهم في رحلة العودة ويمدونهم بكل الضرورات من زاد ووسائل نقل، كما سُمح لهم بذلك في مرسوم كورش (عزرا 1: 4). وسيكون لهذا العمل تحقيق أبعد في الأيام الأخيرة، عندما تأتي الأمم بأبناء وبنات إسرائيل في أحضانهم وعلى أكتافهم وعلى الخيل وفي المركبات إلى أورشليم (إشعياء 49: 22)، وهو النص الذي يشير إليه "كيمحي" كشارح لهذه الآية. وَيَمْتَلِكُهُمْ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ فِي أَرْضِ الرَّبِّ عَبِيدًا وَإِمَاءً، و"أرض الرب" هي أرض إسرائيل التي كانت ملكاً خاصاً له؛ فرغم أن كل الأرض له، إلا أنه اختار هذه الأرض دون غيرها لتكون مقراً لعبادته. وهي ذاتها "أرض عمانوئيل" (إشعياء 8: 8). وبمجيء كثير من الكلدانيين مع اليهود واعتناقهم دينهم، اختاروا أن يكونوا عبيداً وإماءً لهم على أن يعودوا إلى أرضهم. كما يمكن فهمها عن المهتدين من الأمم في أزمنة الإنجيل الذين يخدمون كنيسة الله بمحبة. ويفسر "كيمحي" هذه العبارة بـ (إشعياء 61: 5). وَيَسْبُونَ الَّذِينَ سَبَوْهُمْ وَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى ظَالِمِيهِمْ. أي أن البابليين الذين سبوا اليهود سيُسبون من قِبَلهم؛ وقد تحقق هذا مادياً في زمن "المكابيين" حين غلبوا شعوباً كانت قد ظلمتهم؛ وبمعنى روحي تحقق في أزمنة الإنجيل بانتشار الكلمة في العالم الوثني على يد الرسل (وهم يهود)، مما أخضع الأمم لطاعة المسيح وكنيسته. [في تفسير المكتوب: "من تقدمني فأوفيه" (أي 41: 11)؛ ذكر الرابي أليعزر بن الرابي حييا: أن كل ما صنعه إبراهيم لملائكة الخدمة (ملائكة الشرط)، صنعه القدوس تبارك اسمه لبنيه عند خروجهم من مصر، وهو عتيد أن يمنحهم إياه أيضاً في المستقبل الآتي. بخصوص الأخذ: تجد مكتوباً عن إبراهيم قوله: "ليؤخذ" (تك 18: 4)، وبالمقابل صنع القدوس تبارك اسمه لبنيه: "وأتخذكم لي شعباً وأكون لكم إلهاً" (خر 6: 7). وذكر الرابي يوحنان: أن هذا التحقق كان في هذا العالم، أما عن المستقبل الآتي فأين ذكره؟ في قوله: "ويأخذهم شعوب ويأتون بهم إلى موضعهم" (إش 14: 2). بخصوص الماء: كتب عن إبراهيم قوله: "قليل ماء" (تك 18: 4)، فأعطى القدوس لبنيه ماءً عند خروجهم من مصر: "فتضرب الصخرة فيخرج منها ماء ليشرب الشعب" (خر 17: 6). وعن المستقبل الآتي أين ذكره؟ في قوله: "لأن الرب إلهك آتٍ بك إلى أرض جيدة أرض أنهار" (تث 8: 7). وعن أيام المسيح أين ذكره؟ في قوله: "ويكون على كل جبل عال وعلى كل أكمة مرتفعة سواق ومجاري مياه" (إش 30: 25)، وأيضاً: "أفتح على الهضاب أنهاراً" (إش 41: 18). بخصوص غسل الأرجل: كتب عن إبراهيم قوله: "واغسلوا أرجلكم" (تك 18: 4)، فأعطى القدوس لبنيه عند خروجهم من مصر: "فحمّمتك (غسلتك) بالماء" (حز 16: 9)، وفي أرض إسرائيل قيل: "اغتسلوا تنقوا" (إش 1: 16). وعن المستقبل الآتي أين ذكره؟ في قوله: "إذا غسل السيد قذر بنات صهيون" (إش 4: 4). بخصوص الاستظلال: كتب عن إبراهيم قوله: "واتكئوا تحت الشجرة" (تك 18: 4) حيث صنع لهم مظلة، وصنع القدوس مظالاً لبنيه عند خروجهم من مصر: "في مظال أسكنت بني إسرائيل لما أخرجتهم من أرض مصر" (لا 23: 43)، وفي أرض إسرائيل قيل: "ظللت رأسي في يوم التسلح" (مز 140: 7)، ومعنى "يوم التسلح" أي يوم تسلح الـ31 ملكاً (الذين هزمهم يشوع). وعن المستقبل الآتي أين ذكره؟ في قوله: "وتكون مظلة للاستظلال نهاراً" (إش 4: 6)]. مدراش رباه لنشيد الأناشيد (1: 37) [علّم الرابي حييا في قوله: "وسيّركم قياماً" (لا 26: 13)؛ أي بقامة مستقيمة لا يهابون أحداً من الخلائق. ويقول الرابي يودان: كما أن يوسف قد بيع لخيام قيدار كما قيل "وباعوا يوسف للإسماعيليين" (تك 37: 28) ثم عاد فاشترى من اشتروه كما قيل "فاشترى يوسف كل أرض مصر لفرعون" (تك 47: 20)؛ فكذلك إسرائيل عتيدون أن "يسبوا الذين سبوهم" (إش 14: 2)].
3 وَيَكُونُ فِي يَوْمٍ يُرِيحُكَ الرَّبُّ مِنْ تَعَبِكَ وَمِنِ انْزِعَاجِكَ، وَمِنَ الْعُبُودِيَّةِ الْقَاسِيَةِ الَّتِي اسْتُعْبِدْتَ بِهَا، وَيَكُونُ فِي يَوْمٍ يُرِيحُكَ الرَّبُّ مِنْ تَعَبِكَ في السبي وبسببه؛ إذ حُرموا من أرضهم ومن ممارسة عباداتهم بحرية، وكانوا يسمعون تعييرات العدو وتجديفه ويرون ممارساته الوثنية، مما خلق حزناً في قلوب المحبين الحقيقيين لله. وَمِنِ انْزِعَاجِكَ، من شرور أشد، ومن المعاملة القاسية والموت الذي كانوا يعيشون تحت وطأة الرعب منه. وَمِنَ الْعُبُودِيَّةِ الْقَاسِيَةِ الَّتِي اسْتُعْبِدْتَ بِهَا، كما في مصر سابقاً، كذلك في بابل؛ وعندما يستريحون من كل هذا في أرضهم، سيفعلون ما يلي.
4 أَنَّكَ تَنْطِقُ بِهذَا الْهَجْوِ عَلَى مَلِكِ بَابِلَ وَتَقُولُ: «كَيْفَ بَادَ الظَّالِمُ، بَادَتِ الْمُغَطْرِسَةُ؟ أَنَّكَ تَنْطِقُ بِهذَا الْهَجْوِ عَلَى مَلِكِ بَابِلَ أو "بخصوصه" وسقوطه وسقوط الملكية البابلية معه؛ وإذا فهمنا هذا عن ملك بعينه، فالأفضل عدم تفسيره عن نبوخذ نصر (الذي ذكره جيروم) حيث كانت الإمبراطورية في أوج مجدها، بل عن "بيلشاصر" الذي انتهت معه. ويُعتبر ملك بابل هنا رمزاً لـ "ضد المسيح". وكلمة "مثل" هنا تعني خطاباً حاداً وناقداً، مليئاً بالتهكم والسخرية والعبارات اللاذعة. وتترجمها السبعينية "رثاءً"، والعربية "أغنية حزينة"؛ ولكن بما أن الكنيسة ستنشدها بخصوص عدوها، فهي "أغنية ظفر" تبتهج بخرابه. وَتَقُولُ: «كَيْفَ بَادَ الظَّالِمُ، كيف تلاشى الذي ظلمنا واستعبدنا وجبى الضرائب منا؟ إن هذا يُقال على سبيل التعجب من كيفية حدوث ذلك، والابتهاج بوقوعه. بَادَتِ الْمُغَطْرِسَةُ؟ بابل الممتلئة ذهباً، والتي دُعيت "كأساً من ذهب" (إرميا 51: 7)، وشُبهت بـ "رأس الذهب" (دانيال 2: 32). والكلمة المستخدمة هنا هي كلمة كلدانية أو سريانية، وربما هي الاسم الذي أطلقوه هم على مدينتهم وتُرد إليهم الآن بتهكم. ويرى البعض أنها تعني "الجزية" أو الضريبة الذهبية التي كانت تُفرض على الأمم ولكنها الآن توقفت؛ وكذلك عندما يسقط "ضد المسيح"، ستتوقف كل الجبايات التي يفرضها على شعوب الأرض. أوريجانوس: وفقاً لإشعياء، الذي رُفعت فيه رثاة نيابة عن ملك بابل، يمكن تعلم الكثير عن أصل وبداية الشر. لقد اشتق الشر وجوده من البعض الذين فقدوا أجنحتهم باتباع ذاك الذي كان أول من فقد أجنحته.
5 قَدْ كَسَّرَ الرَّبُّ عَصَا الأَشْرَارِ، قَضِيبَ الْمُتَسَلِّطِينَ. قَدْ كَسَّرَ الرَّبُّ عَصَا الأَشْرَارِ، هذا هو الجواب على السؤال أعلاه حول كيفية توقف الظالم؛ فليس بقوة بشر، بل بالرب نفسه الذي استخدم كورش ليحطم قوة ملوك بابل الأشرار. قَضِيبَ الْمُتَسَلِّطِينَ. الذين كانوا تحت سلطة ملك بابل، أو الملوك أنفسهم: نبوخذ نصر، وأويل مرودخ، وبيلشاصر؛ كما يفسرها "كيمحي". ويمكن تطبيق ذلك على مملكة "ضد المسيح" التي سيحطمها المسيح ملك الملوك (رؤيا 2: 27). فـ "العصا" و"القضيب" هما رمزان للقوة والحكم، و"كسرهما" يعني الدمار الشامل وزوال السلطة. بسيكتا دي راب كهانا (5: 9) ["الزهور ظهرت في الأرض" (نش 2: 12)؛ قال الرابي إسحاق: المقصود بهم من كُتب في شأنهم "فأراني الرب أربعة صناع" (زك 1: 20)، وهم: إيليا، والملك المسيح، وملكي صادق، ومسيح الحرب (الممسوح لخوض الحرب). "حتى جاء أوان الغناء (القطع)" (12)؛ أي آن أوان قطع الغرلة، وآن أوان انكسار الأشرار كما قيل: "قد كسر الرب عصا الأشرار" (إش 14: 5)، وآن أوان اقتلاع مملكة الشر (أدوم/روما) من العالم، وآن أوان تجلي ملكوت السماوات ليكون "الرب ملكاً على كل الأرض" (زك 14: 9)].
6 الضَّارِبُ الشُّعُوبَ بِسَخَطٍ، ضَرْبَةً بِلاَ فُتُورٍ. الْمُتَسَلِّطُ بِغَضَبٍ عَلَى الأُمَمِ، بِاضْطِهَادٍ بِلاَ إمْسَاكٍ. الضَّارِبُ الشُّعُوبَ بِسَخَطٍ، ضَرْبَةً بِلاَ فُتُورٍ. ملك بابل، الذي شنَّ حرباً على الشعوب وأمم الأرض وقهرهم، وضربهم بحد السيف إرضاءً لشهواته، وإشباعاً لروحه المتعطشة للدماء؛ أما أولئك الذين استُبقوا، فقد حكمهم بقسوة، واضطهدهم بالجزية والعبودية الشاقة؛ وعندما كان يغزو أمة، يهاجم أخرى، وهكذا استمر في مطاردة انتصاراته دون انقطاع، ولم يعطِ راحةً لجيشه ولا للشعوب. الْمُتَسَلِّطُ بِغَضَبٍ عَلَى الأُمَمِ، ليس بالعدل والرأفة، بل بطريقة استبدادية وظالمة، حتى على أمته، فضلاً عن الأمم التي أخضعها. بِاضْطِهَادٍ أي يلاحقه عدل الله، ويُدركه ويقبض عليه، ويُنزل به العقاب المستحق. بِلاَ إمْسَاكٍ. أي لا مانع لتنفيذ الحكم العادل عليه؛ فلا أحد من الملوك المجاورين والأمم، سواء كانوا دافعي جزية له، أو في تحالف معه، يقدم له أدنى مساعدة أو عون، أو يحاول درء الضربة عنه، تلك الضربة التي وُجهت إليه بتوجيه وتعيين من الله، على يد كورش الفارسي. وهكذا هو حال "المسيح الدجال" (Romish antichrist)، الذي صنع حرباً مع القديسين، وضربهم بالسيف، واستمر في فعل ذلك دون أي انقطاع لعصور متلاحقة، واستبد بهم بطريقة هي الأكثر قسوة، فسوف يُطارد، ويُؤخذ، ويُؤتى به إلى نهايته، ولن يكون له معين؛ انظر رؤيا 13: 7.
7 اِسْتَرَاحَتِ، اطْمَأَنَّتْ كُلُّ الأَرْضِ. هَتَفُوا تَرَنُّمًا. اِسْتَرَاحَتِ، اطْمَأَنَّتْ كُلُّ الأَرْضِ. لزوال من كان يزعجهم؛ وهو ما سيكون عليه حال شعب الله، الذين سيملأون وجه الأرض في الأيام الأخيرة، عندما يُقبض على "الوحش" و"النبي الكذاب" ويُلقيان أحياء في بحيرة النار؛ وخاصة عندما يُقيد الشيطان، ويُوضع في السجن لألف سنة، لكي لا يضل الأمم فيما بعد، رؤيا 19: 20. هَتَفُوا تَرَنُّمًا. أي سكان الأرض، بسبب سقوط ملك بابل، إذ تحرروا من طاغية أو ظالم عظيم كهذا؛ أو "نطقوا بأغنية تسبيح" كما جاء في (الترجوم). ويقول "ابن عزرا" إن الكلمة في اللغة العربية تعبر عن "الوضوح"، وبذلك فهي تعني التحدث بنقاء، ووضوح، وطلاقة، بفم مفتوح وصوت جهوري؛ وقد وردت في مزمور 98: 4 بمعنى "اهتفوا"؛ عبر غناء أغنية مبهجة؛ ومثل هذه الأغنية ستغنيها الكنيسة عندما تسقط "بابل السرية"؛ انظر رؤيا 15: 2.
8 حَتَّى السَّرْوُ يَفْرَحُ عَلَيْكَ، وَأَرْزُ لُبْنَانَ قَائِلاً: مُنْذُ اضْطَجَعْتَ لَمْ يَصْعَدْ عَلَيْنَا قَاطِعٌ. حَتَّى السَّرْوُ يَفْرَحُ عَلَيْكَ، وَأَرْزُ لُبْنَانَ والتي مُثلت عبر "التشخيص" (prosopopoeia) كأنها تغني وتفرح، كما تُمثل الكائنات غير الحية غالباً في الكتاب المقدس، إذ لم تعد الآن في خطر القطع لتمهيد الطريق لجيوشه؛ انظر إشعياء 37: 24، أو لتزويده بالأخشاب للسفن أو بناء البيوت؛ أو بدلاً من ذلك تُفهم هذه الكلمات استعارياً للإشارة إلى ملوك وأمراء الأرض، المشبهين بمثل هذه الأشجار في طولهم وقوتهم ومكانتهم؛ انظر زكريا 11: 2 الذين لن يعودوا يخشونه أو يخضعون له. وهكذا جاء في (الترجوم): "الحكام أيضاً فرحوا بك، والأغنياء في ممتلكاتهم قالوا؛" فليس عامة الناس فقط، وسكان الأرض كما ورد سابقاً، بل حتى أمراؤها فرحوا بخرابه؛ وهكذا سيفرح ملوك الأرض بتدمير "زانية روما/بابل"، عندما يبغضونها، ويأكلون لحمها، ويحرقونها بالنار؛ رغم أن آخرين ممن ارتكبوا الزنا معها سيرثون لحالها، رؤيا 17: 16: قَائِلاً: مُنْذُ اضْطَجَعْتَ أو "مذ نمت"؛ أي متَّ؛ إذ جرت العادة في الأمم الشرقية التعبير عن الموت بالنوم. لَمْ يَصْعَدْ عَلَيْنَا قَاطِعٌ. أو "قاطع خشب"، وهو ما شُبه به ملك بابل لقطعه الأمم وإخضاعهم له، هو الذي كان في قلبه أن يدمر ويقطع أمماً ليست بقليلة؛ لكونه كفأس في يد الرب، وبواسطته قُطعت أشجار ضخمة وعالية؛ انظر إشعياء 10: 5 ولكن الآن، بما أن قاطع الخشب هذا قد رحل، فقد وُضعت الفأس جانباً وانكسرت إلى قطع، ولم يعد هناك من يسبب للأمم أي إزعاج؛ وهكذا سيكون الحال عندما يُدمر "المسيح الدجال"، فلن يكون هناك مزيد من الاضطهاد للكنيسة ولشعب الله.
9 اَلْهَاوِيَةُ مِنْ أَسْفَلُ مُهْتَزَّةٌ لَكَ، لاسْتِقْبَالِ قُدُومِكَ، مُنْهِضَةٌ لَكَ الأَخْيِلَةَ، جَمِيعَ عُظَمَاءِ الأَرْضِ. أَقَامَتْ كُلَّ مُلُوكِ الأُمَمِ عَنْ كَرَاسِيِّهِمْ. اَلْهَاوِيَةُ مِنْ أَسْفَلُ مُهْتَزَّةٌ لَكَ، أو "القبر"، أو مكان وحال الموتى، وبالأخص الهالكين، والمقصود بهم أولئك الذين هم في ذلك المكان وتلك الحال؛ والمعنى هو أنه ليس فقط سكان الأرض والأشجار التي عليها يعبرون عن فرحهم بسقوط ملك بابل، بل حتى من هم تحت الأرض، في القبر أو في الهاوية، يتأثرون بذلك ويتحركون بسببه، ليس خوفاً ورعباً كما كان حالهم في حياته وحياتهم كما يشير "كيمحي"؛ بل صُوِّروا في حالة حركة مصحوبة بضجيج عظيم بسبب كثرتهم، عند سماعهم بموته ودخوله إلى أقاليم الموتى. لاسْتِقْبَالِ قُدُومِكَ، كما جرت العادة في استقبال الملوك عند دخولهم، وكما كان يُستقبل هو عند دخوله أي مدينة تُفتح، لتحيته وتهنئته على دخوله أقاليم الموت والقبر والهاوية المظلمة؛ وهو تهكم لاذع. مُنْهِضَةٌ لَكَ الأَخْيِلَةَ، أي الموتى الذين فيها، في الهاوية أو القبر؛ ليس لمعارضته، بل للترحيب به في أرجائهم، بصفته صار الآن واحداً منهم، ولينضم إلى جماعتهم؛ وقيل إن الهاوية أو القبر توقظهم كما لو كانوا نياماً ولم يلاحظوا موت ملك عظيم كهذا، كان يهمُّ للتو بدخوله الرسمي بينهم. والكلمة المستخدمة هنا "Rephaim" (الرفائيين)، تُرجمت أحياناً "عمالقة" كما في تثنية 2: 11، ويفسرها "راشي" بأنهم (العناقيون)؛ وكذلك (الترجوم): "إنها تقيم لك الجبابرة؛" لأنه ليس عامة الناس بين الموتى هم المقصودون، بل رؤساء الأرض وعظماؤها الذين أخضعهم ملك بابل وقتلهم، والذين كان معروفاً لديهم جيداً، كما يظهر مما يلي: جَمِيعَ عُظَمَاءِ الأَرْضِ. أو "التيوس العظيمة"؛ قادة الشعب وآمروهم، الذين -كما تتقدم التيوس القطيع وتقوده- يقودون هم الشعب. ويسميهم (الترجوم): "جميع الأغنياء في الممتلكات؛" الذين كانوا أصحاب ثروة وقوة وسلطة عندما كانوا على الأرض: أَقَامَتْ كُلَّ مُلُوكِ الأُمَمِ عَنْ كَرَاسِيِّهِمْ. ليعرضوا عليه كراسيهم بأسلوب استهزائي، هو الذي اضطرهم في حياتهم وحياته إلى تسليم تيجانهم وكراسيهم وممالكهم؛ ولكن المقصود بكراسيهم هنا قبورهم، التي بُني الكثير منها بأبهة وفخامة عظيمتين؛ فليس للملوك عند الموت كراسٍ سوى قبورهم. ويقول "ابن عزرا" إن عادة البابليين كانت وضع كراسي في قبور ملوكهم.
10 كُلُّهُمْ يُجِيبُونَ وَيَقُولُونَ لَكَ: أَأَنْتَ أَيْضًا قَدْ ضَعُفْتَ نَظِيرَنَا وَصِرْتَ مِثْلَنَا؟ كُلُّهُمْ يُجِيبُونَ وَيَقُولُونَ لَكَ: هكذا كانوا سيقولون لو استطاعوا الكلام، وقد صُوِّروا هنا كما لو أنهم فعلوا ذلك. أَأَنْتَ أَيْضًا قَدْ ضَعُفْتَ نَظِيرَنَا أنت الذي كنت أقوى منهم، وكنت طاغياً عليهم، وأخضعتهم وحكمتهم، ولم يُنظر إليك كشخص لا يُقهر فحسب، بل كخالد، بل كإله؛ ومع ذلك صرت الآن "مريضاً" كما تعني الكلمة، أو أدى بك المرض إلى الموت، وبالموت ضعفت وصرت بلا قوة، مُجرداً من كل قوة طبيعية ومن كل سلطة مدنية وصلاحية. وَصِرْتَ مِثْلَنَا؟ هو الذي ظن نفسه، وأطراه الآخرون، بأنه لا مثيل له؛ لكنه الآن كبقية الموتى وعلى قدم المساواة معهم. وهكذا سيكون حال "المسيح الدجال"، الذي يرفع نفسه الآن فوق كل ما يُدعى إلهاً، ويملك على ملوك الأرض، ويُظهر نفسه كأنه إله، والذي يقول عنه مريدوه: "من هو مثل الوحش؟ من يستطيع محاربته؟" فعندما يُهلكه المسيح، ويُلقى في بحيرة النار مع الشيطان والنبي الكذاب، سيكون مثل ملوك الأرض الذين خدعهم، وبقية عابديه، وسيكون ضعيفاً مثلهم، 2 تسالونيكي 2: 4، رؤيا 20: 10.
11 أُهْبِطَ إِلَى الْهَاوِيَةِ فَخْرُكَ، رَنَّةُ أَعْوَادِكَ. تَحْتَكَ تُفْرَشُ الرِّمَّةُ، وَغِطَاؤُكَ الدُّودُ. أُهْبِطَ إِلَى الْهَاوِيَةِ فَخْرُكَ، أو "الجحيم"؛ كل الأبهة والعظمة التي ظهر بها حين كان جالساً على عرش مملكته، مع تاج يلمع على رأسه، وصولجان في يده، مرتدياً أغلى الثياب، ويحيط به أمراؤه ونبلاؤه بمنتهى التوقير والخضوع؛ كل هذا، وأكثر منه بكثير، تبعه إلى أقاليم الموت، وهناك فارقه؛ انظر مزمور 49: 17. رَنَّةُ أَعْوَادِكَ. أو الآلات الموسيقية، جميعها، حيث ذُكر نوع واحد للدلالة على الكل؛ مثل تلك التي كانت تُستخدم في الأعياد وأوقات الفرح والابتهاج، والتي كان لدى البابليين الكثير منها، ومن المحتمل جداً أنها استُخدمت في وليمة بيلشاصر عندما سقطت المدينة وقُتل؛ وهو ما قد يكون هناك إشارة إليه في هذا الموضع، دانيال 3: 5 قارن مع رؤيا 18: 16. تَحْتَكَ تُفْرَشُ الرِّمَّةُ، وَغِطَاؤُكَ الدُّودُ. هو الذي اعتاد أن تُفرش له السجاجيد الفاخرة ليمشي عليها، والمظلات الفخمة التي كان يجلس تحتها، وأسرة الريش ليرقد عليها، وأغلى الأغطية فوقه، والآن، لا شيء سوى الرمة تحته، والدود فوقه؛ أو بدلاً من أن يكون ملفوفاً بالذهب والحرير، ومحنطاً بأثمن الأطياب كما كانت عادة ملوك الشرق، لم يحصل حتى على قبر، بل طُرح خارجه كما سيأتي لاحقاً، فكان عرضة للتعفن ولأن يغطيه الدود فوراً؛ الدود في فراشه، والدود في ثياب فراشه! انظر أيوب 21: 26.
12 كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ، بِنْتَ الصُّبْحِ؟ كَيْفَ قُطِعْتَ إِلَى الأَرْضِ يَا قَاهِرَ الأُمَمِ؟ كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ لا يُفهم هذا عن سقوط الشيطان والملائكة المتمردين من حالتهم الأولى عندما طُرحوا من السماء إلى الهاوية، وإن كان قد يوجد تلميح لذلك؛ انظر لوقا 10: 18، ولكن الكلمات هي استمرار لخطاب الموتى لملك بابل، متعجبين منه كأمر لا يكاد يُصدق، هو الذي بدا راسخاً جداً على عرش مملكته، الذي كان يمثل سماءه، فإذا به يُعزل أو يسقط منه. وهكذا يُشار إلى دمار الأباطرة الرومان الوثنيين بطرد التنين وملائكته من السماء، رؤيا 12: 7، وبنفس الطريقة سيسقط "المسيح الدجال"، من سماء عظمته الخارجية وسعادته، ومن كرامته وسلطته التي يمتلكها الآن. يَا زُهَرَةُ، بِنْتَ الصُّبْحِ؟ إشارة إلى كوكب الزهرة، وهو "الفوسفوروس" أو كوكب الصباح الذي يمهد لنور الصباح ويُظهر أن النهار قريب؛ والمقصود به ليس الشيطان، الذي لم يُسمَّ قط في الكتاب المقدس "لوسيفير"، رغم أنه كان يوماً ملاك نور، ويغير شكله أحياناً إلى ملاك نور، والملائكة الأخيار يُسمون كواكب الصبح في أيوب 38: 7 وكما كان هو وملائكته يوماً ما؛ بل المقصود هو ملك بابل، الذي عُبِّر عن مجده الملكي وعظمته، التي فاقت كل ملوك الأرض، بهذه الأسماء؛ وربما كانت هذه ألقاباً اتخذها لنفسه أو منحها له حاشيته. وجاء في (الترجوم): "كيف سقطت من العلاء، أنت الذي كنت تلمع بين بني البشر ككوكب الزهرة بين الكواكب". ويطبقها "راشي" كما في "التلمود" على نبوخذ نصر؛ وإن كان ثمة شخص معين يُشار إليه، فبيلشاصر هو المقصود بالأحرى، بصفته آخر ملوك بابل. كَيْفَ قُطِعْتَ إِلَى الأَرْضِ كشجرة عالية قُطعت وبُطحت على الأرض، ولا يمكنها القيام أو الازدهار مجدداً، وهو ما يُشبه به الملوك والممالك العظيمة أحياناً؛ انظر إشعياء 10: 18، وهذا يدل على أن ملك بابل سيموت ميتة عنيفة لا طبيعية، كما حدث لبيلشاصر الذي سقطت معه الملكية البابلية ولم تقم لها قائمة بعدها؛ وهذا تمثيل للخراب المفاجئ والعنيف والنهائي للمسيح الدجال، رؤيا 18: 21. يَا قَاهِرَ الأُمَمِ؟ عبر إخضاعهم، وأخذ مدنهم وبلداتهم، ونهب ممتلكات سكانهم، وسبيهم، أو إلزامهم بترك جزية سنوية، مما أدى لإضعافهم وإبقائهم تحت سيطرته. وهكذا نال "المسيح الدجال" السلطة على العديد من أمم الأرض، وملك على ملوكها، واستنزف ثرواتهم بمختلف الطرق، فأضعفهم بشدة؛ بل إنهم هم أنفسهم أعطوا قدرتهم وسلطانهم للوحش، رؤيا 17: 12. ويلاحظ العديد من الكتاب اليهود أن الكلمة المستخدمة هنا تعني "إلقاء القرعة"؛ وهكذا استُخدمت في "المشناه" وفُسرت في "التلمود" ؛ وطُبقت على ملك بابل الذي كان يلقي القرعة على الأمم والممالك ليقرر أياً منها يحارب ويخضع أولاً؛ انظر حزقيال 21: 19. ويقول (الترجوم): "لقد طُرحت إلى الأرض، يا من قتلت الشعوب:" وهو وصف دقيق للمسيح الدجال، رؤيا 11: 7. جيروم (هيرونيموس): لمزيد من سهولة الفهم، ترجمنا هذه العبارة كما يلي: "كيف سقطت من السماء يا لوسيفر، الذي أشرقت في الصباح". ولكن إذا أردنا تقديم ترجمة حرفية عن العبرية، فستقرأ: "كيف سقطت من السماء، يا ابن الفجر المولول". ويُشار إلى لوسيفر أيضاً بكلمات أخرى؛ وذاك الذي كان سابقاً مجيداً جداً حتى إنه شُبه بحامل البرق، يُقال له الآن إنه يجب أن يبكي وينوح. وكما يشتت لوسيفر الظلمة، كما يقول، متوهجاً ومشرقاً بلون ذهبي، كذلك بدت خطوتك نحو الشعوب والعامة كنجم ساطع. لكنك أنت الذي تكلمت بغطرسة، وجرحت الأمم، سقطت إلى الأرض. لقد حصلتُ على قوة عظيمة لدرجة أن السماء يجب أن تقف ساكنة من أجلي، والنجوم في العلاء تستحق أن تُطرح تحت قدمي. ومع ذلك، أراد اليهود أن يُفهم (المعنى) على أنهم هم سماء ونجوم الله، بقدر ما يستمر النص قائلاً: "أجلس في جبل الاجتماع"، أي في الهيكل حيث تُخفى شرائع الله، "في أقاصي الشمال"، أي في أورشليم. لأنه مكتوب: "جبل صهيون، أقاصي الشمال". ولم يكتفِ كبرياؤه بالرغبة في السماوات، بل اندلع بمثل هذا الجنون حتى ادعى لنفسه التشبه بالله.
13 وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ، وَأَجْلِسُ عَلَى جَبَلِ الاجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي الشَّمَالِ. وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَ وهو ما يُظهر الكبرياء والغطرسة اللذين كانا في قلبه؛ واللذين كانا العلة والسبب في سقوطه، لأن الكبرياء يسبق السقوط؛ فقد كان سبب سقوط الملائكة، وآدم، والعديد من الملوك والممالك؛ انظر أمثال 16: 18 وقارن مع هذا رؤيا 18: 7: صْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أي أكون فوق جميع الناس، وأحكم العالم بأسره؛ وهكذا جاء في (الترجوم): "أنا أصعد إلى العلاء؛" إلا إذا كان المقصود بها الهيكل في أورشليم، حيث كان يسكن يهوه، وهو رمز للسماء، وهو المعنى الذي تميل إليه الجمل التالية؛ وهكذا يجلس "المسيح الدجال" في هيكل الله، وعلى عرشه كأنه إله، 2 تسالونيكي 2: 4. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ، التي صنعها ووضعها في السموات ويحفظها؛ ويُقصد بها إما الملائكة، أيوب 38: 7 أو بالأحرى ملوك وأمراء الأرض، الذين وضع نفسه فوقهم بعد أن أخضعهم تحته. ويمكن تطبيقها على الأشخاص الكنسيين، والرعاة، وأساقفة الكنائس، المشبهين بالكواكب، رؤيا 1: 20 والذين جرَّ التنين ثلثهم بذنبه، رؤيا 12: 4. وجاء في (الترجوم): "فوق شعب الله سأضع عرش مملكتي؛" وهذا ينطبق بوضوح تام على "إنسان الخطية": وَأَجْلِسُ عَلَى جَبَلِ الاجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي الشَّمَالِ. أي، كما يرى البعض، في الهيكل حيث تجتمع قبائل إسرائيل للعبادة، والذي بُني على جبل صهيون؛ الذي يقع شمال أورشليم كما يقول "كيمحي"؛ انظر مزمور 48: 2 وهكذا كثيراً ما تُسمى الخيمة "خيمة الاجتماع"؛ ولكن، كما يلاحظ البعض، لم يكن جبل صهيون في الشمال، بل في جنوب أورشليم؛ ولذلك فالمقصود ليس ذلك الجبل، بل جبل المريا، الذي كان شمال جبل صهيون؛ ومع ذلك، ليس المقصود هنا بابل، كما ظن الحاخام "جوزيف كيمحي"؛ التي سُميت -كما يفترض- "جبل الاجتماع" لأن كل العالم اجتمع هناك إلى ملك بابل؛ و"جبل" لأنها مدينة حصينة؛ وقيل إنها "في أقاصي الشمال" لأنها تقع في الشمال الشرقي من القارة؛ ولكن، كما لاحظ أحدهم، لم يكن بحاجة للتفاخر بالجلوس هناك حيث كان موجوداً بالفعل. ويرى "راشي" أن العبارة الأخيرة تشير إلى الجانب الشمالي من المذبح، في الدار، حيث كانت تُذبح الذبيحة، لاويين 1: 11 وقد تشير إلى كرسي المسيح الدجال، والسلطة الكهنوتية التي اغتصبها لتقديم ذبيحة عن خطايا البشر، وبالأخص "ذبيحة القداس" غير الدموية.
14 أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ. التي هي مركبات الله، والتي يركب عليها، ولذلك تظاهر هذا الملك الفخور بأنه مثله؛ وربما هناك إشارة إلى السحابة التي سكن فيها يهوه في الهيكل. وجاء في (الترجوم): "سأصعد فوق كل الشعوب،" المشبهين بالسحاب بسبب كثرتهم. وبالمعنى السري، قد يُقصد بها خدام الكلمة الحقيقيون، الملقبون بذلك لارتفاعهم وحركتهم وسرعتهم وامتلائهم بعقيدة الإنجيل المشبهة بالمطر؛ انظر إشعياء 5: 6. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ. هكذا تظاهر الشيطان أن يكون، وهذا هو الطُعم الذي وضعه لأبوينا الأولين وبه أُخذا؛ ولم يكن يرضي بعض الأمراء الطموحين، مثل "كاليجولا" وغيره، أقل من الألوهية؛ وهذا ما طمح إليه الملك البابلي، وأمر بأن يُنسب إليه ويُعامل على أساسه، إما في حياته، أو على الأقل بعد موته، وهو ما فُعل بالعديد من الأمراء الوثنيين. وهكذا صُوِّر المسيح الدجال وهو يُظهر نفسه أنه إله، 2 تسالونيكي 2: 4 بدعوة نفسه إلهاً أو السماح للآخرين بدعوته كذلك؛ وباغتصاب كل سلطة في السماء وعلى الأرض؛ وأخذ على عاتقه عزل الملوك والتصرف في الممالك كما يشاء؛ والتغاضي عن قوانين الله وسن قوانين جديدة؛ وإعفاء الناس من أيمانهم، وغفران خطاياهم، وتنصيب نفسه كمعصوم، والمفسر الوحيد للكتاب المقدس، والقاضي في المنازعات. وجاء في (الترجوم): "سأكون أعلى منهم جميعاً؛" أي أعلى من ملوك الأرض. أمبروسيوس: ما مدى الضرر الذي يمكن أن يلحقه بعبيد الله ذلك المتكبر الذي يرفع نفسه ضد الله ويقول: "أصعد إلى السماء، وأجلس عرشي فوق كواكب السماء؛ وأجلس على أعلى جبل فوق جبال الشمال الشاهقة؛ أصعد فوق السحاب؛ وأصير مثل العلي". ليس من العجب، إذن، أن عنيد الروح الذي لا يخضع لله قادر أيضاً على اضطهاد البشرية. كيف سيحفظ ثقة وإيمان الآخرين ذاك الذي، من خلال التجديف المتغطرس والخيال، يرقي نفسه للمساواة مع الرب القدير؟ كيف لمَن يفشل في تحرير الأسرى أن يفتري على ذاك الذي وحده أبطل كل الأرض، وجعل الملوك يرتجفون، ودمر المدن وأباد الأرض كلها؟ يجب أن نكون حذرين، إذن، لئلا يدمر الجدران التي تحرس نفوسنا، أو يهدد دفاعات عقولنا أو يضع عرشه فوق النجوم. إنه يضع عرشه فوق النجوم عندما يخدع المختارين وعندما يضطهد الأبرار، الذين تضيء أعمالهم مثل نجوم السماء.
15 لكِنَّكَ انْحَدَرْتَ إِلَى الْهَاوِيَةِ، إِلَى أَسَافِلِ الْجُبِّ. لكِنَّكَ انْحَدَرْتَ إِلَى الْهَاوِيَةِ، إلى حالة وضيعة وبائسة جداً؛ انظر متى 11: 23 بدلاً من الصعود إلى السماء: أو "إلى القبر"؛ وبالرغم من أنه سيُحرم من الدفن لاحقاً، فإن الكلمة قد تُؤخذ على أنها الهاوية السفلية (الجحيم)، وبذلك تكون على النقيض تماماً من السماء؛ وهذا سيتحقق في المسيح الدجال، عندما يُلقى الوحش والنبي الكذاب أحياء في بحيرة النار، رؤيا 19: 20: إِلَى أَسَافِلِ الْجُبِّ. بدلاً من أن تكون على جبل الاجتماع في أقاصي الشمال؛ وهي كلمة أخرى للهاوية، وجبِّ الفساد، والهاوية التي بلا قرار. وجاء في (الترجوم): "إلى أطراف بحيرة بيت الهلاك؛" مكان الدمار الأبدي. وبالطبع لدينا تفسير تقليدي ثابت واسع القبول لدي كل من اليهودية والمسيحية تنسب تلك الآيات إلى الشيطان وسقوطه من السماء، ويوجد في سفر أخنوخ مقاطع كاملة تتحدث عن تجمع الملائكة الساقطين بعد سقوطهم على الجبل ليتفقوا على إضلال البشر.
16 اَلَّذِينَ يَرَوْنَكَ يَتَطَلَّعُونَ إِلَيْكَ، يَتَأَمَّلُونَ فِيكَ. أَهذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي زَلْزَلَ الأَرْضَ وَزَعْزَعَ الْمَمَالِكَ، اَلَّذِينَ يَرَوْنَكَ هذه هي كلمات الموتى، متحدثين عن الأحياء، الذين حين يرون جثة ملك بابل ملقاة على الأرض. يَتَطَلَّعُونَ إِلَيْكَ، يَتَأَمَّلُونَ فِيكَ. [يتساءلون] إن كان هو أم لا، إذ لا يعرفونه من النظرة الأولى بسبب عظم التغير؛ هو الذي كان منذ لحظات على عرش مجده، وكل شارات العظمة حوله وعليه، بات الآن مطروحاً إلى الأرض، مسلوب الحياة، ملطخاً بالدماء، ومشوه الخلقة لدرجة يصعب معها التعرف عليه؛ واستُخدمت هذه العبارات للتعبير عن التبدل العظيم الذي طرأ عليه وعلى حاله ووضعه. يكادون لا يصدقون ما تراه أعينهم، ومتعجبين من هذا التغير المفاجئ والغريب، ولكن بأسلوب فيه شماتة. أَهذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي زَلْزَلَ الأَرْضَ أي سكانها، حين سمعوا بقدومه ضدهم بجيشه العظيم والمنتصر، فزعاً من أن يفعل بهم كما فعل بغيرهم؛ من تدمير مدنهم، وسلب ممتلكاتهم، وإسقاطهم بحد السيف، أو سبيهم، أو جعلهم دافعي جزية. وَزَعْزَعَ الْمَمَالِكَ، أي عزل ملوكها، ونصَّب آخرين؛ وغيَّر دساتيرها، وبدَّل شكل حكوماتها، وضمَّ ممالكهم إلى مملكته.
17 الَّذِي جَعَلَ الْعَالَمَ كَقَفْرٍ، وَهَدَمَ مُدُنَهُ، الَّذِي لَمْ يُطْلِقْ أَسْرَاهُ إِلَى بُيُوتِهِمْ؟ الَّذِي جَعَلَ الْعَالَمَ كَقَفْرٍ، سواء عبر إبادة سكانها، أو بتخريب المدن والبلدات والقرى والحقول والكروم والحدائق، وكل الأماكن المطورة والمزروعة أينما حلَّ، كما يتبع ذلك: وَهَدَمَ مُدُنَهُ، كما فعل الملوك الآشوريون، الذين ذُكر بعضهم في إشعياء 10: 9. الَّذِي لَمْ يُطْلِقْ أَسْرَاهُ إِلَى بُيُوتِهِمْ؟ أي بيت السجن الذي كانوا محتجزين فيه؛ أو "البوابة لأسرى مملكته" كما في (الترجوم)؛ أو بالأحرى يمكن ترجمة العبارة: "الذي لم يفتح لأسرائه" لكي يذهبوا "إلى ديارهم"؛ أو كما عبّر "دي ديو" (De Dieu) بإيجاز وشمول: "الذي لم يسرح أسرائه إلى بيوتهم"؛ فهو لم يكتفِ بقتل الكثيرين بقسوة ووحشية بحد السيف، بل إن أولئك الذين استسلموا وأُخذوا أسرى، احتجزهم في السجن ولم يحل قيودهم، بل تركهم يموتون هناك؛ وهذا كان مثالاً على القسوة العظيمة واللاإنسانية.
18 كُلُّ مُلُوكِ الأُمَمِ بِأَجْمَعِهِمِ اضْطَجَعُوا بِالْكَرَامَةِ كُلُّ وَاحِدٍ فِي بَيْتِهِ. كُلُّ مُلُوكِ الأُمَمِ أي أمم أخرى غير تلك التي حكمها، وحتى أولئك الذين أخضعهم، أو على الأقل أسلافهم، أو معظمهم على أية حال؛ فكلمة "كل" لا تعني دائماً كل فرد بعينه، رغم أن تكرارها هنا يرجح هذا المعنى، إذ لا يوجد سوى استثناءات قليلة جداً لهذا الملاحظة؛ فلسبب أو لآخر، يُدفن الملوك -صالحهم وطالحهم- في أبهة عظيمة: بِأَجْمَعِهِمِ اضْطَجَعُوا بِالْكَرَامَةِ في قبور فاخرة ونصب تذكارية فخمة أُقيمت تكريماً لهم؛ وحيث "ينامون" -كما تعني الكلمة- مع آبائهم وأسلافهم، وهم في راحة، في حال الموت، حيث سيبقون إلى حين القيامة. كُلُّ وَاحِدٍ فِي بَيْتِهِ. أو قبره، انظر أيوب 30: 23؛ وهو مرادف لبيته الأبدي، جامعة 12: 5 أو بيت عالمه: وفي إشارة إلى ذلك، يفسر (الترجوم) العبارة بنفس الصيغة هنا؛ ورغم أن قبورهم لم تكن داخل بيوت سكنهم أو قصورهم، إلا أنها كانت غالباً بالقرب منها، وفي بلادهم، وكانت مما شيدوه أو أمروا بتشييده في حياتهم.
19 وَأَمَّا أَنْتَ فَقَدْ طُرِحْتَ مِنْ قَبْرِكَ كَغُصْنٍ أَشْنَعَ، كَلِبَاسِ الْقَتْلَى الْمَضْرُوبِينَ بِالسَّيْفِ، الْهَابِطِينَ إِلَى حِجَارَةِ الْجُبِّ، كَجُثَّةٍ مَدُوسَةٍ. وَأَمَّا أَنْتَ فَقَدْ طُرِحْتَ مِنْ قَبْرِكَ أو بالأحرى "بعيداً عنه"؛ أي أنه لم يُسمح بوضعه فيه، أو لم يحظَ بدفن، كما تظهر الكلمات التالية، على الأقل لم يُوضع في القبر المخصص له؛ ورغم أن اليهود ، الذين يطبقون هذا على نبوخذ نصر، لديهم قصة خرافية تقول إن ابنه أخرجه من قبره تأكيداً لهذه النبوءة؛ وهو ما يرويه مفسروهم "ابن عزرا"، و"راشي"، و"كيمحي"، و"أباندانا" بهذا الشكل: أنه عندما طُرد نبوخذ نصر من بين الناس وعاش مع وحوش البر لسبع سنين، جعل الشعبُ ابنه "أويل مردوخ" ملكاً؛ ولكن عندما عاد نبوخذ نصر إلى رشده ورجع إلى قصره في بابل ووجد ابنه على العرش، وضعه في السجن، حيث بقي حتى مات نبوخذ نصر، وعندها أخرجه الشعب ليجعلوه ملكاً؛ لكنه رفض الملك قائلاً إنه لا يصدق أن والده قد مات؛ وأنه إن عاد مرة أخرى كما فعل سابقاً ووجده، فسيقتله؛ وعندئذٍ أخرجوه من قبره ليروه أنه قد مات: ولكن المعنى هنا ليس أن ملك بابل سيُخرج من قبره بعد وضعه فيه، بل إنه سيُمنع من أن يُوضع فيه أصلاً؛ وهو ما كان على الأرجح حال بيلشاصر. كَغُصْنٍ أَشْنَعَ، قُطع من شجرة لكونه عديم الفائدة ومضراً، وطُرح على الأرض حيث يبقى ليتعفن، ولا يصلح لشيء، لا كوقود ولا لغيره، بل يهمله الجميع ويحتقرونه. كَلِبَاسِ الْقَتْلَى في المعركة، والذي يتلطخ بالدماء فلا يهتم أحد بأخذه أو ارتدائه، ولا حتى لمسه؛ لأن مثل هؤلاء الأشخاص كانوا يُعتبرون نجسين في القانون الطقسي، وبلمسهم تنتقل النجاسة؛ ولعل هذا التشبيه استُخدم بهذا القصد، للتعبير عن الحالة الوضيعة والذليلة جداً التي سيكون عليها هذا العاهل. الْمَضْرُوبِينَ بِالسَّيْفِ، والتي أُضيفت من أجل التوضيح، لبيان الطريقة التي قُتل بها الأشخاص الذين يُشار إلى لباسهم؛ فثياب هؤلاء تكون ملطخة بالدماء، بينما أولئك الذين يموتون بوسائل أخرى قد لا تتسخ ثيابهم هكذا. والكلمة المترجمة "مطعونين"، لم تُستخدم إلا في هذا الموضع، وفي تكوين 45: 17 حيث تُرجمت "أوقروا" (أي حمّلوا الدواب)؛ ولكن كما لاحظ العديد من المفسرين اليهود المذكورين سابقاً، فإنها في اللغة العربية تعني الوخز أو الطعن بالسيف أو الرمح، وهكذا استُخدمت في النسخة العربية من يوحنا 19: 34: الْهَابِطِينَ إِلَى حِجَارَةِ الْجُبِّ، الذي عادة ما تُلقى فيه الجثث بعد المعركة، وغالباً ما يكون في قاعه حجارة؛ وبعد إلقائهم فيه، تُرمى الحجارة فوقهم أيضاً. كَجُثَّةٍ مَدُوسَةٍ. وهو ما يحدث كثيراً لمن يسقطون في المعركة؛ ومن المحتمل جداً أن هذا كان حال بيلشاصر حين قتله الكلدانيون، إذ قد تكون جثته قد أُهملت ودُيست في خضم الاضطراب، وبعد ذلك لم تحظَ بدفن سوى دفن جندي عادي في جب؛ وبدلاً من إقامة نصب جنائزي فوقه كما اعتاد الملوك، لم يحصل على شيء سوى كومة من الحجارة أُلقيت عليه.
20 لاَ تَتَّحِدُ بِهِمْ فِي الْقَبْرِ لأَنَّكَ أَخْرَبْتَ أَرْضَكَ، قَتَلْتَ شَعْبَكَ. لاَ يُسَمَّى إِلَى الأَبَدِ نَسْلُ فَاعِلِي الشَّرِّ. لاَ تَتَّحِدُ بِهِمْ فِي الْقَبْرِ أي مع الملوك المذكورين سابقاً؛ وليس المعنى أنه لن يُدفن في ذات المكان الذي دُفنوا فيه، أو يرقد في نفس النصب الفخمة التي رقدوا فيها، فهذا لم يكن مُخططاً له أصلاً لا من قبله ولا من قبل غيره؛ بل المعنى أنه لن يُدفن بنفس الطريقة، فلا يُحنط مثلهم، ولا تُحرق له الأطياب، ولا يُسجَّى في أبهة وفخامة، ولا تُقام فوقه "أهرامات" أو "أضرحة فخمة" (mausoleum)، أو أي نصب غني؛ إلا إذا فُهم هذا عن أسلافه، الملوك الذين كانوا قبله؛ فيكون المعنى أنه لن يحظى بدفن مع ملوك بابل، أو يُقبر حيث كانوا، بل كما قيل سابقاً، يُطرح بعيداً، أو يُمنع من دخول مكان الدفن. وجاء في (الترجوم): "لا تكون كواحد منهم في القبر؛" أي لن تكون مثلهم، أو مساوياً لهم، في مجد وفخامة الجنازة، ولن تحظى بنفس الطقوس والمراسم والزينة الجنائزية التي نالوها. وهكذا فإن "زانية بابل" لن تحظى بجنازة، بل إن ملوك الأرض سيأكلون لحمها ويحرقونها بالنار، رؤيا 17: 16. لأَنَّكَ أَخْرَبْتَ أَرْضَكَ، ليس فقط أراضي وأمم الآخرين، بل أرضه هو أيضاً، وسكانها، عبر حكمه الاستبدادي، وبالجبايات والمظالم، وبالغرامات والمصادرات تحت ذرائع شتى: أو، "أفسدتَ أرضك"؛ وهي العبارة التي تُستخدم لوصف بابل السرية، رؤيا 19: 2؛ انظر أيضاً رؤيا 11: 18 التي أرضها هي كامل الولاية العالمية، التي أفسدتها بأصنامها، وأهلكتها وخربتها بمختلف الوسائل المستخدمة لاستنزاف خيراتها. قَتَلْتَ شَعْبَكَ. أي قتلتهم حسب هواك، دون وجه حق، ولأسباب تافهة؛ وهو ما يفعله غالباً الأمراء المستبدون. ويطبق "راشي" و"كيمحي" هذا على قتل نبوخذ نصر لحكماء بابل، لأنهم لم يستطيعوا إخباره بحلمه وتفسيره. وهو أمر صحيح في حق المسيح الدجال الذي يقتل أولئك الذين لا يسجدون لصورته ولا يقبلون سمته، رؤيا 13: 10. لاَ يُسَمَّى إِلَى الأَبَدِ نَسْلُ فَاعِلِي الشَّرِّ. أو "ليس للأبد"؛ فبالرغم من أنه قد يكون لهم اسم وشهرة كبيرة لفترة، إلا أن ذلك لا يدوم؛ فبمرور الوقت يوضع فخرهم في التراب؛ أو، "لا يُنادى باسمهم للأبد"؛ فاسمهم وذكراهم لن يدوما؛ سيُقطع اسمهم، وذكرهم سينتن؛ ولن يكون لهم من يحفظ اسمهم، ولن يُتحدث عنهم باحترام؛ ومثل هذا النسل من فاعلي الشر كان بيلشاصر وعائلته، الذين انحدروا من نبوخذ نصر وأويل مردوخ، وانقرضوا دفعة واحدة، كما يلي.
21 هَيِّئُوا لِبَنِيهِ قَتْلاً بِإِثْمِ آبَائِهِمْ، فَلاَ يَقُومُوا وَلاَ يَرِثُوا الأَرْضَ وَلاَ يَمْلأُوا وَجْهَ الْعَالَمِ مُدُنًا». هَيِّئُوا لِبَنِيهِ قَتْلاً هذه الكلمات موجهة إلى الماديين والفرس، لتهيئة أدوات القتل واستخدامها؛ وتهيئة أنفسهم لذبح العائلة الملكية بأكملها، بيلشاصر وجميع أبنائه. وهكذا هُددت "إيزابل"، أو المسيح الدجال، بأن جميع أولادها سيُقتلون بالموت، رؤيا 2: 23. بِإِثْمِ آبَائِهِمْ، لكونهم قلدوهم وتبعوهم في خطاياهم، وشاركوهم فيها، وأكملوا مكيال آثامهم. فَلاَ يَقُومُوا وَلاَ يَرِثُوا الأَرْضَ أي لا ينهضوا ويخلفوه في حكم الأرض كإرث لهم. وَلاَ يَمْلأُوا وَجْهَ الْعَالَمِ مُدُنًا». كما فعل أسلافهم، الذين بنوا المدن لتخليد اسمهم ومجدهم، ولإرهاب الأمم التي أخضعوها. ويترجمها (الترجوم) بـ "أعداءً"؛ وهو ما تابعه "ابن عزرا"، و"راشي"، و"كيمحي"؛ وكذلك النسخ السبعينية، والسريانية، والعربية: "حروباً"؛ مما يسبب اضطراباً كبيراً لسلام العالم وقلقاً لسكانه؛ الأمر الذي يعد وباءً عظيماً للعالم ودينونة فيه.
22 «فَأَقُومُ عَلَيْهِمْ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. وَأَقْطَعُ مِنْ بَابِلَ اسْمًا وَبَقِيَّةً وَنَسْلاً وَذُرِّيَّةً، يَقُولُ الرَّبُّ. «فَأَقُومُ عَلَيْهِمْ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. أي ضد أبناء العاهل البابلي؛ ولذلك لن يقوموا ويرثوا الأرض ويزعجوها، بما أن رب جنود السماء والأرض، الذي له كل سلطان في العالمين، وكل شيء تحت أمره وإشارته، سيقوم -هو الذي بدا وكأنه نائم وغير مبالٍ بشؤون هذا العالم- وسيضع نفسه ضدهم، ويبذل قوته في دمارهم. وأَقْطَعُ مِنْ بَابِلَ أي ملك بابل وسكانها. اسْمًا ليس اسم المدينة، التي ذُكرت طويلاً بعد ذلك ولا تزال؛ بل اسم الملك وعائلته. وَبَقِيَّةً أي نسله، أو أولئك الذين تربطهم به صلة قرابة، كما يفسر "كيمحي". وَنَسْلاً وَذُرِّيَّةً، يَقُولُ الرَّبُّ. أي ابنه، وابن ابنه كما في (الترجوم)، ومن ثمَّ بقية الكتاب اليهود؛ فقد دُمرت العائلة بأكملها مع بيلشاصر، ولم يُسمع عن أحد من ذلك النسل بعد ذلك أبداً.
23 وَأَجْعَلُهَا مِيرَاثًا لِلْقُنْفُذِ، وَآجَامَ مِيَاهٍ، وَأُكَنِّسُهَا بِمِكْنَسَةِ الْهَلاَكِ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ». وَأَجْعَلُهَا مِيرَاثًا لِلْقُنْفُذِ، بدلاً من أن يمتلكها أي فرد من عائلة ملك بابل. و"القنفذ" (bittern) [في الإنجليزية يشير لمرارة الأرض وهو طائر مائي] هو نوع من الطيور المائية، قيل إنه يخرج صوتاً مرعباً جداً بوضع منقاره في الطين أو في قصبة مكسورة. ويعتقد البعض أن المقصود هو "البومة" التي تسكن الأماكن المقفرة والخربة؛ ويراها آخرون أنها "العقاب النساري" (ospray)، وهو نوع من النسور التي تقتنص السمك والبط؛ ووفقاً لـ "كيمحي"، المقصود هو "السلحفاة"؛ ومنهم من ذهب إلى أنها "القندس" (beaver)؛ أما "راشي" فيفهمها على أنها "القنفذ" (hedgehog)؛ وهي كلمة قريبة جداً من الكلمة العبرية "kippod" المستخدمة هنا، وهو ما وافقه عليه "بوخارتوس"؛ ولكن، أياً كان المخلوق المقصود، فإن الغرض هو إظهار أن بابل لن تكون مسكونة من البشر، بل من طيور أو وحوش كاسرة، أو حيوانات ضارة؛ وهكذا قيل عن بابل السرية إنها صارت "محبساً لكل طير نجس وممقوت"، رؤيا 18: 2. وَآجَامَ مِيَاهٍ، لكون بابل تقع في أرض سبخة، وعلى نهر الفرات؛ وعندما حوَّل كورش مسار ذلك النهر ، ثم أُهملت ضفافه بعد ذلك، فاضت المياه مع مرور الوقت على المكان الذي كانت فيه المدينة وما حولها، وهكذا صار من السهل أن تتحول إلى ما تنبأ به النص هنا؛ انظر رؤيا 18: 21. وَأُكَنِّسُهَا بِمِكْنَسَةِ الْهَلاَكِ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ». وبذلك يُخليها دفعة واحدة من كل سكانها وثرواتها وغناها، ويزيل تماماً أسوارها الضخمة ومبانيها الفخمة، فلا تُرى بعد ذلك، تماماً كما يُكنس البيت من كل غباره؛ ملمحاً إلى أن هذه المدينة المتباهية، وكل ما ينتمي إليها، ستتحول إلى غبار، وتُكنس بسهولة كما يُكنس الغبار بالمكنسة. والكلمة المستخدمة لـ "يكنس" و"مكنسة" لا ترد إلا في هذا الموضع، ولها هذا المعنى في اللغة العربية؛ وقد ورد في "التلمود" أن الحاخامات لم يعرفوا معنى هذه الكلمة حتى سمعوا جارية عربية تقول لزميلتها في الخدمة. "خذي هذه المكنسة واكنسي البيت". مستخدمةً الكلمة الواردة هنا.
24 قَدْ حَلَفَ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلاً: «إِنَّهُ كَمَا قَصَدْتُ يَصِيرُ، وَكَمَا نَوَيْتُ يَثْبُتُ: قَدْ حَلَفَ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلاً: النسخة السبعينية تقرأ فقط: "هذه الأشياء يقولها رب الجنود"؛ لأنه، كما يلاحظ "كيمحي" في هذا الموضع، فإن كلمته هي قسمه؛ ولكن لتعزية شعبه، ولتأكيد إما النبوات المتعلقة بسقوط بابل، أو النبوات التالية المتعلقة بدمار الملكية الآشورية، أو كليهما، فإنه يضيف قسمه إلى كلمته، ليُظهر أن الحكم الذي صدر في فكره، وعُبر عنه الآن، هو حكم غير قابل للنقض. «إِنَّهُ كَمَا قَصَدْتُ يَصِيرُ، كما صاغها وخطط لها، ورسم صورتها وخيالها في فكره، أو ثبتها واستقر عليها هناك، هكذا ستتم في الوقت المناسب، كما هو حال كل شيء يقرره الرب؛ وهذا يُظهر أن لا شيء يحدث عرضاً أو بالصدفة، بل كل شيء يتم وفق قصد الله؛ وأن كل ما يتم مما قرره، فإن كل قرار من هذا القبيل نابع من فكر، وهو نتاج الحكمة والتعقل الأسمى. وَكَمَا نَوَيْتُ يَثْبُتُ: أو "تشاورتُ"؛ داخل نفسه، لأنه يصنع كل شيء حسب مشورة إرادته؛ وهي التي تثبت دائماً، وتكون أكيدة وغير متغيرة، مهما كانت الأفكار التي في قلب الإنسان.
25 أَنْ أُحَطِّمَ أَشُّورَ فِي أَرْضِي وَأَدُوسَهُ عَلَى جِبَالِي، فَيَزُولَ عَنْهُمْ نِيرُهُ، وَيَزُولَ عَنْ كَتِفِهِمْ حِمْلُهُ». أَنْ أُحَطِّمَ أَشُّورَ فِي أَرْضِي كان هذا فكره، ومشورته، وقصده، ومرسومه؛ وهو ما يجب أن يُفهم إما عن ملك بابل، كما ورد سابقاً، لكونه لُقب بالآشوري؛ كما يبدو أن ملك بابل لُقب بملك آشور في 2 أخبار 33: 11، ولكن عندها لم يكن دماره في أرض إسرائيل، أو على جبال يهوذا كما هو متنبأ به هنا؛ أو بالأحرى، وبناءً عليه، فإن هذه نبوة جديدة، أو عودة إلى ما سبق التنبؤ به في الإصحاح العاشر (إشعياء 10: 1) بخصوص سنحاريب وجيشه، ودماره؛ والذي، لكونه حدث قبل دمار بابل بفترة طويلة، ذُكر لتعزية شعب الله، كرهن وضمان للأخيرة: وإن كان البعض يعتقد أنها كانت قد حدثت بالفعل في ذلك الوقت، وذُكرت لتقوية إيمان اليهود فيما يتعلق بالنبؤة السابقة، ويقرأون الكلمات هكذا: "كما في كسري لآشور في أرضي"؛ وعندها يكون المعنى: إن ما فكرتُ فيه وقصدتُه وحلفتُ به ليتم بخصوص سقوط بابل، سيتحقق بكل تأكيد، ويمكنكم الاعتماد على ذلك، تماماً كما كسرتُ الجيش الآشوري في أرضي أمام أعينكم، وأنتم أنفسكم شهود على ذلك. ويرى البعض أن "جوج وماجوج" هم المقصودون بالآشوري، الذين تنبأ النص بسقوطهم على جبال إسرائيل، كما هنا، حزقيال 39: 4؛ ولربما كان ملك بابل رمزاً للمسيح الدجال في النبوة السابقة، فإن "الأشوري" هنا قد يمثل "الأتراك" الذين يمتلكون الآن أرض إسرائيل، وسوف يُبادون. وَأَدُوسَهُ عَلَى جِبَالِي، أي الجزء الجبلي من يهوذا، وبالأخص الجبال التي كانت تحيط بأورشليم، حيث كان الجيش الآشوري بقيادة سنحاريب عندما حاصرها، وحيث سقطوا ودُيسوا بالأقدام؛ والآن يمكن القول إن الرب كسر القوات الآشورية وداس عليها، لأنه لم يتم ذلك وفقاً لمشيئته فحسب، بل تم دون استخدام البشر، بواسطة ملاك أُرسل فوراً من السماء، وأهلك الجيش بأكمله، 2 ملوك 19: 35. فَيَزُولَ عَنْهُمْ نِيرُهُ، وَيَزُولَ عَنْ كَتِفِهِمْ حِمْلُهُ». بمعنى أن حصار أورشليم سوف ينفك بهذا، وتتخلص المدينة من عدو مزعج كهذا؛ وتُعفى المناطق المجاورة من عبء إيواء جيش ضخم كهذا؛ وتتحرر الأرض كلها من خضوع هذا العاهل ومن دفع الجزية له. وقد ورد ذات القول في إشعياء 10: 27. وهذا، في "التلمود" ، يُفسر بخصوص سنحاريب.
26 هذَا هُوَ القَضَاءُ الْمَقْضِيُّ بِهِ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَهذِهِ هِيَ الْيَدُ الْمَمْدُودَةُ عَلَى كُلِّ الأُمَمِ. هذَا هُوَ القَضَاءُ الْمَقْضِيُّ بِهِ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ، أو "المشورة التي استُشير بها". وجاء في (الترجوم): "جميع سكان الأرض؛" وفي النسخة السبعينية: "العالم أجمع"، والمقصود به الإمبراطورية الآشورية، وجميع الدول التابعة لها؛ كما سُميت الإمبراطورية الرومانية في لوقا 2: 1؛ فهذا القصد لا يخص نهاية العالم ودينونته في اليوم الأخير كما ظن البعض؛ بل يخص النبوة السابقة، أو القصد، أو المشورة المتعلقة بكسر الآشوريين ودوسهم بالأقدام، وتخليص اليهود من الخضوع لهم. وَهذِهِ هِيَ الْيَدُ الْمَمْدُودَةُ عَلَى كُلِّ الأُمَمِ. التي يتكون منها الجيش الآشوري، أو التي تشكل الملكية الآشورية، أو التي كانت تعتمد عليها وسقطت معها. وكلمة "القصد" تدل على مشورة الله وإرادته ومرسومه بخصوص هذا الأمر؛ و"اليد" تدل على التنفيذ. ويترجمها (الترجوم) بـ "القوة"؛ وبذلك تسير "اليد" و"المشورة" معاً كما في أعمال الرسل 4: 28. وجاء في (الترجوم): "على كل الممالك".
27 فَإِنَّ رَبَّ الْجُنُودِ قَدْ قَضَى، فَمَنْ يُبَطِّلُ؟ وَيَدُهُ هِيَ الْمَمْدُودَةُ، فَمَنْ يَرُدُّهَا؟ فَإِنَّ رَبَّ الْجُنُودِ قَدْ قَضَى، ما أُعلن سابقاً من سقوط بابل ودمار الآشوري، وكل شيء آخر يحدث في هذا العالم؛ فلا يحدث شيء إلا وقد قصده، وكل ما قصده لابد أن يتم. فَمَنْ يُبَطِّلُ؟ ليس أقوى الملوك، ولا أقوى الجيوش، ولا أذكى مشورات البشر، ولا أعظم السياسيين على الأرض. وَيَدُهُ هِيَ الْمَمْدُودَةُ، فَمَنْ يَرُدُّهَا؟ أو يصرفها عن توجيه الضربة التي صُممت لتوجهها؛ فلا توجد قوة على الأرض تعادلها.
28 فِي سَنَةِ وَفَاةِ الْمَلِكِ آحَازَ كَانَ هذَا الْوَحْيُ: أي هذه النبوة الثقيلة التالية المتعلقة بدمار الفلسطينيين؛ وسواء سُلمت قبل وفاته أو بعدها فهذا غير مؤكد. وهنا يبدأ البعض الأصحاح "الخامس عشر" (إشعياء 15: 1)، وهو أمر لا يخلو من وجاهة؛ فمنذ هذه اللحظة تُسلم النبوات في عهد ملك آخر، فبعد أن كانت تحت حكم عزيا ويوثام وآحاز، هي الآن تحت حكم حزقيا. وهذا، وفقاً للأسقف "آشر"، كان في عام العالم 3278 وقبل العصر المسيحي بـ 726 عاماً.
29 لاَ تَفْرَحِي يَا جَمِيعَ فِلِسْطِينَ، لأَنَّ الْقَضِيبَ الضَّارِبَكِ انْكَسَرَ، فَإِنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْحَيَّةِ يَخْرُجُ أُفْعُوانٌ، وَثَمَرَتُهُ تَكُونُ ثُعْبَانًا مُسِمًّا طَيَّارًا. لاَ تَفْرَحِي يَا جَمِيعَ فِلِسْطِينَ، أي أرض الفلسطينيين؛ والمقصود سكان فلسطين، الذين فرحوا بموت عزيا الذي كان قوياً جداً عليهم، وخلال عهد آحاز الذي كانت لهم الغلبة عليه؛ والآن بعد أن مات، كانوا يأملون أن تكون الأمور أكثر ملاءمة لهم، بما أن أميراً شاباً وهو حزقيا قد خلفه؛ لكنهم سيكتشفون عبر التجربة المريرة أنه لا داعي لفرحهم بهذه التغييرات: وقد ذُكرت "جميع فلسطين" لأنها كانت مقسمة إلى خمس مقاطعات أو ولايات، عليها خمسة أقطاب (أمراء)، يشوع 13: 3 و1 صموئيل 6: 4؛ وبما أنهم كانوا جميعاً يفرحون بنجاحاتهم الأخيرة في زمن آحاز، ويأملون في نجاحات أكبر، فإنهم جميعاً سيعانون في المصيبة المهدد بها لاحقاً. لأَنَّ الْقَضِيبَ الضَّارِبَكِ انْكَسَرَ، والمقصود ليس آحاز، لأنه لم يضرب الفلسطينيين بل ضُرب من قبلهم، إذ غزوا بلاده وأخذوا الكثير من مدنه؛ انظر 2 أخبار 28: 18؛ بل بالأحرى المقصود عزيا، الذي هدم أسوار مدنهم وبنى مدناً أخرى، 2 أخبار 26: 6 ولذلك فرحوا بموته؛ واستمر فرحهم خلال عهدي يوثام وآحاز، وزاد عند موت آحاز بتنصيب ملك جديد وشاب على العرش. ويفهم البعض هذا على أنه انكسار للآشوري، قضيب غضب الله، إشعياء 14: 25 الذي ضُرب به الفلسطينيون، ولذلك فرحوا بخرابه؛ وإلى هذا يميل (الترجوم) في تفسيره كالتالي: "لأن الحكومة التي كنتم تخدمونها قد انكسرت". وأولئك الذين يفسرون بهذه الطريقة، يفهمون "الحية" المذكورة لاحقاً على أنها "تغلث فلاسر" ملك آشور، الذي كان خلفاؤه أكثر إزعاجاً للفلسطينيين منه؛ و"الأفعى" (cockatrice) هي سنحاريب؛ و"الثعبان المسحي الطيار" هو نبوخذ نصر. بينما يرى "كوكسيوس" أن معنى النبوة هو ألا يفرح الفلسطينيون بنزع الصولجان من اليهود وسبيهم إلى بابل، لأن ذلك لن يكون في مصلحتهم؛ فبعد نبوخذ نصر وأبنائه (المقصودين بـ "الحية")، سيأتي الماديون والفرس (المشار إليهم بـ "الأفعى")؛ وبعدهم المقدونيون أو اليونانيون (المقصودين بـ "الثعبان المسحي الطيار") تحت قيادة الإسكندر، الذي سـ "يقتل" "أصلهم"، ويأخذ صور عاصمتهم، التي حدثت فيها مجاعة أثناء حصارها؛ ومن ثم "يقتل بقيتهم"، أي مدينة غزة، آخر مدنهم، التي قتل سكانها؛ لكن التفسير الأول للنبوة هو الأكثر شيوعاً والأكثر سهولة وطبيعية. فَإِنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْحَيَّةِ يَخْرُجُ أُفْعُوانٌ، أي من نسل عزيا ملك يهوذا، الذي أزعج الفلسطينيين بشدة، ولهذا السبب شُبه بـ "الحية"، سوف يقوم حزقيا المشبه بـ "الأفعوان"، لأنه سيكون -وقد كان بالفعل- أكثر ضرراً وإيلاماً لهم؛ انظر 2 ملوك 18: 8. وَثَمَرَتُهُ تَكُونُ ثُعْبَانًا مُسِمًّا طَيَّارًا. ليس ثمرة الأفعوان، بل ثمرة الحية؛ ويقصد بها نفس الشخص السابق ذكره، حزقيا، المشبه بمثل هذا المخلوق بسبب الضراوة والسرعة التي جاء بها، وسوف يأتي بها، ضد الفلسطينيين، والضرر الذي ألحقه بهم: و"الحية" التي شُبه بها تُسمى "محرقة" أو "مسامة"، لأنها تلهب الموضع الذي تلدغه؛ انظر عنها في عدد 21: 6؛ و"طياراً"، ليس لأن له أجنحة، رغم أن بعض الحيات يُقال إن لها أجنحة؛ بل لأنه عندما يقفز أو ينقضُّ على إنسان، يكون ذلك بسرعة كبيرة لدرجة أنه يبدو كأنه يطير؛ ويُشار هنا إلى الحية الملقبة بـ "acontias" أو "الحية السهمية" (serpens jaculus). ويطبق (الترجوم) هذا المقطع على المسيح كالتالي: "لأنه من أبناء أبناء يسى سيخرج المسيح، وأعماله ستكون بينكم كثعبان طيار". ترجوم يوناثان لإشعياء [لا تغمركِ الأفراح يا بلاد فلسطين قاطبة، لمجرد أن السلطان الذي كان يرزح فوقكِ قد انكسر؛ ذلك لأنه من نسل ذرية يسى سيقوم المسيح، وستكون أفعاله وسطوتُه عليكِ كالحية الطائرة].
30 وَتَرْعَى أَبْكَارُ الْمَسَاكِينِ، وَيَرْبِضُ الْبَائِسُونَ بِالأَمَانِ، وَأُمِيتُ أَصْلَكِ بِالْجُوعِ، فَيَقْتُلُ بَقِيَّتَكِ. وَتَرْعَى أَبْكَارُ الْمَسَاكِينِ، أي اليهود، الذين أُذلوا جداً في زمن آحاز، ووُضعوا في أضيق الظروف وأصعبها؛ فكلمة "أبكار" قد تعني هنا الأوائل، أو أولئك الذين كانوا أفقر الجميع وفي أعظم ضيق؛ هؤلاء، في زمن حزقيا، سيتمتعون بفيض من الخيرات، وتحت حكمه اللطيف سيرعون كقطيع غنم في مراعٍ جيدة؛ وهذا يدل على أنه بالرغم من كونه سيكون كحية مؤذية لأعدائه، إلا أنه سيكون عطوفاً ورقيقاً مع رعاياه، وسيعتني بهم اعتناءً كبيراً، وسيكونون في ظله في سعة وازدهار عظيمين. وَيَرْبِضُ الْبَائِسُونَ بِالأَمَانِ، كقطيع غنم، آمنين من وحوش البرية، تحت رعاية راعٍ أمين وساهر؛ وهذا يُظهر أن اليهود لن يحصلوا على وفرة من الخيرات فحسب، بل سيعيشون في أعظم طمأنينة، دون خوف من أي عدو، أو خطر يتهددهم. وَأُمِيتُ أَصْلَكِ بِالْجُوعِ، وهذا موجه لفلسطين، المشبهة بشجرة جف أصلها لقلة الرطوبة فماتت؛ والمعنى هو أن مجاعة شديدة ستعصف ببلادهم وتفنيهم تماماً. فَيَقْتُلُ بَقِيَّتَكِ. أي أن حزقيا سيقتل بالسيف أولئك الذين تبقوا من المجاعة.
31 وَلْوِلْ أَيُّهَا الْبَابُ. اصْرُخِي أَيَّتُهَا الْمَدِينَةُ. قَدْ ذَابَ جَمِيعُكِ يَا فِلِسْطِينُ، لأَنَّهُ مِنَ الشَّمَالِ يَأْتِي دُخَانٌ، وَلَيْسَ شَاذٌّ فِي جُيُوشِهِ. وَلْوِلْ أَيُّهَا الْبَابُ. أو أبواب مدن فلسطين؛ أي الحكام الذين جلسوا هناك لتنفيذ الأحكام، أو الشعب الذي يمر من هناك؛ أو لأنها أُجبرت الآن على الانفتاح لأعدائها؛ ولذلك بدلاً من الفرح، هم مدعوون للعويل. اصْرُخِي أَيَّتُهَا الْمَدِينَةُ. أو المدن، أي مختلف مدن الأرض، فضلاً عن مدينتهم الرئيسية، بسبب الدمار القادم عليهم. وجاء في (الترجوم): "ولول على أبوابك، واصرخ على مدنك؛" أو بخصوصهم. قَدْ ذَابَ جَمِيعُكِ يَا فِلِسْطِينُ، أو "انصهرتِ"؛ من الخوف بسبب الأعداء القادمين عليهم؛ أو قد يقصد بها الإطاحة الكاملة وانحلال دولتهم. لأَنَّهُ مِنَ الشَّمَالِ يَأْتِي دُخَانٌ، أي جيش عرمرم، يثير غباراً كالدخان أثناء تحركه، ويأتي بـ "سرعة" كبيرة ومزعجة للغاية. ويفهم البعض هذا على أنه الجيش الكلداني تحت قيادة نبوخذ نصر القادم من بابل، التي تقع شمال يهوذا؛ وهكذا يرى "ابن عزرا"؛ وهو ما يتوافق مع إرميا 47: 1 ولكن الغالبية يفسرونه بجيش حزقيا، الذي جاء من يهوذا: والتي يقول "كيمحي" إنها تقع شمال أرض الفلسطينيين. ويرى "كوكسيوس" أن المقصود هنا هو الجيش الروماني، الذي جاء من الشمال ضد يهوذا، الملقبة بـ "جميع فلسطين"؛ تلك البلاد التي آلت إلى أيدي اليهود بعد استيلاء اليونانيين على صور وغزة، ولذلك فإن (السنهدرين) الذي جلس في الباب، ومدينة أورشليم، مدعوان للولولة والصراخ. لكن المعنى الأول يبدو هو الأفضل، بما أن الدمار النهائي لفلسطين كان على يد الجيش الكلداني تحت قيادة نبوخذ نصر؛ وهكذا فإن النبوة التي بدأت من زمن حزقيا، تستمر حتى الانحلال التام لهذه البلاد على يد البابليين. وَلَيْسَ شَاذٌّ فِي جُيُوشِهِ. عندما تأتي الأوقات المعينة لجمع الجيش وحشده وزحفه، سواء كان جيش حزقيا أو الكلدانيين، فلن يبقى أحد في بيته؛ بل سيتدفق الجميع طواعية وبابتهاج وينخرطون فيه؛ ولن ينفصلوا عنه أو يشردوا، بل سيزحفون بقلب واحد، ويشتبكون بشجاعة مع العدو حتى يتحقق النصر. ويفهم "ابن عزرا" هذا عن الفلسطينيين، بأنهم لن يتمكنوا من البقاء وحدهم في قصورهم وبيوتهم بسبب الدخان الذي سيدخل إليهم.
32 فَبِمَاذَا يُجَابُ رُسُلُ الأُمَمِ؟ إِنَّ الرَّبَّ أَسَّسَ صِهْيَوْنَ، وَبِهَا يَحْتَمِي بَائِسُو شَعْبِهِ. فَبِمَاذَا يُجَابُ رُسُلُ الأُمَمِ؟ أو "الأمة"، أي أي من الأمم. ليس الرسل الذين أُرسلوا إلى حزقيا (إشعياء 39: 1)، بل بالأحرى أولئك الذين أُرسلوا إليه لتهنئته على انتصاره على الفلسطينيين؛ أو أي شخص آخر أُرسل وجاء من أمم أخرى للاستفسار عن هذه الأمور، والجواب المردود هو. إِنَّ الرَّبَّ أَسَّسَ صِهْيَوْنَ، وليس حزقيا؛ فقد منح شعبه النصر على أعدائهم، وحماهم ودافع عنهم وثبتهم، ولذلك يجب أن يكون له كل المجد. وَبِهَا يَحْتَمِي بَائِسُو شَعْبِهِ. أو "يلجأون إليها"؛ كإلى مكان أمان، لكونها مؤسسة من قبل الرب وتحت حمايته. وهكذا فإن كنيسة الله، التي غالباً ما تسمى صهيون في الكتاب المقدس، هي من تأسيسه؛ وقد وضع المسيح أساساً لها، وأولئك الذين يدركون فقرهم الروحي وبؤسهم وخطرهم، يتوكلون عليه؛ ليس على صهيون [المكان]، بل على الأساس الذي وضعه الله في صهيون، أو الذي بنى كنيسته عليه.
 ⪢